......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الجمعة، 8 مارس 2013

خصلتان حبيبتان إلى الرحمن



خصلتان حبيبتان إلى الرحمن
 (( الحــلــم والأنــاة ))
خطاب الجمعة بمسجد مالك بن أنس–  التلاغمة –  الجزائر -


محامد
الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد /
تمهيد
    قال تعالى: " لقد خلقنا الإنسان في كبد " (البلد 4)  قال صاحب الظلال :" في مكابدة ومشقة ، وجهد وكد ، وكفاح وكدح . . كما قال في السورة الأخرى[1] : " يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه " ( الانسقاق  6)
فالحياة الدنيا تكثر فيها الهموم و المنغصات والمكدرات؛ لأن  الله لم يجعلها دار جزاء وقرار بل جعلها دار تمحيص وامتحان ، والفترة التى يقضيها العبد بهذه الدار  إنما فترة تجارب متصلة الحلقات ، فلا يكاد العبد يخرج من امتحان حتى يدخل فى امتحان آخر ، قد يختلف  اختلافا تاما عن الامتحان الأول ، وتلك طبيعة الحياة ، يقول الله تعالى : "  الم  أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ "( العنكبوت 1- 2 -3 ) وأمام هذه الحقيقة الثابتة يحتاج المسلم إلى زاد قوي يجنبه مزالق الطريق، و يمكنه من اجتياز العوائق بسلام  .
الحلم والأناة من أفضل ما يتزود به لاجتياز العقبات
     والحلم والأناة من  أفضل ما يتزود به المسلم لمواجهة الشدائد واجتياز العقبات ، فهما  خصلتان عظيمتان حبيبتان إلى الرحمان ، أرشد  النبي صلى الله عليه وسلم إليهما أمته ،  حيث قال  للأشج عبد القيس :
" إن فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة " [2]
فما أحوجنا إلى  هاتين الخصلتين ، لا سيما في هذه الزمان الذي كثرت فيه الفتن و وتراكمت فيه المحن وبدت فيه التناقضات !
فالحلم : يعني  التعقل والسماحة والعفو  عن المسيء و عدم الطيش والغضب .
 و الأناة : تعني الهدوء في السلوك والتصرفات و التثبت و عدم التهور و الاستعجال.
ومن صفات المتقين : كظم الغيظ ، قال تعالى : "... والكاظمين الغيظ  والعافين عن الناس ..."  ( آل عمران 134 )
و الحلم أفضل وأعظم من كظم الغيظ ؛ لأن كظم الغيظ هو عبارة عن التحلم ، أى محاولة اكتساب الحلم ، بحيث يتكلف العبد الحلم عند اشتداد غضبه و هيجان غيظه.
وأما الحلم فهو طبيعة متأصلة و سجية راسخة  في نفوس العظماء والنبلاء فمهما استفزهم الحمقى و الأوغاد  فلن  يهيج لهم غيظ ولن يطيش لهم عقل .
الحلم صفة لله رب العالمين
     و يكفى في فضل الحلم – أيها الإخوة في الله - أنه صفة من صفات  الباري جل جلاله، قال تعالى: "واعلموا أن الله غفور حليم " [ البقرة: 235 ]. و الحليم  هو الذي يحسن إلى  خلقه وينعم عليهم   مع كثرة معاصيهم و زلاتهم ، فيحلم عن المسيئين ويعفو عنهم ، فلا يعاجلهم بالعقوبة بل يمهلهم ليتوبوا ، ولو شاء لأخذهم بذنوبهم فور صدور المعاصي  منهم ، قال تعالى : " ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" [سورة النحل الآية 61]
الحلم من صفات الأنبياء والمرسلين
      وقد اقتضت حكمته تعالى أن يصطفي أنبياءه قاطبة  من أحلم الناس و أوسعهم صدرا ،  ليستطيعوا تبليغ رسالته  إلى الناس ، لأن من لم يكن حليما لا يصبر على الأذى و لا يصفح عن المسيئين ، ومن ثم يعجز عن تبليغ الرسالة التي أمر بتبليغها ، قال تعالى في وصف خليله إبراهيم : " إن إبراهيم لأواه حليم " [التوبة :114]. و بشره كذلك بابن حليم ، فقال تعالى: " فبشرناه بغلام حليم  " [الصافات :101]. وهو سيدنا إسماعيل عليه السلام .
نماذج من حلم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
     وأما سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم فقد كان المثل الأعلى في الحلم والأناة  ، قالت عائشة رضي الله عنها : ما رأيت رسول الله  صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ظلمها إلا أن تنتهك حرمة من حرم الله سبحانه.
 و سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما قوله تعالى: " وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارً " فقال: بأبي وأمي أنت يا رسول الله ، ما أحلمك وأكرمك، لقد دعا نوح على قومه فأهلكوا ، ولو دعوت علينا لهلكنا عن آخرنا ، فلقد وطئي ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك وقيل لك : ادع عليهم ، فأبيت أن تقول إلا خيرا وقلت: اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون .

عن أنس ـ رضي الله عنه ، قال : " كنت أمشى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية ، فأدركه أعرابي فجبذه (جذبه) بردائه جبذة شديدة ، نظرت إلى صفحة عنق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ، ثم قال : يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك ثم أمر له بعطاء" (رواه مسلم)

ولما أظهره الله على أهل مكة – الذين ألحقوا به الأذى  وقتلوا  أصحابه وقتلوا  عمه حمزة ومثلوا بجثته -  فلما أظهره الله عليهم قال : ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : أقول كما قال أخي يوسف : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء .

نماذج من حلم الصحابة رضي الله عنهم
     وقد سار الصحابة الكرام على نهج نبيهم- صلى الله عليه وسلم -   في الحلم والأناة ، فاتسموا بهما و تمسكوا بهما في تصرفاتهم وواقع حياتهم .
- يروى أن رجلا قال لأبي بكر رضي الله عنه: "واللهّ لأَسُبَّنك سبًّا يَدْخل القبرَ معك؟ فقال أبو بكر: معك يَدْخل لا مَعي"
- و شَتم رجلٌ أبا ذَرًّ فقال: "يا هذا ، لا تُغْرق في شَتْمنا ودَعْ للصُّلح مَوْضعاً ، فإنا لا نًكافئ مَن عصى الله فينا بأكثر من أن نُطيع الله فيه"
- وقال رجل لعمرو بن العاص: "والله لأتفرَّغنَّ  لك" قال عمرو : "هنالك وقعت في الشغل؟ " قال: "كأنك تهددني، والله لئن قلت لي كلمة لأقولنِّ لك عشراً " قال:  وأنت والله لئن قلت لي عشراً لم أقل لك واحدة"
- روي أن رجلاً سبّ سيدنا عبد الله ابن عباس رضى الله عنهما، فلما فرغ الساب من سبه قال ابن عباس : " يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها ؟ فنكس الرجل رأسه واستحى"[3]
 هكذا كان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -   مثل الجبال الراسخة لا تحركها العواصف مهما عتت .
نماذج من حلم العلماء
وعلى ذلك درج العلماء والصالحون ، فهذا الإمام الشافعي - رحمه الله - خرج ذات يوم من المسجد فقال له رجل: يا شافعي: قال: لبيك.قال: أنت فاسق! فقال الشافعي: اللهم إنْ كنتُ كما قال فتب عليَّ. وإن لم أكن كما قال فاغفر لي.
وفى اليوم الثاني: حدث كما حدث في اليوم الأول، وفى اليوم الثالث كذلك. فقال له الشافعي:
(( يا هذا: إن العالم كالشجرة والعلم كالثمرة. فخذ الثمر ولا شأن لك بالشجرة )) فعاتبه صاحب له: أمَا كان لك أن ترد عليه؟! فقال الشافعي:
يخاطبنى السفيه بكل قبح   ................ فأكره أن أكون له مجيبا
يزداد سفاهــــة فأزداد حلـــما  ............ كعود زاده الإحراق طيبا
وقال أيضا  :
إذا نطق السفيه فلا تجبه ................وخير من إجابته السكوت
إذأجبته فرجت عنه........................وإذا تركته كمدا يموت.
وهذه الأبيات التي ذكرها الإمام الشافعي تفسر لنا قول الله تعالى:"وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا"
نتيجة الحلم والأناة وثمرتهما
 واعلموا أيها الإخوة أن للحلم والأناة مزايا وفوائد كثيرة تعود على المتصف بهما ، منها :
1-       أن صاحبهما محبوب عند الله ورسوله ، كما سبق بيانه في الحديث: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة" وإذا كان الله يحب الحلم والأناة ، فالمفهوم المخالف أنه يكره أضدادهما ، فيكره أولائك المتهورين والمستعجلين ، الذين تطيش عقولهم فيغضبون لأتفه سبب ( فيقومون ويقعدون ويسبون ويشتمون ويطعنون ويختلقون البهتان للتنفيس عن غيظهم ) وتلك نتيجة الطيش والغضب أن يدفع أصحابه إلى ارتكاب الحماقات والدنايا التي تعود عليهم بالخزي والندم في عاجلهم وعاقبة أمرهم .
2-       الفوز برضا الله وجنته.. لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنْفِذَهْ، دعاه الله- عزَّ وجلَّ- على رءوس الخلائق يوم القيامة، يخيِّره من الحور العين ما شاء" (رواه الترمذي)
3-       التحكم في الانفعالات لقوله - صلى الله عليه وسلم -   : " ليس الشديد بالصُّرْعَة (مغالبة الناس وضربهم) إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (رواه مسلم)
4-       تحويل العداوة إلى     صداقة.. يقول تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾(فصلت: 34 )
5-       محبة الناس .. فإن أول ما يُعوض الحليم عن حلمه أن يحبه  الناس وينصروه؛ لأن الحليم المتأني يبتعد عن الوقوع في الأخطاء والدنايا ، بخلاف الأحمق المتهور المستعجل فهو يضر نفسه أكثر مما ينفعها. .
6-        الوقاية من الوقوع في المهالك والمزالق التي تتسبب في الفشل والانهزام ، قال - صلى الله عليه وسلم -   :"....... تقوم الساعة والروم أكثر الناس........."[4]  قال عمرو ابن العاص مفسرا ذلك : ( لأن الروم أحلم الناس عند الفتنة ، وأسرع الناس إفاقة بعد مصيبة ) فعمرو لم يثن على الروم بكلامه  هذا ، و لكن أراد أن يبين المسلمين أن بقاء الروم أكثر الناس إلى أن تقوم الساعة ، كان بسبب حلمهم عند وقوع الفتن ، فهم لا يعجلون ولا يغضبون و لا يتهورون ، بل يحلمون ويتأنون فيقوا أنفسهم وأقوامهم  من القتل و موجبات الهلاك الفناء .

    أيها الإخوة في الله : ما ينبغي أن نتساهل  فيما دعا إليه نبينا  - صلى الله عليه وسلم -   من الحلم والأناة ، في حين يتشبث به أعداؤنا من النصارى .
وإننا اليوم في حاجة ماسة إلى أن نضبط تصرفاتنا بميزان الشرع  ، وأن نواجه أزمات الحياة  بالعقل والحكمة والحلم والأناة ، فنظفر بخير الدنيا والاخرة . وفي الحديث : " إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ "[5] والحياة الدنيا كلها لا تخلو من منغصات و استفزازات ، لكن العاقبة – دوما - للمتقين الذين يصبرون ويتحلمون ويتأنون ويتعقلون ..ويتقون الله رب العالمين.
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الهوامش

[1] السيد قطب . في ظلال القرآن ج  6/ ص 3909
 [2] رواه مسلم في صحيحه رقم 25
[3] إحياء علوم الدين 9 / 1661 .
[4] مسلم في صحيحه رقم 35
[5] مسلم في صحيحه رقم  78