......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الخميس، 11 فبراير 2016

شبابنا بين الواقع المشهود والأمل المنشود

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن أهدانا الله ، نحمده تعالى على  تفضله وإنعامه ولطفه وإحسانه ، ونسأله المزيد من أفضاله ، ونشهد أن لا إله ألا الله  وحده لا شريك له ، شهادة نستعد به إلى يوم لقائه ، يوم لا ينفع مال و لا بون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أرسله ربه بالهدى وأنزل  عليه الكتاب بالحق ؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبهم بإحسان إلى يوم الدين.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا"

أيها الإخوة الكرام: هناك مخاطر شتى تهدد شباب الأمة الإسلامية ، لا سيما في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها أمتنا ، حيث تفرق المسلمون إلى شيع متناحرة ، يلعن بعضها بعضا ويضرب بعضها رقاب بعض ، في حين تقارب أعداء الإسلام من يهود ونصارى ، ومجوس وملحدين ، وزنادقة ومنافقين ، واجتمعت كلمتهم على تمزيقنا وسلخنا عن أصالتنا وقيمنا ...
وقبل الكشف عن تلك المخاطر التي تهدد شباب المسلمين وتكاد تهوي بهم في مكان سحيق ... لا بد من وقفة موجزة نبرز فيها مكانة  الشباب في الأمة ودورهم في بنائها وتقدمها وازدهارها...
فلقد كان الشباب و لا يزال  في كل أمة عماد نهضتها ، وفي كل نهضة سر قوتها ، وفي كل فكرة حامل رايتها ، وقد أثنى الله على أهل الكهف بفتوتهم ، فقال تعالى: "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً" [الكهف:13]. كما قال تعالى - في شأن إبراهيم الذي كان أمة وحده – " إنا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم".
ومن يطالع السيرة النبوية يجد أن معظم أصحاب النبي كانوا شبابا، ومعظم الذين اتبعوه بادي الرأي هم الشبيبة الفتية ، الذين زعزع الله بهم العروش القيصرية والأسر الكسروية، فحياهم الله من شباب ورضي الله عنهم.

ما كان أصحاب النبي محمد إلا شبابا شامخي الأفكار
من يجعل الإيمان رائده يفز بكرامة الدنيا وعقبى الدار

فالشباب الذين نسهر على تربيتهم اليوم هم بناة المستقبل ، وهم أجيال الغد  التي ستحمل راية الإسلام ، وتذود عن مقدسات الأمة ، وتحمي ثوابتها ومقوماتها ، وتكون خير خلف لخير سلف ، وإذا لم نهتم بشبابنا ، ونعمل على حمايتهم وتحصينهم من الأخطار الواقعة أو المتوقعة ،  فمن سيحل محل الرؤساء والقادة والوزراء ؟ ومن سيخلف العلماء والدعاة والأطباء ؟ ومن للمساجد و الجامعات والمدارس ومختلف للمؤسسات ؟ ومن سيقود الأمة ويرعى مصالحها ويسوس شؤونها ؟ إلا شبابها .

نعم - أيها الإخوة – إن الشباب الذين نسهر على تربيتهم اليوم ، وحمايتهم من السيول الجارفة ، هم عماد أمتنا وسر قوتها ، وأساس نهضتها وتقدمها وازدهارها ،  فجيل اليوم سيذهب حتما ، وسيخلفه جيل جديد " وتلك الأيام ندولها بين الناس "  وهذا الجيل الجديد الذي سيحل محلنا ينبغي أن يكون جيلا قويا ، إيمانيا وأخلاقيا وثقافيا وبدنيا ... و "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف....".
وإن الشباب  في بكور حياتِهم كالورقة البيضاء نرسم عليها ما نشاء ، وكالأرضٌ الخصبة تنبِت أيَّ غراس يودع فيها من صحيح العقائد أوفاسدِها ، ومن مكارم الأخلاق أومساوئها ، قال صلى الله عليه وسلم:"كلُّ مولود يولَد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه". لذلك ينبغي أن نعتني بتربية أولادنا وتنشئتهم على الفضائل منذ الصغر.  

ومما لاريب فيه أن عقولُ شبابنا قد أضحت هدفا لأعداء الإسلام  ، الذين تعددت أساليبهم ، وتنوّعت وسائلهم للإيقاع بشباب المسلمين في الانحطاط الخلقي  ، والزج بهم في أوحال الفتن والتطرف والضلال  ...  في حين نجد أكثر المسلمين غافلين عن هذه  المخاطر التي تستهدف أولادهم وكأن الأمر لا يعنيهم ، كلنا غافلون عن ذلك أو متغافلون : المسؤولون غافلون .. الآباء والأمهات .. الأئمة والمعلمون .. المجتمع بمختلف أطيافه غافل تماما عن الأخطار التي تهدد أبناءنا وبناتنا ، و لا أدري كيف يحدث هذا ؟ وكيف نغفل عن تربية أولادنا وحمايتهم من السيول الجارفة ، ونحن نعلم أننا مسؤولون عنهم أمام الله تعالى ، قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم :

§        "كلكم راع , وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع , ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله و مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها و مسؤولة عن رعيتها , فكلكم راع , والخادم راع في مال سيده و مسؤول عن رعيته , فكلكم راع ومسؤول عن رعيته" [متفق عليه].
§        وقال عليه الصلاة والسلام: " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" [رواه أبو داود]
§        وقال أيضاً: " ما من عبد يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة "[متفق عليه].  

وإن أهم ما يستنتج من هذه الأحاديث النبوية :

-         أننا – جميعا – مسؤولـون عمن هـم تحـت مسؤوليتنا بين يدي  الله .
-         وأن تضييع من هــــــم تحت مســــؤوليتنا من أكبــــر الآثام عند الله .
-         وأن من ضيع من هم تحت مسؤوليته حرمت عليه الجنة والعياذ بالله.

لكن – أيها الإخوة - هل أدينا واجبنا  أو قمنا بمسؤوليتنا تجاه شبابنا الذين استرعانا الله أمرهم ؟؟ فماذا قدما لهم من وسائل التنشئة الصالحة ؟ وما ذا اتخذنا من إجراءات لحماية شبابنا من الإنحلال الخلقي والتطرف الفكري ؟   حتى نصنع منهم  جيلا قويا مستقيما في فكره وسلوكه ، يصلح لحمل راية الإسلام بجدارة ، والنهوض بوطنه والذود عن حماه ؟؟؟؟
فهل شباب اليوم هم  -- حـــقا -- من الطراز الذي تعلق عليه الأمة آمالها وطموحاتها ...؟

للأسف ثم للأسف ؟ أننا حينما نلقي بنظرة خاطفة إلى الواقع نصاب بالدهشة وخيبة الأمل؛ إذ نجد شبابنا – فتياتنا وفتيانا - في أودية الظلام هائمين ؟؟
ثلة منهم اهتمت بالتزين والتعطر حتى أفرطوا في ذلك فتشبهوا بالنساء ، بل تدنى بهم الحال حتى لبسوا الملابس التي هي  إلى الأنوثة أقرب منها إلى الرجولة كالسراويل الهابطة ونحوها .. وتبع ذلك تسريحات الشعر التي يُشمئز من أسمائها فضلا عن هيئاتها ..؟ أما الفتيات فقد تدرَّجنَ في دركات الاختِلاطِ  والظهور، وتساقَطنَ في مهاوي التبرُّج والترجل والسفور ... وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لعنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - المُخنَّثين من الرجال، والمُترجِّلاتِ من النساء"؛ [أخرجه البخاري].

ولا عجب أنّ النساء ترجّلت***   ولكنّ تأنيث الرجال عُجاب

و ثلة أخرى - من شبابنا - مدمنة على المخدرات والمسكرات ... ولا تخفى عليكم مخاطرها ونتائجها ؟؟

وثلة ثالثة هربت من االأوضاع المؤلمة -- التي آل إليه أمر الأمة العربية ولإسلامية  إلى  التطرف الفكري :
فمنهم من حمل السلاح على أمته يضرب برها وفاجرها ، ويسفك دماءها ويخرب ممتكاتها ...؟
     * ومنهم من اتخذ من الحقد والقطيعة والبغضاء منهجا له ؛ فراح يضلل أمته ويطعن في علمائها وتراثها الفقهي والعقائدي والسلوكي ...؟ ليشكك الأمة في دينها ويسلخها عن وسطيتها التى لا قوام لها إلا بها ، فالتطرف الفكري والغلو الديني لا يقل خطرا  عن الانحلال الخلقي ؛ فهو يضرب الأمة في عمق عقيدتها ، وفي مرجعيتها التي هي أساس وحدتها ، فهل شعر المسلمون - لا سيما ولاة أمورهم من علماء ومسؤولين - بخطورة هذا الأمر  وأبعاده ومراميه ؟ والأيادي الخفية التي توجهه وترعاه ...؟ وما سيجره على الأمة والوطن من ويلات لا يعلم نتائجها إلا الله ؟؟

وثلة رابعة - من شبابنا - عاكفة على شبكات الانترنت ، مدمنة على مشاهدة المواقع الإباحية الهادمة للأخلاق الإسلامية والقيم الإنسانية ، المميتة لكل فضيلة والباعثة على كل رذيلة ...

وإذا كان الانترنت وسيلة عصرية تتضمن العديد من الإجابيات لمن يحسن استعمالها :

فإن له من المساوئ والمخاطر ما لا يعلمه إلا الله  ، فهو سلاح ذو حدين ، ومن أهم مخاطره ومساوئه:
-         إضاعة الأوقات والتعرف على رفاق السوء وتدمير الفضائل ونشر الرذائل.
-         وزعزعة العقائـــــد والتشكـــــيك فيـــــها و نشــــــر الكفـــــــر والإلحــــاد.
-         والوقــــــــــــــوع فـــــي شبـــكــــات التنصيــــــروالتشيـــــع والإرهـــــاب .
-          وإضـــــاعة الصـــــلوات والغــــرق في أوحــــــال الفســــــــاد والشبهات.
-         ناهيك عن الإصــــابة بالإمراض النفسية وانحطـــاط المستويات التعليمية.
-         والتجسـس على الأســـــــرار الشخصــــــية وانهيـــــار الحيـاة الزوجـــية .   

وإذا كانت تلك مخاطره ومساوؤه فهل يعقل أن يُترك دون مراقبة وحماية ؟؟ وهل يعقل للأباء والأمهات أن يتركوا أولادهم دون رعاية و مراقبة وتوجيه ؟؟
أيها الإخوة هذا قليل من كثير ... وإذا كان هذا حال شبابنا اليوم - وهو كذلك - وإذا كانت المخاطر التي تهددهم بهذا الحجم ، فإنه يجب علينا أن ندق ناقوس الخطر ؟ لأنه إذا استمر وضع شبابنا على ما هو عليه فإن المستقبل سيكون وخيما ، وهل يُنتظر من جيل هذا حاله  إلا الإجرام والدمار والخراب ؟ 
فمن لجلائل الأمور وعظيم المسؤوليات ؟  من للمساجد و من للجامعات ومن للمدارس ومختلف للمؤسسات ؟ ومن سيقود الأمة ويرعى مصالحها ويسوس شؤونها إذا فسد شبانها .

اعلموا أيها الإخوة : أننا جميعا مسؤولون على إصلاح شبابنا وحماتهم من المخاطر التي تهددهم في مختلف جوانب حياتهم:

-         في أفكارهم وعقيدتهم
-         في سلوكهم وأخلاقهم
-         وفي ســـائر شؤونهم

فيا أيها الأولياء !  قوموا بما أوجبَ الله عليكم من رعايةِ أولادكم ، وصونِهم وتربيتهم ، وغرسِ الفضيلةِ في نُفوسهم .  

ويا رِجال التعليمِ ! كيف يستفحِلُ هذا الداءُ في صفوفِ شبابِنا وفتياتِنا وأنتم الأساتِذةُ الفُضلاء، والمُعلِّمون الأوفياء، والمُربُّون، النُّبَلاء ؟! فاللهَ اللهَ في رعايةِ أجيالِنا ، وصناعةِ نشئِنا، وحمايةِ مُجتمعنا.

ويا أيها المسؤولون وولاة الأمور ! -- كلٌّ في جهته وكلٌّ على قدرِ مرتبته وصلاحيته--  خُذوا بأيدي شبابنا وفتياتنا إلى شاطئ الأمان ، وسنوا من القوانين  ما يمنع ضياعَهم وفسادهم كفرض الرقابة على المواقع الإباحية ونحوها .... وكإقامة الملتقيات والندوات لدراسة أوضاع الشباب ، والوقوف على دواعي المفساد الواقعة أو المتوقعة عليهم ؛ لاستئصالها والاحتياط لها قبل وقوعها ... فإنكم والله  مسؤلون أمام الله تعالى ، فـــ" كلكم راع , وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع..." ، وقال صلى الله عليه وسلم:"ما من عبد يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" ، ألا ومِن غِشِّ الرعية عدم العمل على إصلاحها ، وحمايتها من الأخطار والمفاسد الواقعة أو المتوقعة عليها .

"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، فقد فازَ المُستغفِرون، وسعِدَ المُتَّقون.

الخميس، 4 فبراير 2016

وقولوا للناس حسنا

محامد

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الصادق الوعد الأمين ، صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين / أما بعد:

أيها الإخوة الكرام :

مقدمة

خطاب اليوم سيكون - إن شاء الله - حول قاعدة هامة من قواعد القرآن العظيم ، يندرج تحتها ما لا حصر له من الفروع والجزئيات ، وهي قوله تعالى : "وقولوا للناس حسنا"[ البقرة83]
فهذا النص القرآني الكريم يعد أصلا ثابتا ، وقاعدة مطردة ومستمرة في مجال التعامل مع الناس ،  فالإنسان بطبعه مدني كما يقال ، وكثرة تعاملاته اليومية تحتم عليه الاحتكاك بطوائف مختلفة  من البشر ، فقد يسمع قولا منهم حسنا ، وقد يسمع منهم قولا قبيحا ؟؟
فتأتي هذه القاعدة القرآنية لتضبط علاقته اللفظية مع الناس ، فالشريعة لم تترك جانبا من جوانب الحياة إلا ووضعت له ما يضبطه وينظمه وفق ما أراده الشارع الحكيم وابتغاه .

شواهد هذه القاعدة

ولهذه القاعدة شواهد عديدة ، فقد تكرر ذكرها في القرآن في أكثر من موضع ، نذكر منها  :

1)     " وقل لعبادي يقولوا التي هــــــــــي أحســـــن إن الشيطــــــان ينزغ بينهم"[ الإســراء53ْ].
2)     " و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحســــــــــــن إلا الذين ظلموا منهم"[العنكبوت46].
3)     " أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم يالتي هي أحسن"[ االنحـل125].

مدلول هذه القاعدة

ومن اللطائف الواردة في هذه الآية الكريمة  : "وقولوا للناس حسنا" أن فيها قراءتين:
     الأولى : " وقولوا للناس حُسْنا". والثانية : ﴿وقولوا للناس حَسَنًا﴾. بفتح الحاء والسين.

قال أهل العلم:  القول الحسن يشمل:  الحسن في هيئته وفي معناه:
- ففي هيئته : أن أن نسوقه للآخرين بلطف ولين ، بألفاظ لا غلظة فيها ولا شدة ... 
- وفي معناه : بأن يكون مشتملا على الخير ، فيدخل فيه النصح والتذكير والأمر بالعروف والنهي عن المنكر..

إذن فنحن مأمورون – في هذه الآية - أن نقول للنناس خيرا ، وفي الحديث الشريف:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"[ رواه البخاري مسلم]. ولكن لا يقبل منا قول الخير ولا  نثاب عليه إلا إذا سقناه للآخرين بألفاظ حسنة ، لا غلظة فيها و لا شدة ... 
بعض الناس يقف موقف الناصح أوالداعي إلى الله ، فيؤنب ويعنف ويحرج عباد الله ، فيفسد من حيث يريد أن يصلح ، ويفرق من حيث يريد أن يجمع .....  وهو يحسب أنه يحسن صنعا ؟ ولكنه في حقيقة الأمر قد أساء ، لذلك فهو مأزور غير مأجور ، وإنما يؤجر إذا كانت أقواله حسنة في هيئتها ، حسنة في معانيها كما أسلفنا ، وفي الحديث : " إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ"[ رواه مسلم]

أهمية هذه القاعدة والحاجة إليها

ومن هنا تدرك أهمية هذه القاعدة ومدى احتياجنا إليها ، خاصةً و نحن في حياتنا نتعامل مع أصناف مختلفة من البشر،  فيهم المؤمن والكافر، وفيهم الصالح والطالح ، وفيهم الصغير والكبير، وفيهم المغرض والحسود والحقود ، وفيهم العالم والجاهل ، وهلم جرا ... ولفظ الناس في قوله تعالى "وقولوا للناس حسنا" لفظ عام يشمل جميع الأصناف التي ذكرنا ، و نحن مطالبون شرعا بأن نحسن القول لجميعهم ...
بل  نحن نحتاج لهذه القاعدة حتى في تعاملنا مع أقرب الناس إلينا : مع الوالدين، مع الزوجة ، مع الأولاد ، مع الخدم ، مع الشركاء ،  مع طلابنا وأساتذتنا ...الخ

صور من تطبيقات هذه القاعدة في واقع الحياة 

إذا تأملتم – أيها الإخوة - القرآن العظيم ؛ وجدتَم أحوالا عديدة قد نص عليها القرآن كتطبيقات عملية  لهذه القاعدة ، نذكر منها في هذا المقام:
1) تأملوا قول الله تعالى  -في شأن  الوالدين - :" و لا تنهرهما وقل لهما قولا كريما" [الإسراء23]. فنهي سبحانه وتعالى عن نهر الوالدين وزجرهما ، ثم أمرٌ بأن نقول لهما قولا  كريما .. والقول الكريم هو القول الحسن الذي لا تعنيف فيه ...

2) وفيما يخص مخاطبة السائل المحتاج قال تعالى "وأما السائل فلا تنهر" [الضحى10].  أي؛  فلا تزجره ، ولكن تفضل عليه بشيء ، أورده بقول جميل ؛ لذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلا قط.               ويرى بعض العلماء أن هذه الآية عامة في كل سائل !  سواء كان سائلا للمال أو كان سائلا للعلم .

3) ومن التطبيقات العملية لهذه القاعدة القرآنية أيضا ، ما أثنى الله به على عباد الرحمن بقوله: "وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"[الفرقان63].
يقول ابن جرير - في بيان معنى هذه الآية - :  
"وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول، أجابوهم بالمعروفمن القول، والسداد من الخطاب". [تفسير الطبري19 / 295.]
 وهم يقولون ذلك  "لا عن ضعف ولكن عن ترفع ، ولا عن عجز إنما عناستعلاء ، وعن صيانة للوقت والجهد أن ينفقا فيما لا يليق بالرجل الكريم المشغول عن المهاترة بما هو أهم وأكرم وأرفع"[الظلال:5/130].

إذن : فهذا بيان للطريقة و الكيفية المثلى والأجدى لتعامل الأمجاد مع ذوي الإساءة ، فلا يليق بأولائك أن ينحدروا عن مقامهم الرفيع إلى مستوى هؤلاء ، و إلا صاروا مثلهم ، لذلك قال الحكماء: "لا تجادل الأحمق ؛ فيخطأ الناس في  التمييز بينكما " ، أي؛ لا يدرون أيكما هو الأحمق ؟ ثم أنه لا فائدة ترجى من مجادلة هؤلاء كما قال الشاعر:  لو أن كل كلب عوى ألقمته حجرا *** لكان الصخر مثقالا بدينار. وما أكثر الكلاب العاوية التي لو رددنا على عوائها لأتعبنا أنفسنا دون طائل.

نماذج من الردود الحسنة على سفاهة الجاهلين
نماذج من الردود الحسنة على سفاهة الج
- إن الإعراض عن اللغو والسفه خير من الجواب  في كثير من الأحايين ، كما قال الشافعي رحمه :

إذا نطق السفيه فلا تجبه *** وخير من إجابته السكـوت
إذا أجبـــته فــرجــت عنه *** وإذا تركته كمـــــدا يموت

وإذا كان لا بد من الجواب فليكن بالقول الحسن :

- مر المسيح عليه السلام بقوم من اليهود فقالوا له شرا، فقال لهم خيرا، فقيل له: إنهم يقولون شرا
وتقول  لهم خيرا ؟ !  فقال: كل واحد ينفق مما عنده.

فمن في بضاعته الخير فهو ينفق منه ، ومن في بضاعته شر فهو ينفق منه ، فالشر لا يصدر إلا عن نفوس شريرة ، كما أن الخير لا يصدر إلا عن نفوس خيرة.
-   وهذا المعنى يفسر لنا رد هود عليه السلام  على إجابة قومه بعد ما دعاهم إلى توحيد ا لله قالوا:"إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين"[الأعراف67].

فإن شتائم هؤلاء الجهال لم يطش لها حلم " هود " لأن الشقة بعيدة بين رجل اصطفاه الله رسولا، فهو فى الذؤابة من الخير والبر، وبين قوم سفهوا أنفسهم وتهاووا على عبادة الأحجار يحسبونها ـ لغبائهم ـ تضر وتنفع !! كيف يضيق المعلم الكبير بهرف هذه القطعان ؟؟

هكذا  ينبغي أن تكون مواقف النبلاء الأمجاد ، لا تهزها إساءة ، ولا تستفزها جهالة ، لأن لغو السفهاء يتلاشى فى رحابتها كما تتلاشى الأحجار فى أغوار البحر المحيط .

ما يضير البحر أمسى زاخرا *** إن رمى فيه غلام بحجر

أين نحن من تطبيق هذه القاعدة ؟؟؟

إن مما يُؤسف عليه أن نرى كثرة الخرق لهذه القاعدة في واقع الأمة الإسلامية ، وذلك في أحوال كثيرة .... وخاصة في مجال الدعوة إلى الله ، فترى بعضهم يعمد إلى السب و الطعن والتضليل والتبديع ... زاعما أنه يدافع عن الحق ، ولو كان صادقا في دفاعه عن الحق لما كانت دعوته بهذه الطريقة المقيتة الهادمة لقيم الدين، روي عن مالك بن أنس رحمه الله أنه قال :" إذا رأيت الرجل يدافع عن الحق فيشتم، ويسب، ويغضب، فاعلم أنه معلول النية؛ لأن الحق لا يحتاج إلى هذ".

فإن الدعوة إلى الله لا تكون بالسب والطعن ... وإنما تكون وفق المنهج الذي بينه القرآن المجيد : "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم يالتي هي أحسن".

ومن المخجل أن ترى من يبشرون بالنصرانية يحرصون على تطبيق هذه القاعـــــــدة؛ 
من أجل كسب الناس إلى دينهم الباطل ؟ أوليس أهلُ الإسلام أحق بتطبيق هذه القاعدة؛ من أجل كسب الناس إلى هذا الدين العظيم الذيارتضاه الله  لعباده ؟ !

وقد نبهت آية الإسراء إلى خطورة ترك تطبيق هذه القاعدة ، فقال سبحانه :"وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم". تلك هي العلة : فإننا إذا لم نعمل بهذا التوجيه ، ونقول للناس حسنا ، وندعو بالتي هي أحسن ، فإن الشيطان سينزغ بيننا ، ويثير الفتنة بيننا ، ويوقعنا في العداوة والقطيعة والشرور ، فيتفرق جمعنا ويتشتت شملنا ... وتلك هي الحالقة ، التي تحلق الدين لا الشعر .

الختام

فما أعظم هذا التشريع ؟! وما أحوجنا إلى أن نتفقه فيه ، ونتعامل على ضوئه  في واقع حياتنا ؛ فنكون من السعداء في عاجلنا وعاقبة أمرنا.

وفقني الله وإياكم وجميع المسلمين إلى الأخذ  بهذه التوجيهات القرآنية والعمل بمقتضاها.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله الطاهرين وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.






الخميس، 7 يناير 2016

القرآن العظيم ومدى احتياجنا إليه {بمناسبة الأسبوع الوطني 17 للقرآن الكريم}

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد/
أيها الأحبة في الله : هي وقفة موجزة مع القرآن العظيم ومدى احياجنا إليه ، بمناسبة الأسبوع الوطني السابع عشر للقرآن العظيم ، الذي احتضنته هذا العام مدينة العلم والعلماء قسنطينة.
أيها الإخوة الكرام : أخرج الإمام الترمذي في سننه عن سيدنا علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صي الله عليه وسلم يقول:" ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قلت يا رسول الله: ما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى: فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الأراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرأناً عجباً، من علم علمه سبق ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
أخبر الصادق المصدوق في هذا الحديث أنها ستكون فتنا في آخر الزمان – وقد وقع منها الكثير الكثير في عصرنا هذا – ثم بين صلى الله عليه وسلم أن المخرج الوحيد من تلك الفتن هو كتاب الله تعالى ، الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس ، بل جعل هذه الأمة تبلغ ذروة الفضائل والأمجاد ، فهو الأصل الذي يرجع إليه ، والنبع الذي تتفجر منه ينابيع الإيمان...
نزل هذا القرآن على العرب فرأوا أنهم أمام قوة مذهلة لا قبل لهم بها،  فأحسوا – وهم الفصحاء - أنهم ضعفاء أمام هذا الكمال العظيم ، فاستسلموا لبلاغته ، وتعلقت به قلوبهم ، وارتبطت بإعجازه نفوسهم ... 
إنه القرآن الذي سمعه رجل كان جبارا في الجاهلية ، شديدا على المسلمين المستضعفين يومئذ ، فلما سمع قول الله تعالى: " طه  مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءانَ لِتَشْقَى - إلى قوله -  إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا اله إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصلاةَ لِذِكْرِى". كسرت تلك الآيات أعواد الشرك في قلبه ، وأذابت صخور الجاهلية في نفسه ، وقال: "ما ينبغي لمن يقول هذا أن يعبد معه غيره". فأصبح ذاك الرجل إذا سار من فج سار الشيطان من فج آخر، إنه الفاروق عمر بن الخطاب ، قال علماء الشيعة نحن لا ندخل المسجد النبوي من باب عمر ، فرد علماؤنا رحمك الله يا عمر تفر منك الشياطين حيا وميتا.
ولما كانت أمتنا متمسكة بهذا القرآن كانت أمة قوية عظيمة عزيزة ، يحسب لها ألف حساب ، فهزمت الروم والفرس وارتفعت رايتها خفاقة في كل مكان ، وملكت قلوب الناس قبل أن تملك رقابهم بهذا القرآن.
لكن لما هجرت امتنا هذا القرآن حفظا وتلاوة وتدبرا وعملا ، وأبت أن تعيشه في واقع حياتها ، وابتغت العزة والرقي والتقدم والازدهار ... في غيره أذلها الله ، ونزلت إلى هذا المستوى المتردي ، و لا تخفى عليكم هزائمنا المتلاحقة في كافة مجالات الحياة ؟؟ وقد أصبح المسلمون يقتل بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا ويضلل بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا ...والله المستعان.
ما ذا لو التفت أمتنا حول القرآن ونهلت من معينه الذي لا ينضب ، وغاصت في فهم مقاصده وغاياته واحتكمت فيما شجر بينها إلى أحكامه أكانت تنزل إلى هذا المستوى المتردي ؟؟؟ كلا ثم كلا .
"فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا"
فالحق أنه لا مخرج لهذه الأمة ، و لامخرج لأحد كائنا من كان ، إلا بالعودة إلى هذا القرآن ، فهو العاصم من كل فتنة و هو المخرج من كل أزمة أيا كان مجالها ؟؟  فبذلك أخبر من  لاينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم:"ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قلت يا رسول الله: ما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى: فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله....".
وإننا  في هذا الوطن العزيز ما انتصرنا على عدونا ، وما حفظنا هويتنا الإسلامية والعربية من الذوبان  إلا بهذا القرآن ، وما تجاوزنا العديد من مشكلاتنا الا بالقرآن .... و جزى الله خيرا القائمين على شؤون هذا الوطن ؛ إذ سنوا لنا هذه السنة الحسنة المتمثلة في الأسبوع القرآني الذي ينعقد كل عام – والذي احتضنته هذا العام مدينة العلم والعلماء قسنطينة -  حيث يلتقي في رحابه العلماء والباحثون وحفظة الكتاب المبين ، ويعكفون على دراسة القرآن العظيم وما تضمنه آياته من كنوز لا انقضاء لها ؛ لينتزعوا منها ما يمكننا من العيش في عزة وكرامة ، ويستلهموا منها ما يؤهلنا لوراثة الدنيا والآخرة عن جدارة ، ويستخرجوا منها الفهم السليم لحقائق الإسلام ، بعيدا عن الغلو والتطرف الفكري والطائفية المقيتة التي تحاول غزو بلادنا ، وتحاول المساس بوحدتنا الوطنية والمذهبية والفكرية ... وهيهات أن يتم لهم ذلك ما دام لهذا الوطن رجال قرآنيون يحمون عقيدته ويحفظون مرجعيته ... فلا خوف علينا ما دمنا نستمد قوتنا ونلتمس المخارج لمشكلاتنا من هذا الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، ورحم الله سيدنا عبد الرحمن الثعالبي الذي قال:
 إنّ الجزائــــر في أحوالها عجـــــــب   ولا يدوم بها للناس مكـــروه
 ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع   إلا ويُسر من الرحمن يتلـوه

وإذا كان الواقع التاريخي يصدق هذا القول ويشهد له ،  فإن السر فيه عائد إلى هذا القرآن ، فنحن إنما نستمد قوتنا من قوته وخلودنا من خلوده ؛ لذلك الحذرَ الحذرَ من هجرانه ؛ ففي هجرانه  كل العطب ،  ولله در القائل:
يَا أُمَّةَ القُـــــرْآنِ إِنَّ كِتَابَكُــــمْ     لَهُوَ الشِّفَاءُ وَصِحَّةُ الأَبْـــدَانِ 
وَهُوَ الدَّوَاءُ لِكُــلِّ جُرْحٍ غَائِـرٍ    وَهُوَ المُحَارِبُ نَزْغَةَ الشَّيْطَانِhttp://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَهُوَ البَلاَغَةُ وَالفَصَاحَةُ كُلُّهَا     وَهُوَ الحَضَارَةُ فِي عُلُوِّ مَكَـانhttp://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
اقْرَأْ كِتَابَ اللهِ وَافْهَــــمْ حُكْمَهُ     تُدْرِكْ عَطَاءَ اللهِ فِي إِحْسَـــانِhttp://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فَهُوَ الخِطَابُ لِكُـــلِّ عَقْلٍ نَابِهٍ     وَهُـوَ الضِّيَاءُ بِنُورِهِ الرَّبَّـــانِيhttp://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يَهْدِي إِلَى الخَيْرِ العَمِيمِ وَإِنَّهُ     أَمْنُ القُلُوبِ وَرَاحَـةُ الأَبْـــدَانِ


فينبغي – أيها السادة الكرام - أن نحافظ على هذا الكنز العظيم الذي أكرمنا الله به ، بأن نعتني بحفظه ورعايته ، وأن نعلمه لأولادنا ونسائنا وسائر أفراد شعبنا ، ونتلوه حق تلاوته ، ونقدره حق قدره ، ونفهمه حق فهمه ، وأن نحل حلاله ونحرم حرامه ، ونعيشه في واقع حياتنا ، بأن نسير - في سائر شؤوننا - وفق توجيهاته الهادفة إلى إسعاد البشرية في عاجلها وعاقبة أمرها.
"إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا".
والحمد لله رب العالمين


الثلاثاء، 8 ديسمبر 2015

مكانة الصحابة الكرام

الحمد لله الذي سهل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلا ، وأوضح لهم طرق الهداية وجعل اتباع الرسول عليها دليلا ، واتخذهم عبيدا له فأقروا له بالعبودية ولم يتخذوا من دونه وكيلا ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة نشهد بها مع الشاهدين ، و ندخرها عند الله عدة ليوم الدين ، واشهد أن الحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه ، وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور ، واشهد أن محمدا عبده المصطفى ، ونبيه المرتضى  ، ورسوله الصادق المصدوق ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، أرسله رحمة للعالمين وحجة للسالكين ، وحجة على العباد أجمعين ، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين ، صلاة دائمة بدوام السموات والأرضين، مقيمة عليهم أبدا لا تروم انتقالا عنهم ولا تحويلا.
"  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (آل عمران102)
أيها الإخوة الكرام:
كم نحن في حاجة إلى التعرف على تاريخ وسير أسلافنا الصالحين ، الذين هم قدوتنا ، ومنهم نستمد قوتنا ، وتاريخهم ليس مجرد أحداث مدونة أوقائع مسجلة ، بل هو الكنز الذي يحفظ مقومات الأمة فكرا وعقيدة وثقافة وتجربة ... والأمة التي لا تفقه تاريخها ، ولا تحفظ حق رجالها أمة ضعيفة هزيلة مصير إلى الزوال والاندثار...
لأجل ذلك ينبغي أن ندرس سير صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن نتعرف على حياتهم ومواقفهم ومناقبهم وفضائلم .... لا سيما في هذا العصر الأنكد الذي تتعرض فيها الأمة الإسلامية إلى أبشع الهجمات وأقوى الضربات ، التي تستهدف أمتنا في تراثها العقائدي والفكري والفقهي والسلوكي ... وأكبر خطر يهدد أمتنا وكياننا .. هذه الطوائف التي تنتسب للإسلام وتتحدث باسمه .. وفي الحقيقة إنما تتخذ من الإسلام مطية لضرب الأمة الإسلامية من الداخل .. وهي طوائف كثيرة ومتعددة يجمعها قاسم مشترك هو: [ تشكيك الأمة في تراثها الإسلامي ثم سلخها عن أصالتها]. وأخطرها على الإطلاق تلك الطوائف الشيعية التي تطعن في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وزوجاته ... حتى وجدنا  من شبابنا من صار يشك في عدالة الصحابة ؟ وأصبحنا نتلقى أسئلة غريبة في هذا الشأن ؟
اعلموا أيها الإخوة أن أصحاب رسول الله هم خير البريئة ، فقد اختارهم الله لصحبة نبيه ، ونشر الرسالة الخاتمة ، وحفظ الشريعة الخالدة ، فولا الصحابة ما حفظ القرآن العظيم ولا السنة المطهرة.
وعدالتهم معلومة ، فهي من مسائل العقيدة القطعية ، أو هي مما هو معلوم من الدين بالضرورة ،  ودلائل ذلك لا حصر لها ، نذكر منها في هذا المقام:
أولا: أنه لا مأخذ للشريعة إلا عن طريق الصحابة
فإذا كانوا مطعونا في عدالتهم كما يدعي هؤلاء الشيعة .. فمعنى ذلك أن الشريعة كلها باطلة ، وهذا محال ؛ لأن الله تعالى قال :" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" . والقرآن لم يحفظ بملائكة نزلت من السماء؟   بل حفظ بجهود الصحابة الكرام ، " بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ".
ثانيا: القرآن يشهد بعدالة الصحابة وفضلهم
 ومن ذلك ، قوله تعالى :"َ لقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ لسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً".  قال سيدنا جابر بن عبد الله- رضي الله عنه-: (كنا ألفاً وأربعمائة) أي ؛ الذين تحت الشجرة ،  كلهم قد رضي الله عنهم ....
"والرضى من الله صفة قديمة فلا يرضى إلا عن عبد علم أنه سيوافيه على موجبات الرضى ، ومن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبداً ...". 
فالله يقول أني  رضيت عن الصحابة ، وهؤلاء الشيعة يقولون لا ، بل هم كفرة فسقة ... والنتيجة: أن الشيعة هم الكفرة الفجرة ؛ لأنهم يكذبون القرآن صراحة.
  ثالثا: ومن السنة المطهرة
1-  قوله صلى الله عليه وسلم-:" لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" رواه مسلم.
2-  وعن سعيد بن المسيب عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-"إن الله اختار أصحابي على الثقلين سوى النبيين والمرسلين". [رواه البزار في مسنده بسند رجاله موثوقون]
3-  وفى الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) وفى رواية:(لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق".
رابعا: من أقوال السلف في الصحابة
1-  قال عمر: " من فضلني  على أبى بكر نقيم عليه حد المفتري".
2-  وقال أمير المؤمنين علي بن أبى طالب: "لا يفضلني أحد على أبى بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري".
فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي - رضي الله عنهما يجلدان حد المفتري من يفضل علياً على أبي بكر وعمر، أو من يفضل عمر على أبى بكر مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب، علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير.
3-  وقال سفيان الثوري - في قوله تعالى- :"قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَذِينَ اصْطَفَى".  قال: هم أصحاب محمد  صلى الله عليه وسلم.
4-  وهذا الإمام مالك رحمه الله يستنبط من قوله تعالى :"مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ  ... لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ" كفر من يبغض الصحابة ؛ لأن الصحابة يغيظونه ، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره.
5-  وقال سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: "من كان مستناً فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا خير هذه الأمة، أبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم".
خامسا : بيان عقيدة أهل السنة في الصحابة
1-  يقول أبو زيد القيراوني – مبرزا عقيدة أهل السنة في الصحابة الكرام - : ".. وخير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون ، أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين ، وأن لا يذكر أحد من صحابة الرسول إلا بأحسن ذكر ، والإمساك عما شجر بينهم ، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ، ويظن بهم أحسن المذاهب".
2-  ويقول أبو جعفر الطحاوي :" .. ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان ".
وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ نحُصِيَ في هذهِ العُجالةِ ما للصحابة الكرام  مِنَ الفضْلِ الجَلِيِّ ؛ والقدْرِ العَلِيِّ، ولكنْ حَسْبُنا ما استحضَرْناهُ مِنْ فضائلهم ودلائل عدالتهم ، وفي ظل هذه الفتن المتلاحقة ، وأمام هذا الدجل الذي بدأ يغزو أبناءنا ، حتى وجد من يمارس الطقوس الشيعية في بعض مساجد بلادنا ،  بات لزاما على المسلمين أن يتحصنوا بالعلم الشرعي الذي طريقه الكتاب والسنة ، وفهم الأئمة الهداة الأربعة ؛ فذلك هو  الملاذ لحفظ مرجعيتنا الدينية ووحدتنا الوطنية.
باركَ اللهُ لي ولكم في الفرقانِ والذِّكرِ الحكيمِ، ووفَّقَنا للاعتصامِ به وبما كانَ عليهِ النبيُّ الكريمُ ؛ عليهِ أفضلُ الصلاةِ وأزكَى السلام والتسليمِ ؛ مِنَ الهَدْيِ القَويمِ ؛ والصراطِ المستقيمِ ، أقولُ ما تسمعونُ وأستغفرُ اللهَ الغفورَ الحليمَ ، لي ولكم مِنْ كلِّ ذَنْبٍ وحَوْبٍ فتوبوا إليهِ واستغفروه إنَّه هوَ التوَّابُ الرحيمُ.