......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

السبت، 20 أغسطس 2016

الحلقة (5) الدعوة إلى الله ليست محاكمة للناس ...

الدعوة إلى الله .. وإلى دين الله .. ليست محاكمة للناس .. ولا تعرية لهم ... وليست انتقاما من المخالف ... ولا انتصارا للذات ...
وإنما هي وظيفة يقوم بها المؤمن البصير إرضاء لله تعالى وامتثالا لأمره ... واتباعا لنبيه عليه الصلاة والسلام... وإنما عليك البلاغ وعلى الله الحساب.
و من شروط القيام بهذه الوظيفة أن تكون بدافع المحبة للناس والشفقة عليهم والرحمة بهم ... كما كان سيد الدعاة عليه الصلاة والسلام ... الذي خاطبه ربه بقوله :" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ".
وقد قيل له في إحدى الغزوات : لو لعنتهم يا رسول الله ؟ فقال: " إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا ".
وقيل له ادع على ثقيف - أهل الطائف - فقال: " اللهم اهد ثقيفا وأئت بهم مسلمين".
فقمة الفقه في الدين أن يعلم الداعي أنه بمنزلة المنقذ أو الطبيب:
فالمنقذ مهمته إنقاذ الغريق ... و الطبيب مهمته علاج المريض ولو كان متعفنا ... ولا يمكن لأي منهما أن يقوم بلعن أو شتم او تعنيف أو فضح ... من يقوم بإسعافه.. حتى ولو خالف التعليمات التي قدمت له !!
ومن هنا يتجلى لك أنه ليس من قبيل الدعوة إلى الله ما يقوم به بعض الأقوام من أساليب مقيتة ...فتراهم يعمدون إلى السب و الطعن... والتضليل والتبديع ... والبغضاء والقطيعة ... زاعمين أنهم يدعون إلى الله أو يدافعون عن الحق ...
ولو كانوا صادقين في ذلك لما كانت دعوتهم بهذه الطريقة المقيتة الهادمة لقيم الدين ... والمؤذية لعباد الله ...
وقد روي عن مالك بن أنس رحمه الله أنه قال :" إذا رأيت الرجل يدافع عن الحق فيشتم، ويسب، ويغضب، فاعلم أنه معلول النية؛ لأن الحق لا يحتاج إلى هذ".
فالدعوة إلى الله لا تكون بالسب والطعن ..والقطيعة والبغضاء ..
وإنما تكون وفق المنهج الذي بينه القرآن المجيد :
"أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم يالتي هي أحسن".
ومن المخجل أن ترى من يبشرون بالنصرانية يحرصون على تطبيق هذا المنهج الدعوي الذي قررته هذه الآية ؛ من أجل كسب الناس إلى دينهم الباطل ؟
أوليس أهلُ الإسلام أحق بتطبيقه ؛ من أجل كسب الناس إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده ؟ !
وقد نبهت آية الإسراء إلى خطورة العدول عن هذا المنهج ، فقال سبحانه :
"وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم".
تلك هي العلة : فإننا إذا لم نعمل بهذا التوجيه ، ونقول للناس حسنا ، وندعوهم بالتي هي أحسن ، فإن الشيطان سينزغ بيننا ، ويثير الفتنة بيننا ، ويوقعنا في العداوة والقطيعة والشرور ، فيتفرق جمعنا ويتشتت شملنا ... وتلك هي الحالقة ، التي تحلق الدين لا الشعر .
ومن الجهل بالدين : أن تقاطع من لا يستحيب لدعوتك .. أو من تراه على خطأ ...
فإنك اذا قاطعته تكون قد ارتكبت منكرا أكبر بكثييييييير من المنكر الذي تريد تغييره .. ووسعت دائرة المناكر بغير جدوى ....
وهذا مصادم لما قررته الشريعة المعظمة من أصول وقواعد ..كقاعدة :
"الضرر لا يزال بمثله ولا بما هو فوقه من باب أولى"

اللهم فقهنا في ديننا وقنا من غوائل أنفسنا.

سلسلة مقالات (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين)

الخميس، 18 أغسطس 2016

ميثاق الزوجية أهميته ووسائل حفظه وظاهرة تفشي الطلاق والاستهانة بألفاظه وآثاره

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الصادق الوعد الأمين ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً"
أما بعد / أيها الإخوة الكرام حديثنا اليوم عن موضوع من الأهمية بمكان ، لا يستقيم حال الأسرة بدونه .. ولا تتحقق السعادة والهناء الا به.. ولا يصلح المجتمع إلا بصلاحه .. إنه الزواج الذي يعد أساس تكوين الأسرة ، واساس بناء المجتمع، وأساس المحافظة على النسل ...
ولأهميته ومكانته أولاه الإسلام عناية خاصة ورعاية فائقة ، ومن ذلك:
أن الله تعالى لم يصف عقداً من العقود بما وصف به عقد الزواج ، حيث وصفه بالميثاق الغليظ ، قال تعالى:
"وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"[النساء21].
الزواج ميثاق غليظ: فهو عهد عظيم .. ورباط متين .. وعلاقة قوية .. فمن ذا الذي تسول له نفسه بأن يخون هذا العهد الذي عظمه الله ، أو يفك هذا الرباط الذي وثقه الله ؟!
وللمحافظة على هذا الميثاق أمر الشارع بالمعاشرة بالمعروف ، وغض الطرف عن النقائص ، والتجاوز عن الهفوات بين الزوجين ، فقال تعالى:
"وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا".[النساء19]
وقال صلى الله عليه وسلم : (لاَ يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً ، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ).[مسلم 3639].
فالكمال لله وحده ، ومن طلب زوجا بلا نقائص بقي وحيدا ؛ لأنه لا وجود لشخص كامل لا في الأرض ولا في المريخ ...لذلك فلننظر إلى الإجابيات ولنتغاضى عن السلبيات( إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ).
وللحفاظ على هذا الميثاق الغليظ نهي الشارع عن الطلاق في حالة الحيض ، لأن ميزاج المرأة أثناء الحيض يكون مضطربا ، ولأن رغبة الزوج فيها تكون غير متوفرة حينئذ.
وللحفاظ على هذا الميثاق أيضا نهى الشارع عن الطلاق في حالة الطهر الذي جامعها فيه ، لماذا ؟ لكي لا يطلقها بعد قضاء حاجته منها ، فتقل رغبته فيها.
فانظر إلى حكمة الشارع الحكيم فهو لا يأمر إلا بما فيه مصلحة ، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة ، والشريعة رحمة كلها وعدل كلها ومصالح كلها  ....
وللحفاظ على هذا الميثاق الغليظ جعل الشارع الطلاق على ثلاث مراحل ، فلا يطلقها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء.
والحكمة من ذلك أن يترك فرصة للزوج لعله يندم فيراجع زوجته.
وفي حالة نشوز المرأة ، كتعاليها على زوجها ، أوعدم طاعته ، أو خروجها بغير إذنه ... في مثل هذه الحالة أمر الشرع بجملة من الوسائل من أجل إصلاح هذا الوضع ، ورد المرأة إلى اعتدالها واستقامتها ، فقال تعالى:
"وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً".
ففي هذه الآية ثلاث خطوات متدرجة من أجل الحفاظ على الرابطة الزوجية ، وهي كالآتي:
الخطوة الأولى : (فَعِظُوهُنَّ)
الوعظ هو عبارة عن محاورة تشمل التذكير بالله ، وبما شرع من حقوق الزوجية ، التي يترتب على فعلها الثواب ويترتب على تركها العقاب، كما يشمل التذكير بمصير الفرقة بين الزوجين وما يترتب عليه من مفاسد وأضرار تلحق الأسرة والأولاد ، وأيضا يشمل الوعظ المحاورة من أجل الوقوف على اسباب الخلاف او النشوز.
الخطوة الثانية : (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِع)
إن لم ينفع الوعظ هجرها في الفراش ، أي ينام معها في الفراش ولكن لا يجامعها ، وذلك من أجل أن تميل المراة إلى زوجها.
الخطوة الثالثة : (وَاضْرِبُوهُنَّ) والأمر هنا للإباحة وليس للاستحباب ، ومن القواعد الأصولية (الأمر بعد الحظر - اي بعد المنع - للإباحة) ، والضرب كان ممنوعا في الأصل ، فالأمر به بعد منعه للإباحة.
فإذا لم ينفع الوعظ والهجر انتقل إلى ضرب التأديب غير المبرح ، ويجب أن يتقى فيه الوجه والرأس ، والضرب هو عبارة عن تخويف بغرض التأديب ، وهو خلاف الأولى عند علمائنا المالكية ، أي الأفضل ألا يضربها ، لأن الضرب ليس من شيم الكرام ، وفي الحديث:(أضربوا ولن يضرب خياركم).
وقد يزيد الضرب المرأة نفورا خصوصا في هذا الزمن ، لذلك ينبغي أن يُتجنب الضرب ، حتى لا نقع في مناقضة قصد الشارع ، فالشارع شرع الضرب من أجل الإصلاح ، فإذا غلب على الظن أنه يؤدي إلى مفسدة
لزم تركه ، وهذا مبناه على أصل اعتبار المآل الذي قررته الشريعة المعظمة.
فإن لم تنفع هذه الوسائل كلها ، انتقل إلى خطوة رابعة ، وذلك بتوسيع دائرة الإصلاح ، بتكوين جماعة من أهل الزوجين لأجل الإصلاح والتوفيق بينهما ، حفظا لميثاق الزواج من الانهيار ، قال تعالى :
" وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ".
فإن لم ينفع كل ذلك ، ووصلت الحياة إلى وضع لايطاق ، انتقل حينئذ الى الطلاق ، فهو آخر الحلول ، كآخر العلاج الكي. "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا".
ولكن لو اتبع الناس تلك الخطوات التي شرعها الله لما طلق أحد ابدا.
ولكن الناس اليوم تركوا كل ذلك .. وجعلوا الطلاق أول الحلول ، وهذا يعتبر تعديا لحدود الله."ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه"
بل اصبح الناس يوقعون الطلاق لأتفه الأسباب ، وهذا يعد تلاعبا بالشرع الذي اعتبر عقد النكاح (ميثاقا غليظا)، وأمر ألا يلجأ الى الطلاق إلا بعد استنفاد كل وسائل الاصلاح بين الزوجين ، من موعظة ومحاورة ، وهجر في الفراش ، وضرب وتخويف ، ثم إرسال الحكمين...
ومن الناس من يوقع الطلاق ثلاثا بلفظ واحد ، كقوله ( انت طالق بالثلاث ) او ( انت طالق طالق طالق ) ، أو يوقعونه في حالة الحيض ، و هذا كله لا يجوز لأنه طلاق بدعي خلاف السنة ، ولكنه يترتب عليه أثره ، أي يقع به الطلاق مع الاثم في المذاهب الأربعة.
ومنهم من يطلق زوجته ثلاث مرات أو أربع .. في مجالس متفرقة ، ثم يهرع للإئمة باحثا عن حل لقضيته ، وماذا يفعل له الأئمة بعد هذا ، وقد بانت منه زوجته بينونة كبرى ، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره من غير تحليل.
والأدهى من ذلك والأمر أن هناك من طلق زوجته ثلاث مرات أو أربع .. في مجالس متفرقة ولكنه لا يزال يعاشرها ، وهذا واقع حقيقة وقد أخبروني به كم من مرة ، وهو زنى باجماع العلماء والعياذ بالله ، بل هو أكبر من الزنى ، لأنه استحلال لما حرم الله.
ومن الحماقات أن يكتب أو يقول بعضهم لزوجته(أنت طالق) ، ثم يقول أنني كنت أمزح ، ولكنه لا مزاح في الطلاق فجده جد وهزله جد.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ : النِّكَاحُ ، وَالطَّلَاقُ ، وَالرَّجْعَةُ". [رواه أبو داود [2194]، والترمذي [1184].
ومن الآفات التي انتشرت بكثرة لفظ التحريم ، بأن يقول لزوجته : (أنت علي حرام ) وما أشبه ذلك .. وكيف تحرم زوجتك ؟ الله أحلها لك وأنت تحرمها ! إن هذا الأمر شنيع ومنكر من القول وزور !
وبعض الفقهاء عدوا هذا اللفظ طلاقا ثلاثا ، لماذا ؟ قالوا لأن المرأة لا تحرم على زوجها إلا بالطلاق الثلاث ، وبعضهم قالوا ينظر فيه الى نية المتلفظ وقصده ، فإن نوى الظهار فهو ظهار ، وإن نوى الطلاق فهو طلاق ، وإن نوى اليمين فهو يمين ، لماذا ؟ قالوا لأن لفظ التحريم محتمل فلا بد من النظر فيه إلى القصد والنية.
والذي رجحه الشيخ أحمد إدريس رحمه الله من تلك الأقاويل أنه يعد طلقة واحدة رجعية.
أيها الناس إن هذه الظاهرة قد انتشرت في مجتمعنا بكثرة ، وهي من الخطورة بمكان ، فيجب علينا جميعا أن نعمل على معالجتها وإصلاحها ، ولا يكفي في ذلك أن تلقى حولها خطبة عابرة ، بلا بد أن تنظم حولها ندوات وملتقيات ودراسات... للوقوف على اسبابها ، ثم الشروع في علاجها، فإنها إن تركت دمرت مجتمعنا وابناءنا ونساءنا ..
فاتقوا الله ربكم ، واعلموا أن الكلمة قد تؤدي بصاحبها إلى خسارة الدنيا والآخرة. "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ" [متفق عليه].
فكم من أسر دمرت ! وكم من ذرية شردت ! وكم من أرحام قطعتوووو ... بسبب كلمة الطلاق...
فاتقوا الله ربكم واحذرو الغضب فإنه من الشيطان..وامتثلوا قول بارئكم :"وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".
واصلحوا ما بينكم وبين الله يصلح لكم أزواجكم وذرياتكم وتجارتكم وشؤونكم كلها.
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً".
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
والحمد لله رب العالمين.

الجمعة، 1 يوليو 2016

خمس وقفات مع توديع رمضان

الحمد لله حق حمده ، والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونسأله المزيد من هباته وأفضاله ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
  
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين"
 أما بعد /
أيها الإخوة: قبل أسابيع وقفنا في هذا  المكان  نستعد لاستقبال رمضان ، ونتهيأ لقدومه ، وها نحن اليوم نقف – هاهنا – في المكان ذاته لنودع رمضان ، وإن اللسان ليعجز عن التلفظ  بوداع رمضان ،  و كم يحزننا ونحن نقف لوداع رمضان ، شهر الصيام و القيام .. شهر القرآن .. شهر الجهاد و المجاهدة  .. شهر المغفرة و العتق من النيران .

قريبا سيرحل عنا رمضان ،  وتلك هي سنة الله في خلقه وأكوانه ، التي اقتضت أن لكل بداية نهاية ، وأن دوام الحال من المحال ، وأن كل شيء لا محالة زائل ، وأنه مهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر ، ومهما طال العمر فلا بد من دخول القبر ، فكما انقضى رمضان بهذه السرعة المذهلة ، ستنقضي أعمارنا بل ستنقضي الدنيا كلها ، ولذلك فمن الغفلة ومن الحماقة أن نركن إلى هذه الدنيا ونطمئن بها ، ونوثرها على الدار الآخرة !!
"بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" (الأعلى17).

وإذا رحل رمضان ساء المؤمنين ختامه وتمامه ؛ لما تذوقوا فيه من حلاوة الإيمان ، ومناجاة ذي الجلال والإكرام ، ولما ألفوا فيه من الخيرات والبركات والرحمات .....
وفي توديع هذا الشهر الفاضل ثمة وقفات هامة ينبغي أن نقف معها ؛ لما لها من الأهمية في عاجلنا وعاقبة أمرنا:

الوقفة الأولى: يا ترى من المقبول منا فنهنيه ومن هو المحروم فنعزيه؟

روي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه كان إذا كانت آخر ليلة من رمضان نادى :
"يا تُرى من هو المقبول فنهنيه ، و من هو المحروم فنعزيه "!
فهنيئًا لكم يا من أحسنتم استقبال رمضان ، واستثمرتم أوقاته في الطاعات والقربات ، هنيئًا لكم جنات و نهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، هنيئا لكم الدخول إلى الجنة من باب الريان الذي لا يدخل معه إلا الصائمون ، هنيئا لكم الشفاعة ؛ فإن الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ..
أما أنتم أيها المحرومون :فجبر الله مصابكم   ، وأي مصيبة أعظم من الحرمان،  أن يحرم الإنسان العفو في موسم العفو ؟ !وأن يُحرم الإنسان الكرم في وقت الكرم ؟! ولقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم على من أدرك رمضان فلم يغفر له فيه  .ففي صحيح بن حبان و بن خزيمة رحمهما الله تعالى ، أنه صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر فقال :"آمـــيـــــن آمـــيـــــن آمـــيـــــن". قالوا : يا رسوا الله قلت : آمين ، آمين ، آمين ؟ قال صلى الله عليه وسلم : "ذاك جبريل آتاني فقال :يا محمد ، من أدرك رمضان فلم يغفر له فدخل النار ، فأبعده الله ، قل آمين ، فقلت آمين" (رواه الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان)
هكذا دعا صلى الله عليه وسلم على من أدرك رمضان فلم يغفر له فيه ،  لم يغفر له لأنه محروم، لأنه لم يقبل على أسباب العفو في وقت العفو، فليلة واحدة في رمضان هي خير ليالي السنة شعارها ودعاءها :"اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفو عني"(أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة).
فيا أيها المحرومون :يا من أمضيتم أيام رمضان ولياليه بعيدا عن طاعة الرحمان ..لا تيأسوا .. فأمامكم بقية في رمضان ، بقية و أي بقية !!  يُرجى فيها ليلة القدر .. فالليلة هي ليلة السابع والعشرين ، فلعل فيها ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر.. .فتداركوا ما فات .. ويتوب الله على من تاب.

الوقفة الثانية: لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين

فمن أعظم الخسران أن ينقلب العبد بعد الطاعة خاسرا ، وذلك بأن يضيع ما كسبه ، فيرتد بعد الإقبال على الطاعة مقبلا على المعصية ! وبعد المسارعة إلى الخيرات معرضا عنها ! وذلك دليل على أن القلوب لم تحيا بالإيمان ، وأن الغاية من الصيام لم تتحقق ، ولا ينقلب من الطاعة إلى المعصية إلا من استحوذ عليه الشيطان " إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ "(محمد25).
وأيضا أن هذا الانقلاب يدل – والعياذ  بالله – على عدم القبول ، فمن علامة رد الطاعة عمل المعصية بعدها ، ومن علامة قبولها عمل الطاعة بعدها.
لذلك احذروا أيها الصائمون أن ترتدوا على أدباركم - بعد رمضان - فتنقلبوا خاسرين.

الوقفة الثالثة: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا

إن المؤمنين في رمضان قد عاهدوا الله تعالى على فعل الطاعات وترك المنكرات ، والعهد يجب الوفاء به ، والله وعدنا بالمغفرة والرحمة والعتق من النار في هذا الشهر الفضيل  ، والله تعالى لا يخلف عهده ووعده " ومن اوفى بعهده من الله" .  ولكي يوفي الله بعهده معنا فيجب علينا نحن أن نوفي بعهدنا معه ؛ لأن الله قال : " وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم " ، وبالمفهوم المخالف أننا إن لم نوف بعهده لن يوفي بعهده معنا ، ومن الوفاء بعهد الله أن نستمر على ما كنا عليه في رمضان من الطاعات بمختلف أنواعها .... بأن نكون ربانيين لا رمضانيين ، ومن الذي نعبده في رمضان ثم نعرض عنه بعد رمضان ؟! اليس هو رب العالمين الموجود في كل زمان وكل ومكان بعلمه وإحاطته بجميع خلقه ؟!
ولذلك أيها الصائمون : أوفوا بعهد الله يوفي الله بعهدكم واعلموا أن الله لا يخلف وعده لمن أوفى بعهده.

الوقفة الرابعة : إنما الأعمال بالخواتيم وخير الأعمال أدومها ...

فخواتم عملنا هي التي ستحدد مستقبلنا ومصيرنا عند الله ، ولذلك "كان – صلى الله عليه وسلم - إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ وشدّ المئزر" (رواه الشيخان) ، ذلك لأن الأعمال بالخواتيم ، وهذه العشر هي خاتمة رمضان ، كما انها تشتمل على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر ... ثم ان الله تعالى يحب العمل الدائم ولو كان قليلا ، ولنا قدوة في نبينا عليه الصلاة والسلام الذي كان اذا عمل عملا اثبته ، اي داوم عليه.
لذلك لا ينبغي أن نبدأ التسلل لواذا مع قرب نهاية هذا الشهر الفضيل !! أو نرتد على أعقابنا كالذي استهوته الشياطين ...!! أو ننقض ما شرعنا فيه من عمل في هذه العشر المباركات ، فنكون كالتي نقضت غزلها ، التي نهانا القرآن ان نكون مثلها ، فقال تعالى : (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ...) وهي امراة مكية مجنونة كانت تقوم بالغزل في الصباح حتى إذا احكمته وأتقنته عادة عليه في المساء فنقضته كله !! ؟؟
وهذا حال من يقبل على الطاعة في رمضان ثم ينسلخ عنها في آخره.
كما أنه لا ينبغي ان نسخر من المقبلين عل المساجد في رمضان ، أونسميهم بستميات غير لائقة كالعباد المؤقتين ونحو ذلك .. فهذا لا يصح ، بل هو تنفير من الاسلام ، وانما ينبغي ان نعمل على توعيتهم ، وان نرغبهم في الثبات على الطاعة ، وإنما علينا البلاغ بصدق وأخلاص وعلى الله الهداية.

الوقفة الخامسة : وكونوا عباد الله إخوانا

هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذا ينبغي أن نكون ، فلا إيمان بدون أخوة : " إنما المؤمنون إخوة" ، ولا أخوة بدون تضامن وتكافل وتعاون على أعباء الحياة ، ولذلك ينبغي أن نجعل من أولويات أعمالنا في ختام هذا الشهر واستقبال عيد الفطر المبارك أن نتضامن مع شريحة الفقراء والأرامل والأيتام ... وهذا العمل من أفضل القربات التي نتقرب بها إلى الله ، لقوله عليه الصلاة والسلام :" أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا ، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا ...." (رواه الطبراني وابن أبي الدنيا).
والمجتمع الإسلامي قد عرفه النبي عليه الصلاة والسلام ووصفه بوصف دقيق بأنه : "كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(متفق عليه). ونفى عليه الصلاة والسلام الإيمان عمن ( بات شبعان وجاره جوعان وهو يعلم)(رواه البزار). ونفى عليه الصلاة والسلام رحمة الله عمن لا يرحم غيره من المستضعفين ( من لا يَرحم لا يُرحم ((متفق عليه).
وليس من الإيمان أن نصرف الأموال الطائلة في الأفراح والأتراح والولائم .. وموائد الأكل المختلفة في رمضان .. والحفلات وزخرفة المساجد ..... ثم لا نغيث ملهوفا و لا نرحم مصابا  ؟!! ففي الحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(أخرجه البخاري).
فهل يرضيك أيها المسلم أن ترى أولادك في  يوم العيد حزنين وغير مسرورين ؟  إذا كنت لا تحب هذا لنفسك وأولادك ، فينبغي ألا تحبه أيضا لإخوانك إن كنت مؤمنا بالله ورسوله واليوم الآخر !! لذلك ينبغي أن تسعى لإعانتهم ومساعدتهم بالقدر الممكن ؛ حتى تكون مؤمنا بحق.

الخاتمة
فأحرصوا رحمكم الله أيها المؤمنون على تطبيق هذه الوصايا في نهاية شهركم هذا وما بعده ، ففيها سعادتكم وفيها فلاحكم ، جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ، والحمد لله رب العالمين.