......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

كشـف الشــبهات عما ورد في صوم عرفة من الهبات



المحتويات :
تمهيــــد
المطلب الأول :
إشادة الأئمة بصحيح مسلم وشهادتهم لرواته
المطلب الثاني:
تخريج حديث مسلم في فضيلة صوم يوم عرفة وبيان درجته
المطلب الثالث:
منا قشة الشبهات المثارة حول هذا الحديث
المطلب الرابع:
بيان مذاهب فقهاء الأمصار في حكم صوم يوم عرفة
النتائج المستخلصة

تمهيد


بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ،   أما بعد/
فلقد حضرت محاضرة لأحد الدكاترة - بمركز التكوين المستمر للسادة الأئمة - زعم فيها ضعف حديث أبي قتادة في فضيلة صيام يوم عرفة لمن لم يكن بعرفة : والحديث مروي عن أبي قتادة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده " أخرّجه الإمام مسلم في  " صحيحه " وغيره كما سيأتي بيانه .          و قال الدكتور المحاضر: أن هذا الحديث لا يمكن أن يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأن صيام يوم عرفة ليس بسنة إطلاقا ، وأثار شبهات عديدة حول هذا الحديث ، مقتفيا في ذلك آثار الشيخ فوزي بن عبد الله البحريني ، الذي كتب بحثا بعنوان : " جزء فيه تخريج حديث : (صوم يوم عرفة) "وقد أنكر فيه مشروعية صوم يوم عرفة ، وساق العديد من الأدلة على ضعف حديث أبي قتادة الذي سبق ذكره ، ولم يسلم هذا البحث من الردود العلمية ، أحسنها – حسب رأيي واطلاعي – كتاب : " مشروعية صيام يوم عرفة والرد على من أنكر ذلك " للشيخ خالد الردادي .
- وخدمة للشريعة الإسلامية الغراء ، بدحض الشبهات عنها. -  وإسهاما في تفعيل نشاطات البحث العلمي في دورات التكوين المستمر .
- وترشيدا لزملائي الأئمة الذين تحملوا أمانة إفهام الشريعة للناس ، إفهاما خاليا من الشوائب والشبهات : كتبت هذا البحث الذي بينت من خلاله آراء العلماء الراسخين في المسـألة المطروحة ، وقد توخيت فيه الدقة والإيجاز والتوثيق لكل منقول من النصوص ، وسميته :" كشـف الشــبهات عما ورد في صوم عرفة من الهبات "
وأسأل الله تعالى التوفيق والسداد والقبول .آمين .

التلاغمة في : 15/ شوال 1433 هـ  = 03/ 09 / 2012 م


المطلب الأول :إشادة الأئمة بصحيح مسلم وشهادتهم لرواته

إنه ليس من السهل الإقدام على نقد حديث هو في صحيح مسلم ، الذي أجمعت الأمة على تلقي ما فيه بالقبول ، ولم يقدم على نقد أحاديثه إلا أئمة  أفذاذ أولوا براعة في الدقة والنقد ، وخبر الروايات وطرقها ، مشهود لهم بالإمامة في السنة والحديث معا ، ومع ذلك  لم يسلّموا من الانتقادات في ما انتقدوا من أحاديث يسيرة في الصحيحين أو أحدهما .
{ أ } ثناء العلماء على صحيح مسلم
ولقد أثنى على صحيح مسلم كثير من العلماء الإجلاء ، مشيدين بالمكانة السامية التي يتبوأها من بين كتب السنة،  وهذه بعض نصوصهم شاهدة على ذلك:
 -  قال الإمام النووي رحمه الله :"اتفق العلماء على أنّ أصح الكتب بعد القرآن "الصحيحان" البخاري ومسلم  وتلقتهما الأمة بالقبول[1] "
2 – و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وَأَمَّا كُتُبُ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفَةُ : مِثْلَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ  ، فَلَيْسَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بَعْدَ الْقُرْآن[2]"    
                                                                                                                                                                                                                     
3- و قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: " الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين ، وممن اهتدى بهديهم وتبعهم على بصيرة مـــن الأمور: أن أحاديث"الصحيحين"صحيحة كلها  ، ليس في واحد منها مطعن أو ضعف . وإنما انتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث ، على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا التي التزمها كل واحــد منهما في كتابه . وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها ، فلا يهولنك إرجاف المرجفين ، وزعـــم الزاعمين أن في "الصحيحين" أحاديث غير صحيحة ..... [3]".
4- و قال الإمام مسلم رحمه الله : " وَاعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ عَرَفَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ صَحِيحِ الرِّوَايَاتِ وَسَقِيمِهَا وَثِقَاتِ النَّاقِلِينَ لَهَا مِنْ الْمُتَّهَمِينَ ؛ أَنْ لَا يَرْوِيَ مِنْهَا إِلَّا مَا عَرَفَ صِحَّةَ مَخَارِجِهِ وَالسِّتَارَةَ فِي نَاقِلِيهِ ، وَأَنْ يَتَّقِيَ مِنْهَا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ أَهْلِ التُّهَمِ وَالْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ[4]" وروي عنه أنه قال: " صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة[5]" وقال أيضا : "ما وضعت في كتابي هذا إلا بحجة ، وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة [6]"
وقد مكث في تأليف صحيحه خمسة عشرة سنة ، كل ذلك من أجل التحري والتثبت في تمييز الصحيح من غيره ، وبعد تأليفه عرضه على جهابذة العلماء .                              
وروي عنه قوله :  " عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي ، فكل ما أشار أن له علة تركته ، وكلما قال إنه صحيح وليس له علة خرجته [7]"            
                                                                       
{ ب } شهادة العلماء للرواة المخرَّج لهم في صحيح مسلم. ويكفينا منها في هذا المقام شـــهادتان :
أولاهما : للحافظ ابن حجر، قال -رحمه الله-:" ورواتُهما - يعني الصحيحين- قد حَصَلَ الاتِّفاقُ على القَوْلِ بتَعديلِهِمْ بطريقِ اللُّزومِ ، فهم مُقَدَّمونَ على غيرِهم في رِواياتِهم ، وهذا أَصلٌ لا يُخْرَجُ عنهُ إِلاَّ بدليلٍ[8] "     
                              
والثانية : للإمام ابن دقيق العيد ، قال – في معرض حديثه عن معرفة الثقات من الرواة - : " ولمعرفة كون الراوي ثقةً ، طرُقٌ منها:
تخريج الشيخين أو أحدهما في "الصحيح" للراوي محتجّين به ، وهذه درجة عالية ، لما فيها من الزيادة على الأول  وهو إطباق جمهور الأُمَّةُ أو كلهم على تسمية الكتابين بالصحيحين ، والرجوع إلى حكم الشيخين بالصحة.    وهذا معنى لم يحصل لغير من خُرِّج عنه في "الصحيح" فهو بمثابة إطباق الأمة أو أكثرهم على تعديل من ذكر فيهما وقد وجد فيها هؤلاء الرجال المخرج عنهم في الصحيح من تكلَّم فيه بعضهم، وكان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المَقْدِسي يقول في الرجل الذي يُخَرَّج عنه في الصحيح : هذا جَاز القَنْطَرَةَ . يعني بذلك أنه لا يُلتفتُ إلى ما قيل فيه ، وهكذا نعتقد ، وبه نقول ، ولا نخرج عنه إلاَّ ببيان شافٍ وحجَّة ظاهرة[9] "     
                      
وهذا قليل من كثير مما شهد به الأئمة الأعلام لصحيح مسلم الذي هو أصح كتاب بعد صحيح البخاري الذي أجمعت الأمة على أنه أصح كتاب بعد كتاب الله  عزّ وجلّ، ولا جرم أن شهادة علماء الأمة أحق بالقبول وأولى بالاعـتبار من آراء المتقولين في الشريعة بالهوى والتشهي . 


المطلب الثاني: تخريج حديث أبي قتادة رضي الله عنه وبيان درجته

{ أ } تخريج الحديث
قال الإمام مسلم في "صحيحه"[1162] (( و حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ،وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا ،عَنْ حَمَّادٍ قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ،عَنْ غَيْلَانَ ،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ ،عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَجُلٌ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ ؟فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،َ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ قَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا ،نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ .فَجَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ. فَقَالَ عُمَرُ :يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ ؟قَالَ:" لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ" أَوْ قَالَ:" لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ "قَالَ :كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا ؟قَالَ:" وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟" قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَال:"َ ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام" قَالَ :كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْن؟ِ قَالَ :"وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِك"َ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :" ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّه،ِ  وصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ".
ثم قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ،وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا :حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ،حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ،عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ ،سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيَّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ عَنْ صَوْمِهِ؟ قَالَ :فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِبَيْعَتِنَا بَيْعَة.ً قَالَ :فَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ الدَّهْر؟ِ فَقَالَ:" لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ" أَوْ :"مَا صَامَ وَمَا أَفْطَرَ"، قَالَ: فَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ؟ قَالَ :وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ"، قَالَ: وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ :"لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ قَوَّانَا لِذَلِكَ "قَالَ :وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمٍ وَإِفْطَارِ يَوْمٍ ؟قَالَ :"ذَاكَ صَوْمُ أَخِي دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام "،قَال:َ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ؟قَالَ :"ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ "قَالَ: فَقَال:"َ صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ صَوْمُ الدَّهْرِ"، قَال:َ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ:" يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ"، قَالَ :وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ؟فَقَال:َ "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ
)) .
                         
وأخرجه غير مسلم الأئمة الآتية أسماؤهم :
أخرجه عبد الرزاق [7826] و [7831] و [7865]،وابن أبي شيبة [3/78]
وأحمد[303،5/ 297،308،310-311]،وأبوداد[2425]و[2426]،والترمذي[749]،النسائي في " الكبرى" [2318]،وابن ماجه[1730] و[1738]،وابن خزيمة[2087]و[1713] وابن حبان[3631]و[3632]،وابن جرير الطبري في"تهذيب الآثار"[2226]، والطحاوي في"شرح معاني الآثار" [2/77]، وفي"مشكل الآثار"[2967]و[2968].
وأخرجه أبوعوانة[2545]،والبيهقي في "السنن الكبرى" [4/286و300]،وفي "شعب الإيمان" [3761]، وفي"فضائل الأوقات"[184]،وابن عبد البر في "التمهيد" [21/162] ،والبغوي [1789] و [1790] ،والقاضي أبويعلى في"طبقات الحنابلة" [1/326] ،وابن حزم في "المحلى"[7/17] من طرق عن غيلان بن جرير ،عن عبد الله بن معبد .
وأخرجه عبد بن حميد في منتخبه [194] ،والحميدي [429]،وأحمد[5/296و304و307]،والنسائي في "الكبرى"[2/10،151]،والبيهقي[4/283]،وفي"الشعب"[3762] و [3781] ، وابن عبد البر في "التمهيد" [21/162] من طرق عن إياس بن حرملة ،عن أبي قتادة-رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :((صوم عاشوراء يكفر السنة الماضية، وصوم عرفة يكفر السنتين الماضية والمستقبلة)).


{ ب } بيان درجة الحديث           
                                                                        
- هذا الحديث أخرّجه الإمام مسلم في "صحيحه" كما تقدم ، وكفى بذلك شهادة .
- وقال الترمذي : " حديثُ أبي قَتَادَةَ حديثٌ حسنٌ ، وقد اسْتَحَبَّ أهلُ العلمِ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلاَّ بِعَرَفَة[10]"
-
 وقال النسائي : " هذا أجود حديث في هذا الباب عندي[11]"
- وقال ابن جرير: " وهذا خبر عندنا صحيح سنده ، لا علّة فيه تُوهِنه ولا سبب يُضعِفُه [12]"
- وقال ابن عبد البر "..وهذا إسناد حسن صحيح[13]"
-
 وقال البغوي "..هذا حديث صحيح أخرجه مسلم.. [14]" 
-
 وقال ابن قدامة  : "وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صيامه - يعني يوم عرفة - يكفر سنتين[15]".

وأقوال العلماء في صحة هذا الحديث كثيرة جدا ، فقد أورده معظم أهل العلم في كتب الأحكام والفضائل مقرين بصحته  وما عله منهم أحد .  


المطلب الثالث : مناقشة الشبهات المثارة حول حديث أبي قتادة

نعود الآن لمناقشة الدكتور فيما أثاره من شبهات حول هذا الحديث الصحيح :
الشبهة الأولى :  أن العقل لا يقبله فلا يمكن أن يصح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ؛ وذلك أن مطالع الهلال تختلف من بلد لآخر ، ومن ثم فقد يكون يوم التاسع من ذي الحجة ، هو الثامن لمن ليس بعرفات ، كسكان الصين مثلا ، والمطلوب في صيام يوم عرفة أن يصادف وقوف الحجيج بعرفات .
الرد على هذه الشبهة :أن هذا ليس مما يعل به الحديث ، إنما هو تحكم عقلي محض على الشرع ، والعقول لا تستقل بإدراك الأحكام الشرعية بعيدا عن وصاية الشرع . ولذلك قرر العلماء أنه  متى تعارض العقل والنقل قدم النقل أبدا ، ولو كان العقل حاكما على الشرع لأدى ذلك إلى إبطال كثير من الأحكام الشرعية التي لا مجال للعقل فيها ، كإباحة النظر إلى الأمة الحسناء وتحريمه إلى الحرة الشوهاء ، مع أن النفس إلى الأولى أميل . وكإيجاب قطع اليد في سرقة القليل وعدم إيجابه في الغصب الكثير . واشتراط أربعة شهود عدول في حد الزنى والاكتفاء بشهادتين في حد القتل ، مع أن القتل أعظم . وغير ذلك مما لا مجال للعقل فيه ، وعلى فرض التسليم بهذه الشبهة فنحن في الشرع متعبدون بالظن في عامة الأحكام الشرعية العملية ، كمن غمت عليه القبلة فإنه يجتهد ويتحرى ، ويصلي نحو ما غلب على ظنه أنه القبلة ، وتبرأ ذمته بذلك ويثبت أجره إن شاء الله ، ونظائر ذلك كثير في شرعنا .
والقول بأن صيام يوم عرفة يشترط فيه مصادفة وقوف الحجيج قول فيه نظر ، لأن الشارع لا يكلف بغير مقدور ، والصحيح أن صيام يوم عرفة كتحري ليلة القدر ، التي أمر الشارع بتحريها في الأوتار من العشر الأخيرة من رمضان ، ومعلوم أن ليلة القدر واحدة والأوتار تختلف من بلد لآخر لاختلاف مطالع الهلال ، فقد تكون ليلة السابع والعشرين بالنسبة للحجازيين هي ليلة الثامن والعشرين لأهل المغرب ، وربما كانت ليلة السادس والعشرين لأهل الصين مثلا ، ويكفي المسلم في ذلك التحري بناء على غلبة الظن وما كان الله ليضيع أجر من أحسن عملا .   
  
 الشبهة الثانية :أن الحديث تضمن ترتيب الثواب على زمن مستقبل وذلك لا وجود له في شرعنا.
الرد على هذه الشبهة . أن هذا لا يصح دليلا يعتمد عليه في تضعيف الحديث ، ولم ينص عليه أحد من أئمة الحديث ضمن أسباب أو علامات الضعف في المرويات الحديثية . ثم هو ادعاء غير صحيح فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لعثمان يوم العسرة :" ما ضر عثمان ما صنع بعد اليوم " وقال – في شأن البدريين - :" لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "وبالرجوع  إلى أقوال العلماء الراسخين يندفع هذا الإشكال الذي استعصى على الدكتور فهمه .فقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - : ( إِنِّي عَلَى اللَّهِ ) معناه أَرْجُو مِنْ اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ ، فأَحْتَسِبُ – هنا - بمعنى أرجو ، وَتعدية فعل ( أَحْتَسِبُ ) بحرف على يفيد الْوُجُوبِ عَلَى سَبِيلِ الْوَعْدِ ، مُبَالَغَةً لِحُصُولِ الثَّوَابِ .
- قَالَ النَّوَوِيُّ :"  قَالُوا الْمُرَادُ بِالذُّنُوبِ الصَّغَائِرُ , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الصَّغَائِرُ يُرْجَى تَخْفِيفُ الْكَبَائِرِ , فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُفِعَتْ الدَّرَجَاتُ ".
 - وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : " وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ , وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا التَّوْبَةُ   أَوْ رَحْمَةُ اللَّهِ . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُونُ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ ذَنْبٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ؟ قِيلَ : مَعْنَاهُ أَنْ يَحْفَظَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الذُّنُوبِ فِيهَا ، وَقِيلَ :أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الرَّحْمَةِ الثَّوَابَ قَدْرًا يَكُونُ كَكَفَّارَةِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَالسِّنةِ الْقَابِلَةِ ..................... [16]" .

-
 وقال العيني- رحمه الله-:"فإن قلتَ :تكفير الذنوب الماضية بالحسنات وبالتوبة وبتجاوز الله تعالى، فكيف يعقل تكفير الذنب قبل وقوعه ؟ قلتُ: المراد عدم المؤاخذة به إذا وقع ،ومنه ما ورد في مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأخر.. [17]".
- وقال الشوكاني  رحمه الله -:"وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ تَكْفِيرُهُ السَّنَةَ الْآتِيَةَ ; لِأَنَّ التَّكْفِيرَ : التَّغْطِيَةُ , وَلَا تَكُونُ إلا لِشَيْءٍ قَدْ وَقَعَ ،وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ يُكَفِّرُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ , أَوْ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَلْطُفُ بِهِ فَلَا يَأْتِي بِذَنْبٍ فِيهَا بِسَبَبِ صِيَامِهِ ذَلِكَ الْيَوْمِ[18]".

-
 وقال ابن حجر-رحمه الله-:" وإذا عُلِمَ أنّ الله مالك كلّ شيء ،له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ، لم يمتنع أن يعطى من شاء ما شاء ، وقد ثبت أنّ ليلة القدر خير من ألف شهر، وقد يقع العمل في بعض ليالي السنة من بعض الناس أكثر مما يعمل فيها، ومع ذلك فالعمل فيها أفضل من غيرها بثلاثين ضعف { ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الحديد:21] [19]".

الشبهة الثالثة: أن الحديث تضمن ترتيب الثواب الكثير على العمل القليل ، وهو من علامات الضعف.
الرد على هذه الشبهة . نعم ذلك صحيح لكنه لا يطرد ، فكم من أحاديث من هذا النوع وهي ثابتة في الصحاح ، كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي أخرجه الشيخان وغيرهما:أن  النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا [20] "
قال ابن عبد البر – معلقا على فضل صوم يوم عرفة - :"وهذا فضل عظيم ، وخير كثير من الله تعالى  والفضائل لا تدرك بنظر ، ولا مدخل فيها لقياس ، فإن الله تعالى منعم متفضل ، له أن يتفضل بما شاء ، على من يشاء ، فيما يشاء من الأعمال ، ولا معقب لحكمه ، ولا راد لفضله [21]".

الشبهة الرابعة : عدم سماع عبد الله بن مَعْبَد الزِّمَّاني من أبي قَتَادَة.وإذن فالإسناد منقطع! وقد صرح الإمام البخاري - رحمه الله- فقال:" لا نعرف سماعه ـ يعني عبد الله بن مَعْبَد من أبي قَتَادَة ".
الرد على هذه الشبهة . كلام الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ يمكن أن يجاب عنه بما يلي:

أ  قوله:( لا نعرف سماعه من أبي قتادة) يعني به :
أنه لم يقف على التصريح بالسماع لا أنه حكم على عدم السماع ، و لو كان الأمر كذلك لقال: لم يسمع منه أو قال: أنه مرسل ،كما هي عادته رحمه الله.
ب ـ  أن جماعة من الأئمة أثبتوا سماع عبد الله بن مَعْبَد الزِّمَّاني من أبي قَتَادَة ولم يروا قول البخاري شيئاً ، ومن هؤلاء : مسلم والنسائي وابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر وغيرهم ، والمثبت مقدم على النافي كما هو معلوم.        
                                                                       .        
                                                                                                
ج ـ قال ابن حزم: "وقد تكلم في سماع عبد الله بن معبد الزماني من أبي قتادة"...ثم أجاب عن هذا فقال: "وأما سماع عبد الله بن معبد من أبي قتادة ، فعبد الله ثقة والثقات مقبولون لا يحل رد رواياتهم بالظنون[22] "..
                                                                                              
الشبهة الخامسة : ومن الشبهات الواردة على هذا الحديث أن بعض أئمة الحديث أوردوا  عبد الله بن مَعْبَد الزِّمَّاني في كتب الضعفاء لعدم سماعه من أبي قَتَادَة[23].
الرد على هذه الشبهة من المعلوم أن أئمة الجرح والتعديل يذكرون ويوردون في مصنفاتهم في "الضعفاء" كل من تكلم فيه سواء كان الكلام قادحا في عدالته أو غير قادح ،والشواهد على هذا كثيرة .
فها هو الإمام العقيلي يورد الإمام الكبير علي بن المديني في كتابه في الضعفاء ، حتى قال الذهبي مستنكرا عليه صنيعه هذا : أما لك عقل يا عقيلي!.
الشبهة السادسة  أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصم يوم عرفة ، ولذا لا يشرع صيامه !
الرد على هذه الشبهة.إن هذا لشيء عجيب وغريب  ؛ إذ لو أخذنا نعلل الأحاديث الصحاح بمثل هذا  لأبطلنا عدداً ليس باليسير من السنة المطهرة  ، ومع ذلك نجيب عن هذه الشبهة  بما يلي:

أ - يحتمل أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل - صلى الله عليه وسلم - وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته[24]  أو ربما كان ذلك لعلة أخرى قد لا تظهر لنا ، وأمثلة ذلك كثيرة .
ب - أن العمل يكفي لثبوت مشروعيته ثبوت النص ، ولا يلزم منه أن يعمله هو - صلى الله عليه وسلم – و لا يزال المسلمون يصومون ستاً من شوال اعتماداً على حديث أَبِي أَيُّوبَ الأنصاري -رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدهر"[25]  مع أنه لم يثبت حديث واحد يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - صامه ، هل يمكن لأحد أن يقول : إنه لا يشرع صوم الست لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت عنه صومها ؟!
أما روي عن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في كراهة صيامها علنا لمن يقتدى به ، فليس مبناه على هذا المأخذ ، وإنما هو لأسباب أخرى راجعة إلى قاعدة :"
 سد الذرائع " المنبثقة عن نظرية الاحتياط الفقهي .
ج  :قال ابن حزم -رحمه الله - : " أَمَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَصُمْهُ فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ فِي ذَلِكَ ؛  لِأَنَّهُ عليه السلام قَدْ حَضَّ عَلَى صِيَامِهِ أَعْظَمَ حَضٍّ , وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ , وَمَا عَلَيْنَا أَنْ نَنْتَظِرَ بَعْدَ هَذَا أَيَصُومُهُ عليه السلام أَمْ لا ؟.."[26].
ومن المقرر عند علمائنا أن القول أقوى من الفعل ، فإذا أخبر النبي – عليه الصلاة والسلام- بشيء وشرعه لأمته فإنه يلزمها ذلك ، ولو لم يفعله هو - صلى الله عليه وسلم .


المطلب الرابع : يان مذاهب فقهاء الأمصار في حكم صوم يوم عرفة  
  
[ أ ] اتَّفَقَ ْفُقَهَاءُ الأمصار عَلَى اسْتِحْبَابِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَهُوَ: الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وكلهم قالوا : أن صــيامه يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ: سَنَةً مَاضِيَةً، وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً، لما رواه مسلم  في صحيحه  عن ابي قتادة - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ". قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ: وَهُوَ أَفْضَل الأَْيَّامِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: " مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ" [27].
[ ب ] ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ لِلْحَاجِّ ، وَلَوْ كَانَ قَوِيًّا ، وَصَوْمُهُ مَكْرُوهٌ للحاج عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ، وَخِلاَفُ الأَْوْلَى عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْفَضْل بِنْتُ الْحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِ لَبَنٍ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ، فَشَرِبَ[28].

  وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ[29].
و علة  الكراهة أنَّهُ يُضْعِفُهُ عَنِ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ ، فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَل. وَقِيل: لأَِنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ وَزُوَّارُهُ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَيُسَنُّ فِطْرُهُ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ مُطْلَقًا، وَقَالُوا: يُسَنُّ صَوْمُهُ لِحَاجٍّ لَمْ يَصِل عَرَفَةَ إِلاَّ لَيْلاً؛ لِفَقْدِ الْعِلَّةِ.


وذهب الحنفية إلى استحبابه للحاج إلا إذا أضعفه عن الوقوف بعرفات
[30].


 النتائج المستخلصة

بعد هذا العرض الوجيز لأهم آراء العلماء من أئمة الفقه والحديث ، يمكننا استخلاص النتائج الآتية :
1- أن صوم يوم عرفة لغير الحاج سنة ، ونحتسب على الله تعالى أن يكفر سنتين ، سنة سابقة وأخرى لاحقة كما ثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام ، وأن الأئمة الهداة الأربعة متفقون على ذلك.
2- أن حديث مسلم في فضل صوم يوم عرفة صحيح باتفاق ، وقد تلقته الأمة بالقبول ، وفي الحديث :" لا تجتمع أمتي على ضلالة"[ أخرجه أحمد 6/396 والطبراني في الكبير2/280 ].
3- أن البخاري لم ينف سماع عبد الله بن معبد الزماني من أبي قتادة ، وإنما صرح بعدم علمه هـو بالسماع.
4-  أن كل الشبهات المثارة حول هذا الحديث باطلة ، وليس لها أساس صحيح تستند إليه.
5- أن ما أثاره فضيلة الدكتور  محمول على الظن الحسن ، وأنه اجتهد فأخطأ ، فنرجو من الله أن يثبت له أحد الأجرين .
6- أن دوافعي لكتابة هذا البحث هي : غيرتي على السنة النبوية المطهرة ، وحرصي على صون الشريعة الغراء من الشوائب ، وهو ما تمليه علينا حقائق هذا الدين والأمانة التي تحملناها ، وما عملي في ذلك إلا تنظيم وإبداء لآراء أئمة الشريعة ، جزاهم الله خير ما جوزي داع عن دعوته .
فما كان في هذا البحث من صواب فهو من الله وحده ، وما كان فيه من نقص فهو مني أنا أهله . 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الهوامش


[1] النووي . مقدمته على شرح مسلم 1/14
[2] ابن تيمية . مجموع الفتاوى . 18/75
[3] احمد شاكر. الباعث الحثيث ص37
[4] شرح النووي على صحيح مسلم 1/15-26
[5] نفسه 1/ 15
[6] ابن الصلاح . صيانة صحيح مسلم ص 68
[7] ابن الصلاح . صيانة صحيح مسلم  ص 95
[8] النووي .شرح صحيح مسلم 1/25
[9] ابن دقيق .الاقتراح في بيان الاصطلاح ص326
[10]جامع الترمذي  2/116              
[11] السنن الكبرى  2/153
[12] تهذيب الآثار . القسم الأول من مسند عمر ص 163
   [13]التمهيد 21/162
[14]  شرح السنة 6/243
[15]  المغني . 3 / 58
[16] تحفة الأحوذي 3 / 377
[17] عمدة القاري 6 / 176
[18] نيل الأوطار 4/ 283
[19]  معرفة الخصال المكفرة للذنوب ص 31
[20] أخرجه مسلم 2 / 808 ح 1153— والبخاري في : كتاب الجهاد / باب فضل الصوم... 56

[21] التمهيد 19 /26
[22] المحلى  (7/18--19)
[23] هذه الشبهة لم يذكرها فضيلة الدكتور المحاضر ، وإنما أوردها الكاتب البحريني الذي أشرنا إلى كتابه في المقدمة .
[24] انظر فتح الباري 2/534
[25] مسلم 1164 باب استحباب صيام ستة أيام من شوال
[26]  المحلى 4/ 439
[27] أخرجه مسلم 2 / 983 من حديث عائشة
[28] أخرجه البخاري 4 / 237 ومسلم 2/ 791
[29] أخرجه الترمذي 2 / 116 وقال حديث حسن
[30] أنظر مذاهب الفقهاء :
-        الحنفية : ابن عابدين 2/83
-        المالكية : حاشية الدسوقي 1/515 و مواهب الجليل 2/403
     -   الشافعية : مغني المحتاج 1 /446 
     -   الحنابلة : كشف القناع 2 /339 
     -   الظاهرية : المحلى لابن حزم 117


وقفات مع ذكرى المولد النبوي الشريــف


محامد
الحمد لله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، وأكرمنا بهذه الشريعة الإسلامية الواضحة الغراء  ،  القائمة على أساس جلب المصالح و درء المفاسد ، فمن اتبع هداها نال سعادة الدنيا والآخرة ، و من جحدها وكفر بها حشر في زمرة الأشقياء الجاهلين ، والكفرة الفاجرين .والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين ، وسيد الأولين والآخرين ، محمد بن عبد الله أكرم الرسل ، وأفضل البشر ، وأول العظماء الخالدين ،  صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين ، وصحابته أجمعين ، ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين .
مقدمة

 أيها الأخوة الكرام... قال حسان بن ثابت في مدح خير البرية :
وأحسن منك لم تر قــــــــط عيني        وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مــــــبرأ ً مـن كــــل عيــب         كأنك قد خلقت كما تـشاء
في هذه الأيام المباركات نستقل ذكرى مولد الحبيب محمد  صلى الله عليه وسلَّم ، الذي  حرر العباد من قيود العبودية لغير الله ، ونشر الرحمة في النفوس ، وزرع المحبة في القلوب ،  ونزع الضغائن والأحقاد من الصدور، ونصر الضعفاء ، وسود العبيد ، وأكرم كريم كل قوم ، إلا من أبى وتولى ، وألف بين القبائل المتناحرة ، والجماعات المتنافرة ، وكون من تك الطوائف المتدارئة أمة عظيمة ، أضحت خير الأمم على الإطلاق ، كما قال تعالى : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ..." [ آل عمران 110 ] واستطاع في وقت قصير أن يعيد للإنسانية كرامتها التي انسلخت عنها دهرا طويلا ، وينقذ البشرية من تلك الأوضاع السيئة المؤلمة ، وينقلها نقلة بعيد المدى إلى مستويات رفيعة من الأدب والتقى.
إنه الحبيب محمد الذي كلفه ربه بتبديد الظلمات التي أحاطت بالناس في مختلف مناحي حياتهم،  " الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ .. "[ إبراهيم 2 ] وخاطبه ربه بقوله : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا" [الأحزاب46]  وصفه بالسراج المنير الذي "يجلو الظلمات ، ويكشف الشبهات ، وينير الطريق ، نوراً هادئاً هادياً كالسراج المنير في الظلمات ، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم   وما جاء به من النور[1] "                     
 يا خـير من دُفِنَتْ بالقاعِ أعظُمُــهُ       فطـــــاب من طيبِهِنَّ القاعُ والأكَمُ
 نـفسي الفــــــداء لقبٍر أنت سـاكِـنُه       فيه الـعــفافُ وفيه الجودُ والـكرمُ
أنت الشفيعُ الذي تُرجى شفاعَتـــُهُ        عِندَ الـصراطِ إذا مـا زلَّت القـــدمُ
أيها الإخوة الكرام : بهذه المناسبة الطيبة ، نقف وقفات مختصرات مع بيان الحقائق الآتية:
أولا:   كونه  صلى الله عليه وسلم  من  أعظم  النعم على الإطلاق
فقد امتن الله به على العباد قاطبة ، فقال الله تعالى:" لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ "[آل عمران:164]، فمحمد صلى الله عليه وسلم  من أعظم النعم وأجلها قدرا ، به أخرجنا الله من الظلمات إلى النور ، ومن الضلالة إلى الهداية ..فلولاه ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا...

محمد طـــــــــــــابـت الدنيــا ببعـثـــــــــتـه             محمد جـــــــــــاء بالآيــات والحكــــــــم

محمد يوم بعث الناس شافعنا            محمد نـوره الهادي من الظلم

محمد ذكــــــــره روح لأنفســـــــنا            محمد شكره فرض على الأمــم

ثانيا:   الفرح   به صلى الله عليه وسلم  مطلب شرعي
لقول الله تعالى:" قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ "[يونس:58]، فيدخل في عموم هذا النص الفرح بمولده وبعثته ودينه وسنته ....... ؛ وكيف لا يفرح المؤمنون بمولد سيد الكائنات الذي  بدت تباشير الفرح على هذا الكون كله بولادته صلى الله عليه وسلم ، وأشرقت أنوار الرحمة ببعثته ، وانتشرت السعادة في الكون بدعوته .......

وُلِــدَ الهُــدى فَالكائِناتُ ضِــــيــاءُ         وَفَمُ الزَمـــــانِ تَبَسُّــمٌ وَثَــــــنــاءُ
الروحُ وَالمَــلَأُ المَلائِكُ حَـــــــولَهُ         لِلـــدينِ وَالــدُنيــا بِهِ بُشَـــــــــــــراءُ

ثالثا:   العلم  بسيرته  صلى الله عليه وسلم  واجب
فيجب أن نعتقد جميعاً بأن معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم   فرضُ عينٍ على كل مسلم ، وكونها فرض عين يعني أنه لا يُعفى مسلمٌ كائناً مَنْ كان مِن معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم  ، لقول الله تعالى: " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً"[ سورة الأحزاب: 21] . ووجه الاستدلال : أن  التأسي به واجب ، ولن يكون لك النبي صلى الله عليه وسلم  أسوة حسنة حتى تعرف سيرته :  مواقفه.. وشجاعته.. ورحمته.. وعدله.. وعلاقته بأزواجه..وعلاقته بإخوانه.. وعلاقته بجيرانه... فكيف تتخذ النبي أسوةً وقدوةً ومثلاً أعلى إن لم تعرف سيرته ومواقفه؟
رابعا:   اتباعه  صلى الله عليه وسلم  دليل على محبة الله تعالى
كلنا ندعي محبة الله تعالى ، لكن هذه دعوة تحتاج إلى دليل، وقد كَثُر المُدَّعون ، والدليل على محبة الله تعالى اتباع سنة النبي، قال تعالى: " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ "[سورة آل عمران: 31] . فلا دعوى إلا بدليل، ودعوى محبة الله دعوى عريضة يدَّعيها كل إنسان، ولكن الفَيْصَل الدقيق، والبرهان الساطع هو: اتباع سُنة النبي صلى الله عليه وسلم  ، فإيَّاك أن توهِم نفسك أنك محبٌ لله وأنت لا تتبع سُنَّة رسول الله ، وإياك أن تتوهَّم أن الله يحبك وأنت لا تتبع سنة رسول الله..
خامسا:   أعظم محبوب بعد الله هو محمد  صلى الله عليه وسلم
وأعظم محبوب بعد الله تعالى هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعلت محبته فوق محبة النفس و المال والوالد و الولد ... جاء في حديث عمر بن الخطاب أنه قال للنبي : يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي : "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنك الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي : "الآن يا عمر" [2] أي الآن حققت المحبة الحقيقية وبلغت حقيقة الإيمان. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"[3] فلا أحد يبلغ حقيقة الإيمان حتى يحب النبي أكثر من نفسه والديه و أولاده وأمواله والناس أجمعين.............
سادسا:   محبته صلى الله عليه وسلم تكمن في اتباعه
والسؤال الذي واجهنا في هذا الصدد: أين تلك المحبة في قلوب المسلمين والمسلمات اليوم ؟ فشتان بين المحبة الصادقة و بين المحبة المزيفة المزعومة، فإن المحبة الصادقة تقتضي تحقيق المتابعة لرسول الله وموافقته في ما يحب وما يكره ، فمن أحب الرسول محبة صادقة من قلبه وجب عليه أن يحب بقلبه ما يحبه الرسول ويكره ما يكرهه ، أما من ادعى المحبة ثم هو مخالف للهدي النبوي في واقع حياته فهو كاذب فيما ادعاه :
إذا لو كان حبك صادقا لأطعته******إن المحب لمن يحب مطيع
فالمحبة الحقة للنبي تستلزم كمال الطاعة له ، والرضا بحكمه ، والتسليم لأمره ، وإيثاره على ما سواه ، قال سبحانه وتعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " [النساء 65] . وإن تعجب فعجب أن يدعي أقوام محبة النبي ثم هم يطئون شريعته بأقدامهم ضاربين بتوجهاته صلى الله عليه وسلم عرض الحائط ، نماذج ذلك في واقعنا كثيرة. [انظرها في خطبة محبة النبي في صفحة الخطب على موقعنا].
سابعا:   اتباعه  صلى الله عليه وسلم مأمن من العذاب
ولنعلم أننا إذا اتبعنا سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم - أيْ سرنا وفق منهج الله – فقد حققنا الهدف من وجودنا ، وأمنا أنفسنا من عذاب الله تعالى عاجلا وآجلا ، لقول الله تعالى: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ "[سورة الأنفال: 33] . قال علماء التفسير: أنت فيهم في حياتك، وسُنَّتك قائمةٌ فيهم بعد مماتك، فإذا كانت سُنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبَّقةً في بيتك، مطبَّقةً في عملك ، مطبَّقةً في حركاتك وسكناتك ، في أفراحك وأتراحك ، فأنت في مأمن من عذاب الله عزَّ وجل.
هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ        لِكلِّ هَــــــوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَـــــمِ
دَعا إلى اللهِ فالمُسْتَمْسِكُـــونَ بِهِ        مُسْتَمْسِكُونَ بِحَبْلٍ غيرِ مُنْفَصِــــمِ

ثامنا:   إحياء مولده  صلى الله عليه وسلم يكمن في التحلي بأخلاقه
وفي الختام : كثير من يتحدث ويتهيأ للاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم ، والحقيقة التي ينبغي أن نعلمها ، هي :  أننا إذا كنا نريد إحياء مولده صلى الله عليه وسلم إحياء واحتفاء ننال به الرضا من ربنا ، والشفاعة من نبينا، فعلينا أن نحيي أخلاقه صلى الله عليه وسلم بيننا ، في واقع حياتنا ، في بيوتنا ، في مساجدنا ، في أسواقنا ، في أداء وظائفنا........سئل صلى الله عليه وسلم "من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: أحسنهم أخلاقاً " [الطبراني]. وقال صلى الله عليه وسلم" خير ما أعطي الرجل المؤمن خُلُقٌ حسن"[ الطبراني].
فالأخلاق الفاضلة نعمة عظيمة ، ولها تأثير بالغ في النفوس ، ولأجل ذلك مدح الله نبيه بما كان عليه من الخصال الحميدة ، فقال جل ثناؤه:"وإنك لعلى خلق عظيم" [القلم 4]. وبتلك الأخلاق السامية استطاع  صلى الله عليه وسلم   أن يملك قلوب الناس ، فأتوا إلى دعوته مذعنين ، طائعين غير مكرهين.
وفقني الله وإياكم لاتباع نبيه صلى الله عليه وسلم  والتمسك سنته والتحلي بأخلاقه.
 وجعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.




[1] راجع : في  ظلال القرآن . لسيد قطب إبراهيم حسين الشاربي ( المتوفى: 1385هـ) نشر: دار الشروق - بيروت- القاهرة . الطبعة : 17 / 1412 هـ / مج 5 / ص91
[2]  أخرجه البخاري رقم 6632
[3] أخرجه البخاري رقم 15    

الأحد، 28 ديسمبر 2014

مسالك النجاة المسلك الثالث: " عدم الرضا بالطاعة وعدم التعيير بالمعصية

المسلك الثالث:
" عدم الرضا بالطاعة وعدم التعيير بالمعصية "
محامد
الحمد لله الذي سهل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلا ، وأوضح لهم طرق الهداية وجعل اتباع الرسول عليها دليلا ، واتخذهم عبيدا له فأقروا له بالعبودية ولم يتخذوا من دونه وكيلا ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة نشهد بها مع الشاهدين ، و ندخرها عند الله عدة ليوم الدين ، واشهد أن الحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه، وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور ، واشهد أن محمدا عبده المصطفى ، ونبيه المرتضى  ، ورسوله الصادق المصدوق ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، أرسله رحمة للعالمين وحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، صلاة دائمة بدوام السموات والأرضين، مقيمة عليهم أبدا لا تروم انتقالا عنهم ولا تحويلا.
"  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (آل عمران102)
مقدمة 
أيها الإخوة الكرام : قد تكلمنا فيما  سبق عن مسلك المحاسبة ، فبينا حقيقتها وأقسامها ودلائلها...... وسنتحدث اليوم عن مسلك آخر من مسالك النجاة ، وهـــو: " عدم الرضا بالطاعة وعدم التعيير بالمعصية " قال ابن القيم في مدارج السالكين نقلا عن صاحب المنازل أبي علي الهروي :
" اعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك ، وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك "
 هذه الحقيقة عدها ابن القيم أحد أركان المحاسبة ، وهذا يعني أن المحاسبة لا تقوم إلا بها ؛ لأن الركن هو: "ما لا وجود لذات الشيء إلا به".
أولا : المراد بقوله " اعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك ............ "
يعني أن العبد إذا رضي بطاعته - واعتقد أنه قد أداها على الوجه الأكمل كما يليق بمقام ذي الجلال والإكرام – فإنه بذلك يصيرها معصية ، فتكون وبالا وحسرة عليه ؛ لأن الرضا بالطاعة يؤدي إلى العجب والكبر والاستعلاء، وهو أكبر من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف اتفاقا... قال الله تعالى: " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" [النجم:32]، وفي الحديث : " ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" [أخرجه البيهقي في الشعب6865]. وقيل لعائشة رضي الله عنها متى يكون الرجل مسيئا ً؟ قالت: "إذا ظن أنه محسن".
فعلى طالب النجاة أن يتهم نفسه – دائما - بالتقصير ويسئ الظن بها ، وأن يكون على وجل من عدم قبول الطاعة ، وقد روي عن عمر أنه قال  "يا ليت أن الله تقبل مني مثقال ذرة ؛ فإن الله يقول: "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ "[المائدة27].
فلا يرضى بطاعته إلا جاهل بنفسه وآفاتها وعيوبها ، و لا يدعي الكمال في الطاعة إلا جاهل بمقام ربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به جل جلاله.
ولهذا تجد العارفين بالله يكثرون من الاستغفار بعد الطاعات ؛ لأنهم يدركون تقصيرهم فيها ، وأنهم لم يقوموا لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه ، قال تعالى "والمستغفرين بالأسحار " قال الحسن في تفسيرها : "مدوا الصلاة إلى السحر ، ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل". يعني بعد القيام. وقد جاء الأمر بالاستغفار بعد أداء الطاعات ، فمن ذلك :
-   قوله تعالى:" ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم"  فهو أمر بالاستغفار بعد الإفاضة من عرفات ، أي بعد أداء أعظم ركن وهو والوقوف بعرفة.
-   وفي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم-: "كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا ، ثم قال : اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"  [رواه البخاري] .
-   ومن الأدعية المأثورة بعد أداء الوضوء: " سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين" [الترمذي رقم55]
وقال بعض العارفين : "متى رضيت نفسك وعملك لله ، فاعلم أنه غير راض به ، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر ، وعمله عرضة لكل آفة ونقص ، كيف يرضى لله نفسه وعمله"
وينبغي أن ننبه إلى أمر هام : وهو : أن الرضا بالطاعة والعجب بالعمل ....لا يعني أن العبد لا يفرح بتوفيق الله له لطاعته ، وإدراك نعمة الله تعالى بأداء الطاعة التي يترتب عليها رضا الله تعالى، ونيل ثوابه ، والدخول في ديوان الصالحين.....وفي الحديث " :من عمل حسنة فسر بها ، وعمل سيئة فساءته ، فهو مؤمن " .  [ رواه الهيثمي  في مجمع الزوائد رقم  285 ]. فالفرح بالطاعة أمر ممدوح ، أما الرضا بالطاعة – كما بينا - فهو مذموم.
والخلاصة :
 أن مريد النجاة لنفسه ينبغي ألا يرضى بطاعته مهما عظم شأنها ، بل عليه أن يستغفر الله بعدها ؛ لأنه مهما عظمت طاعته فلن ترقى لئن تليق بجلال الله جل جلاله ؛ ولأنه إذا رضي بطاعته دخله العجب والغرور والاستعلاء..وإذا حدث له ذلك كان من الهالكين.   
ثانيا : المراد بقوله " اعرف أن ...... كل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك"
هذه الحقيقة تحتمل أحد أمرين:
الأول: إما أن المعصية التي تعير بها أخاك - كأن تقول له يا نمام أو يا زاني ونحوهما..- فلا بد أن تصير تلك المعصية إليك ، أي لا بد أن تعملها ، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه وسلم :                   "منْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ, لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ ". والتعيير بالذنب فيه نوع خفى من إظهار الشماتة ، وفي الحديث:" لَا تُظْهِرَنَّ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ ". [الأصبهاني في الأمثال رقم 175]
والثاني: أن تعييرك لأخيك بذنبه هو أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته  ؛ لما فيه من الإعجاب  بالطاعة ، فكأنك  بذلك تزكي نفسك وتدعي البراءة من الذنوب ... ولعل أخاك - الذي تعيره بالذنب – تاب وانكسر بذنبه وتذلل لله وأنت لا تدري. ومن حكم ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى:
"رب معصية أورثت ذُلاً وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا"
 وكلام ابن عطاء الله يتفق تماما مع ما قاله ابن القيم رحمه تعالى:
 ".....إن الذنب الذي تَذِلُّ به لله عز وجل ، أحب إليه من طاعة تمُنُّ بها عليه سبحانه ، فإنك إن تبيت نائمًا وتصبح نادمًا ، خير من أن تبيت قائمًا وتصبح معجبًا، فإن المعجب لا يصعد له عمل ، وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مُدِل [ أي مفتخر من الإدلال وهو الفخر والتيه] وأنين المذنبين أحب إلى الله عز وجل من زَجَل [صوت]المسَبِّحين المدِلِّين".
والخلاصة:
أنه لا ينبغي للعبد أن يزكي نفسه و لا أن يزدري غيره ؛ فلا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل ، وقد قال الله تعالى - لأعلم الخلق به وأقربهم إليه وسيلة - :" ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ".
بل على طالب النجاة أن يسيء الظن بنفسه ؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش عن عيوب النفس ، وقد يلبس على العبد فيرى مساوئه محاسن ، وعيوبه كمالا ، كما قال الشاعر:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
يعني أنه متى كان العبد راض عن نفسه فلن يرى عيوبها أبدا ...فلزمه أن يسيء الظن بنفسه ؛ ليكتشف عيوبها وآفاتها؛ فيندفع لإصلاحها.

وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.