......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الاثنين، 29 ديسمبر 2014

وقفات مع ذكرى المولد النبوي الشريــف


محامد
الحمد لله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين ، وأكرمنا بهذه الشريعة الإسلامية الواضحة الغراء  ،  القائمة على أساس جلب المصالح و درء المفاسد ، فمن اتبع هداها نال سعادة الدنيا والآخرة ، و من جحدها وكفر بها حشر في زمرة الأشقياء الجاهلين ، والكفرة الفاجرين .والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والمرسلين ، وسيد الأولين والآخرين ، محمد بن عبد الله أكرم الرسل ، وأفضل البشر ، وأول العظماء الخالدين ،  صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين ، وصحابته أجمعين ، ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين .
مقدمة

 أيها الأخوة الكرام... قال حسان بن ثابت في مدح خير البرية :
وأحسن منك لم تر قــــــــط عيني        وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مــــــبرأ ً مـن كــــل عيــب         كأنك قد خلقت كما تـشاء
في هذه الأيام المباركات نستقل ذكرى مولد الحبيب محمد  صلى الله عليه وسلَّم ، الذي  حرر العباد من قيود العبودية لغير الله ، ونشر الرحمة في النفوس ، وزرع المحبة في القلوب ،  ونزع الضغائن والأحقاد من الصدور، ونصر الضعفاء ، وسود العبيد ، وأكرم كريم كل قوم ، إلا من أبى وتولى ، وألف بين القبائل المتناحرة ، والجماعات المتنافرة ، وكون من تك الطوائف المتدارئة أمة عظيمة ، أضحت خير الأمم على الإطلاق ، كما قال تعالى : " كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ..." [ آل عمران 110 ] واستطاع في وقت قصير أن يعيد للإنسانية كرامتها التي انسلخت عنها دهرا طويلا ، وينقذ البشرية من تلك الأوضاع السيئة المؤلمة ، وينقلها نقلة بعيد المدى إلى مستويات رفيعة من الأدب والتقى.
إنه الحبيب محمد الذي كلفه ربه بتبديد الظلمات التي أحاطت بالناس في مختلف مناحي حياتهم،  " الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ .. "[ إبراهيم 2 ] وخاطبه ربه بقوله : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا" [الأحزاب46]  وصفه بالسراج المنير الذي "يجلو الظلمات ، ويكشف الشبهات ، وينير الطريق ، نوراً هادئاً هادياً كالسراج المنير في الظلمات ، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم   وما جاء به من النور[1] "                     
 يا خـير من دُفِنَتْ بالقاعِ أعظُمُــهُ       فطـــــاب من طيبِهِنَّ القاعُ والأكَمُ
 نـفسي الفــــــداء لقبٍر أنت سـاكِـنُه       فيه الـعــفافُ وفيه الجودُ والـكرمُ
أنت الشفيعُ الذي تُرجى شفاعَتـــُهُ        عِندَ الـصراطِ إذا مـا زلَّت القـــدمُ
أيها الإخوة الكرام : بهذه المناسبة الطيبة ، نقف وقفات مختصرات مع بيان الحقائق الآتية:
أولا:   كونه  صلى الله عليه وسلم  من  أعظم  النعم على الإطلاق
فقد امتن الله به على العباد قاطبة ، فقال الله تعالى:" لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ "[آل عمران:164]، فمحمد صلى الله عليه وسلم  من أعظم النعم وأجلها قدرا ، به أخرجنا الله من الظلمات إلى النور ، ومن الضلالة إلى الهداية ..فلولاه ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا...

محمد طـــــــــــــابـت الدنيــا ببعـثـــــــــتـه             محمد جـــــــــــاء بالآيــات والحكــــــــم

محمد يوم بعث الناس شافعنا            محمد نـوره الهادي من الظلم

محمد ذكــــــــره روح لأنفســـــــنا            محمد شكره فرض على الأمــم

ثانيا:   الفرح   به صلى الله عليه وسلم  مطلب شرعي
لقول الله تعالى:" قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ "[يونس:58]، فيدخل في عموم هذا النص الفرح بمولده وبعثته ودينه وسنته ....... ؛ وكيف لا يفرح المؤمنون بمولد سيد الكائنات الذي  بدت تباشير الفرح على هذا الكون كله بولادته صلى الله عليه وسلم ، وأشرقت أنوار الرحمة ببعثته ، وانتشرت السعادة في الكون بدعوته .......

وُلِــدَ الهُــدى فَالكائِناتُ ضِــــيــاءُ         وَفَمُ الزَمـــــانِ تَبَسُّــمٌ وَثَــــــنــاءُ
الروحُ وَالمَــلَأُ المَلائِكُ حَـــــــولَهُ         لِلـــدينِ وَالــدُنيــا بِهِ بُشَـــــــــــــراءُ

ثالثا:   العلم  بسيرته  صلى الله عليه وسلم  واجب
فيجب أن نعتقد جميعاً بأن معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم   فرضُ عينٍ على كل مسلم ، وكونها فرض عين يعني أنه لا يُعفى مسلمٌ كائناً مَنْ كان مِن معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم  ، لقول الله تعالى: " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً"[ سورة الأحزاب: 21] . ووجه الاستدلال : أن  التأسي به واجب ، ولن يكون لك النبي صلى الله عليه وسلم  أسوة حسنة حتى تعرف سيرته :  مواقفه.. وشجاعته.. ورحمته.. وعدله.. وعلاقته بأزواجه..وعلاقته بإخوانه.. وعلاقته بجيرانه... فكيف تتخذ النبي أسوةً وقدوةً ومثلاً أعلى إن لم تعرف سيرته ومواقفه؟
رابعا:   اتباعه  صلى الله عليه وسلم  دليل على محبة الله تعالى
كلنا ندعي محبة الله تعالى ، لكن هذه دعوة تحتاج إلى دليل، وقد كَثُر المُدَّعون ، والدليل على محبة الله تعالى اتباع سنة النبي، قال تعالى: " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ "[سورة آل عمران: 31] . فلا دعوى إلا بدليل، ودعوى محبة الله دعوى عريضة يدَّعيها كل إنسان، ولكن الفَيْصَل الدقيق، والبرهان الساطع هو: اتباع سُنة النبي صلى الله عليه وسلم  ، فإيَّاك أن توهِم نفسك أنك محبٌ لله وأنت لا تتبع سُنَّة رسول الله ، وإياك أن تتوهَّم أن الله يحبك وأنت لا تتبع سنة رسول الله..
خامسا:   أعظم محبوب بعد الله هو محمد  صلى الله عليه وسلم
وأعظم محبوب بعد الله تعالى هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعلت محبته فوق محبة النفس و المال والوالد و الولد ... جاء في حديث عمر بن الخطاب أنه قال للنبي : يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي : "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" فقال له عمر: فإنك الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي : "الآن يا عمر" [2] أي الآن حققت المحبة الحقيقية وبلغت حقيقة الإيمان. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين"[3] فلا أحد يبلغ حقيقة الإيمان حتى يحب النبي أكثر من نفسه والديه و أولاده وأمواله والناس أجمعين.............
سادسا:   محبته صلى الله عليه وسلم تكمن في اتباعه
والسؤال الذي واجهنا في هذا الصدد: أين تلك المحبة في قلوب المسلمين والمسلمات اليوم ؟ فشتان بين المحبة الصادقة و بين المحبة المزيفة المزعومة، فإن المحبة الصادقة تقتضي تحقيق المتابعة لرسول الله وموافقته في ما يحب وما يكره ، فمن أحب الرسول محبة صادقة من قلبه وجب عليه أن يحب بقلبه ما يحبه الرسول ويكره ما يكرهه ، أما من ادعى المحبة ثم هو مخالف للهدي النبوي في واقع حياته فهو كاذب فيما ادعاه :
إذا لو كان حبك صادقا لأطعته******إن المحب لمن يحب مطيع
فالمحبة الحقة للنبي تستلزم كمال الطاعة له ، والرضا بحكمه ، والتسليم لأمره ، وإيثاره على ما سواه ، قال سبحانه وتعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " [النساء 65] . وإن تعجب فعجب أن يدعي أقوام محبة النبي ثم هم يطئون شريعته بأقدامهم ضاربين بتوجهاته صلى الله عليه وسلم عرض الحائط ، نماذج ذلك في واقعنا كثيرة. [انظرها في خطبة محبة النبي في صفحة الخطب على موقعنا].
سابعا:   اتباعه  صلى الله عليه وسلم مأمن من العذاب
ولنعلم أننا إذا اتبعنا سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم - أيْ سرنا وفق منهج الله – فقد حققنا الهدف من وجودنا ، وأمنا أنفسنا من عذاب الله تعالى عاجلا وآجلا ، لقول الله تعالى: " وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ "[سورة الأنفال: 33] . قال علماء التفسير: أنت فيهم في حياتك، وسُنَّتك قائمةٌ فيهم بعد مماتك، فإذا كانت سُنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبَّقةً في بيتك، مطبَّقةً في عملك ، مطبَّقةً في حركاتك وسكناتك ، في أفراحك وأتراحك ، فأنت في مأمن من عذاب الله عزَّ وجل.
هُوَ الحَبيبُ الذي تُرْجَى شَفَاعَتُهُ        لِكلِّ هَــــــوْلٍ مِنَ الأهوالِ مُقْتَحَـــــمِ
دَعا إلى اللهِ فالمُسْتَمْسِكُـــونَ بِهِ        مُسْتَمْسِكُونَ بِحَبْلٍ غيرِ مُنْفَصِــــمِ

ثامنا:   إحياء مولده  صلى الله عليه وسلم يكمن في التحلي بأخلاقه
وفي الختام : كثير من يتحدث ويتهيأ للاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم ، والحقيقة التي ينبغي أن نعلمها ، هي :  أننا إذا كنا نريد إحياء مولده صلى الله عليه وسلم إحياء واحتفاء ننال به الرضا من ربنا ، والشفاعة من نبينا، فعلينا أن نحيي أخلاقه صلى الله عليه وسلم بيننا ، في واقع حياتنا ، في بيوتنا ، في مساجدنا ، في أسواقنا ، في أداء وظائفنا........سئل صلى الله عليه وسلم "من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: أحسنهم أخلاقاً " [الطبراني]. وقال صلى الله عليه وسلم" خير ما أعطي الرجل المؤمن خُلُقٌ حسن"[ الطبراني].
فالأخلاق الفاضلة نعمة عظيمة ، ولها تأثير بالغ في النفوس ، ولأجل ذلك مدح الله نبيه بما كان عليه من الخصال الحميدة ، فقال جل ثناؤه:"وإنك لعلى خلق عظيم" [القلم 4]. وبتلك الأخلاق السامية استطاع  صلى الله عليه وسلم   أن يملك قلوب الناس ، فأتوا إلى دعوته مذعنين ، طائعين غير مكرهين.
وفقني الله وإياكم لاتباع نبيه صلى الله عليه وسلم  والتمسك سنته والتحلي بأخلاقه.
 وجعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.




[1] راجع : في  ظلال القرآن . لسيد قطب إبراهيم حسين الشاربي ( المتوفى: 1385هـ) نشر: دار الشروق - بيروت- القاهرة . الطبعة : 17 / 1412 هـ / مج 5 / ص91
[2]  أخرجه البخاري رقم 6632
[3] أخرجه البخاري رقم 15    

الأحد، 28 ديسمبر 2014

مسالك النجاة المسلك الثالث: " عدم الرضا بالطاعة وعدم التعيير بالمعصية

المسلك الثالث:
" عدم الرضا بالطاعة وعدم التعيير بالمعصية "
محامد
الحمد لله الذي سهل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلا ، وأوضح لهم طرق الهداية وجعل اتباع الرسول عليها دليلا ، واتخذهم عبيدا له فأقروا له بالعبودية ولم يتخذوا من دونه وكيلا ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة نشهد بها مع الشاهدين ، و ندخرها عند الله عدة ليوم الدين ، واشهد أن الحلال ما حلله والحرام ما حرمه والدين ما شرعه، وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور ، واشهد أن محمدا عبده المصطفى ، ونبيه المرتضى  ، ورسوله الصادق المصدوق ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، أرسله رحمة للعالمين وحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، صلاة دائمة بدوام السموات والأرضين، مقيمة عليهم أبدا لا تروم انتقالا عنهم ولا تحويلا.
"  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (آل عمران102)
مقدمة 
أيها الإخوة الكرام : قد تكلمنا فيما  سبق عن مسلك المحاسبة ، فبينا حقيقتها وأقسامها ودلائلها...... وسنتحدث اليوم عن مسلك آخر من مسالك النجاة ، وهـــو: " عدم الرضا بالطاعة وعدم التعيير بالمعصية " قال ابن القيم في مدارج السالكين نقلا عن صاحب المنازل أبي علي الهروي :
" اعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك ، وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك "
 هذه الحقيقة عدها ابن القيم أحد أركان المحاسبة ، وهذا يعني أن المحاسبة لا تقوم إلا بها ؛ لأن الركن هو: "ما لا وجود لذات الشيء إلا به".
أولا : المراد بقوله " اعرف أن كل طاعة رضيتها منك فهي عليك ............ "
يعني أن العبد إذا رضي بطاعته - واعتقد أنه قد أداها على الوجه الأكمل كما يليق بمقام ذي الجلال والإكرام – فإنه بذلك يصيرها معصية ، فتكون وبالا وحسرة عليه ؛ لأن الرضا بالطاعة يؤدي إلى العجب والكبر والاستعلاء، وهو أكبر من الزنا وشرب الخمر والفرار من الزحف اتفاقا... قال الله تعالى: " فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى" [النجم:32]، وفي الحديث : " ثلاث مهلكات شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه" [أخرجه البيهقي في الشعب6865]. وقيل لعائشة رضي الله عنها متى يكون الرجل مسيئا ً؟ قالت: "إذا ظن أنه محسن".
فعلى طالب النجاة أن يتهم نفسه – دائما - بالتقصير ويسئ الظن بها ، وأن يكون على وجل من عدم قبول الطاعة ، وقد روي عن عمر أنه قال  "يا ليت أن الله تقبل مني مثقال ذرة ؛ فإن الله يقول: "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ "[المائدة27].
فلا يرضى بطاعته إلا جاهل بنفسه وآفاتها وعيوبها ، و لا يدعي الكمال في الطاعة إلا جاهل بمقام ربه وحقوقه وما ينبغي أن يعامل به جل جلاله.
ولهذا تجد العارفين بالله يكثرون من الاستغفار بعد الطاعات ؛ لأنهم يدركون تقصيرهم فيها ، وأنهم لم يقوموا لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه ، قال تعالى "والمستغفرين بالأسحار " قال الحسن في تفسيرها : "مدوا الصلاة إلى السحر ، ثم جلسوا يستغفرون الله عز وجل". يعني بعد القيام. وقد جاء الأمر بالاستغفار بعد أداء الطاعات ، فمن ذلك :
-   قوله تعالى:" ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم"  فهو أمر بالاستغفار بعد الإفاضة من عرفات ، أي بعد أداء أعظم ركن وهو والوقوف بعرفة.
-   وفي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم-: "كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثا ، ثم قال : اللهم أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام"  [رواه البخاري] .
-   ومن الأدعية المأثورة بعد أداء الوضوء: " سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك ، اللهم اجعلني من التوابين ، واجعلني من المتطهرين" [الترمذي رقم55]
وقال بعض العارفين : "متى رضيت نفسك وعملك لله ، فاعلم أنه غير راض به ، ومن عرف أن نفسه مأوى كل عيب وشر ، وعمله عرضة لكل آفة ونقص ، كيف يرضى لله نفسه وعمله"
وينبغي أن ننبه إلى أمر هام : وهو : أن الرضا بالطاعة والعجب بالعمل ....لا يعني أن العبد لا يفرح بتوفيق الله له لطاعته ، وإدراك نعمة الله تعالى بأداء الطاعة التي يترتب عليها رضا الله تعالى، ونيل ثوابه ، والدخول في ديوان الصالحين.....وفي الحديث " :من عمل حسنة فسر بها ، وعمل سيئة فساءته ، فهو مؤمن " .  [ رواه الهيثمي  في مجمع الزوائد رقم  285 ]. فالفرح بالطاعة أمر ممدوح ، أما الرضا بالطاعة – كما بينا - فهو مذموم.
والخلاصة :
 أن مريد النجاة لنفسه ينبغي ألا يرضى بطاعته مهما عظم شأنها ، بل عليه أن يستغفر الله بعدها ؛ لأنه مهما عظمت طاعته فلن ترقى لئن تليق بجلال الله جل جلاله ؛ ولأنه إذا رضي بطاعته دخله العجب والغرور والاستعلاء..وإذا حدث له ذلك كان من الهالكين.   
ثانيا : المراد بقوله " اعرف أن ...... كل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك"
هذه الحقيقة تحتمل أحد أمرين:
الأول: إما أن المعصية التي تعير بها أخاك - كأن تقول له يا نمام أو يا زاني ونحوهما..- فلا بد أن تصير تلك المعصية إليك ، أي لا بد أن تعملها ، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه وسلم :                   "منْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ, لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ ". والتعيير بالذنب فيه نوع خفى من إظهار الشماتة ، وفي الحديث:" لَا تُظْهِرَنَّ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيُعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ ". [الأصبهاني في الأمثال رقم 175]
والثاني: أن تعييرك لأخيك بذنبه هو أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته  ؛ لما فيه من الإعجاب  بالطاعة ، فكأنك  بذلك تزكي نفسك وتدعي البراءة من الذنوب ... ولعل أخاك - الذي تعيره بالذنب – تاب وانكسر بذنبه وتذلل لله وأنت لا تدري. ومن حكم ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى:
"رب معصية أورثت ذُلاً وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا"
 وكلام ابن عطاء الله يتفق تماما مع ما قاله ابن القيم رحمه تعالى:
 ".....إن الذنب الذي تَذِلُّ به لله عز وجل ، أحب إليه من طاعة تمُنُّ بها عليه سبحانه ، فإنك إن تبيت نائمًا وتصبح نادمًا ، خير من أن تبيت قائمًا وتصبح معجبًا، فإن المعجب لا يصعد له عمل ، وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مُدِل [ أي مفتخر من الإدلال وهو الفخر والتيه] وأنين المذنبين أحب إلى الله عز وجل من زَجَل [صوت]المسَبِّحين المدِلِّين".
والخلاصة:
أنه لا ينبغي للعبد أن يزكي نفسه و لا أن يزدري غيره ؛ فلا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل ، وقد قال الله تعالى - لأعلم الخلق به وأقربهم إليه وسيلة - :" ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ".
بل على طالب النجاة أن يسيء الظن بنفسه ؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش عن عيوب النفس ، وقد يلبس على العبد فيرى مساوئه محاسن ، وعيوبه كمالا ، كما قال الشاعر:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
يعني أنه متى كان العبد راض عن نفسه فلن يرى عيوبها أبدا ...فلزمه أن يسيء الظن بنفسه ؛ ليكتشف عيوبها وآفاتها؛ فيندفع لإصلاحها.

وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
 وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



الجمعة، 26 ديسمبر 2014

خصائص الجمعة ومقاصدها

محامد
الحمد لله حق حمده ، والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد /
تمهيد
أيها الإخـــوة : إن عيد الأسبوع لأهل الإسلام هو يوم الجمعة ، الذي كرم الله به هذه الأمة بعد أن أضل عنه اليهود والنصارى، وعلى الرغم من عظمة يوم الجمعة إلا أن كثيرا من المسلمين - وللأسف الشديد -  قد جعلوه يوم تكاسل و نوم طويل.. أو نزهة ورحلة..أو تجول في الأسواق أو عكوف على الأعمال المنزلية ونحو ذلك .. وغفلوا عن مقاصد هذا اليوم ومقداره العظيم ، ففاتهم بذلك الثواب الكثير والخير العميم ،  فكان لابد من وقفة موجزة نتعرف من خلالها على خصائص هذا اليوم ومقاصده العظام ؛ عسى الله أن وفقنا إلى حسن استغلاله في العبادة والطاعة وكثرة الذكر والدعاء والصلاة على خير الأنام عليه  أفصل الصلاة والسلام
أولا : خصائص الجمعة
 خصائص الجمعة و فضائلها كثيرة ، أوصلها ابن القيم إلى ثلاثين ، وحسبنا منها في هذا المقام ست، وهـــــــــــــــــــي:
1-  أن الله أوجب الاجتماع فيه للعبادة
فلا تصح صلاة الجمعة إلا بالجماعة والخطبتين ، قال تعالى : " يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ". و قوله تعالى : "فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ" فسره أهل العلم بثلاثة معـــــان :
أولـها : أن السعي هو القصد: وفي ذلك يقول  الحسن البصري:"والله ما هو بسعي على الأقدام ولكنه سعي بالقلوب والنية".
 الثاني: أن السعي  هو العمل:  ويؤيده قوله تعالى : "وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ" ، وقوله : "وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى" وهذا قول جمهور العلماء. [انظر:جامع أحكام القرآن للقرطبي ج18 / ص 102]
الثالث: أن المراد به السعي على الأقدام. ويؤيده ما جاء في صحيح البخاري : أن أبا عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ واسمه عبد الرحمن وكان من كبار الصحابة - مشى إلى الجمعة راجلا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار".
و لا مانع من أن يكون السعي شاملا للأنواع الثلاثة [ القصد والعمل والمشي ]
وقد أجمعت الأمة سلفا وخلفا على وجوب السعي لصلاة الجمعة ، بدليل الأمر" فاسعوا" فهو للإيجاب ، وحذرت السنة من التهاون بها أو الاشتغال عنها يغير عذر ، من ذلك :
1- قوله صلى الله عليه وسلم: " لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين " (أخرجه مُسلم) .
2- قوله صلى الله عليه وسلم: " من ترك ثلاث جُمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه " (صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي مسنديهما ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة) .

2 - أنه يوم المــزيد
 ففيه يتجلى الحميد المجيد  للمؤمنين في جنات النعيم ، قال تعالى "لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد" كقوله تعالى: " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ " وقد فسر [المزيد وَالزِيَادَةٌ] بأنهما النظر إلى وجه الله الكريم ، وأن ذلك يكون يوم الجمعة ، فقد روى الإمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعًا عن أنس بن مالك في حديث طويل وفيه : أن جبريل عليه السلام" أتى ...... بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله ، فقال عليه  أفصل الصلاة والسلام: "ما هذه؟" فقال: هذه الجمعة، فُضّلتَ بها أنت وأمتك......... وهو عندنا يوم المزيد................".
وهذا يدل على أن يوم الجمعة قد عظمه الله ، فينبغي أن نعظم ما عظم الله "ذالِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ"
3-  أنه خـير الأيــــام
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن يوم الجمعة  أفضل من يوم عرفه؛  لقوله صلى الله عليه وسلم: "خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة " [رواه مسلم].  وقال عليه  أفصل الصلاة والسلام: " إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خُلِق آدم ، وفيه قُبض، وفيه النفَّخة، وفيه الصَّعقة ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " [رواه أحمد].
فأكثروا – أيها المؤمنون - فيه من الصلاة على الحبيب محمد علي أفضل الصلاة والسلام
4-  أنه يوم تكفير السيئات وإجابة الدعوات
فعن سلمان أن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:" لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من طُهر، ويَدّهِنُ من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كُتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام، إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " [رواه البخاري]. وفي لفظ الإمام مسلم:".......وفضل ثلاثة أيام ".
وقال عليه  أفصل الصلاة والسلام: " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم ، وهو قائم يُصلي يسأل الله - تعالى - شيئاً إلا أعطاه إياه " [رواه البخاري ومسلم].
فهذه فرصة عظيمة لا يحرم خيرها إلا شقي....
5- أن الوفاة يوم الجمعة أو ليلتها من علامات حسن الخاتمة
قال صلى الله عليه وسلم:"من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة أجير من عذاب القبر وجاء يوم القيامة وعليه طابع الشهداء" (رواه أبو نعيم فى الحلية عن جابر) و في رواية:"....وجرى له عمله" (الشيرازى فى الألقاب عن ابن عمر). وفي رواية "....ختم بخاتم الإيمان" [كنز العمال 38291]
وهذا يتطلب منا الحرص على أعمال الجمعة وتحصيل فضائلها ؛ لأن من عاش على شيء مات عليه..والجزاء من جنس العمل.
6- التبكير إلى الصلاة واستثمار الأوقات في الطاعات
وهذا الأمر قد تهاون به كثير من الناس ، حتى أن بعضهم لا ينهض من فراشه ، أو لا يخرج من بيته إلا بعد صعود الخطيب على المنبر ، وآخرون قبل دخول الخطيب بدقائق ، وقد ورد في الحث على التبكير والعناية به أحاديث كثيرة منها:
قوله صلى الله عليه و سلم قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ، و من راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، و من راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ، و من راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، و من راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " (أخرجه الشَّيْخَانِ).
قال ابن القيم في توجيه اختصاص الجمعة بذلك : "أنه لما كان – أي يوم الجمعة - في الأسبوع كالعيد في العام ، و كان العيد مشتملاً علي صلاة و قربان ، و كان يوم الجمعة يومَ صلاة ، فجعل الله سبحانه التعجيل فيه إلي المسجد بدلاً من القربان و قائماً مقامه ، فيجتمع للرائح فيه إلي المسجد الصلاة و القربان" .
و قد اختلف الفقهاء في هذه الساعة علي ثلاثة أقوال ، ذكرها النووي في شرح المهذب، وهـــــي:
الأول: [من طلوع الفجر].   والثاني: [من طلوع الشمس].   والثالث: [أن الساعات هنا لحظات لطيفة بعد الزوال] و هذا الأخير هو مذهب مالك .
وكما يندب التقدم في الزمان يندب التقدم في المكان ؛ فيدنو من الإمام ومن الصف الأول ولا يتأخر، فهناك بعض الإخوة يأتون مبكرين للمسجد ، لكنهم يصلون في مؤخرة المسجد وهذا خلاف السنة ، بل السنة أن يتقدموا ويكملوا الصف الأول فالأول ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « تقدموا وائتموا بي وليأتم بكم من وراءكم لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله » ( رواه مسلم ) .
والأدهى من ذلك  والأمر أن يأتي بعضهم مبكرين للمسجد ، وبدل أن يستثمروا أوقاتهم في التلاوة أو الذكر والدعاء أو التنفل....... تجدهم منشغلين بأحاديث الدنيا ، أولائك هم المحرومون حقا ، يضيعون أعمارهم و يهدرون أوقاتهم فيما لا فائدة فيه ، وبدل أن يستغلوا هذا الوقت في اكتساب الحسنات استغلوا في كسب السيئات ، ولسوف يندمون على ذلك ، ففي الحديث :" ليس يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم ولم يذكروا الله فيها " [رواه الطبراني ، والبيهقي ]  وذلك لأنهم يرون ما يعطون في ساعات الذكر من الأجور فيأسفون على ما فاتهم من الساعات بغير ذكر الله ، والذكر- هنا -  يعم الطاعات جميعاً....................... وقال سعيد بن المسيّب: "من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، فحقه ألا يقول إلا خيرا".

ثانيا: مقاصد الجمعة
والمراد بالمقاصد: الغايات والحكم التي شرعت  الأحكام من أجلها ؛ جلبا للمصلحة ودرءا للمفسدة ،  وقد أجمع العلماء أن الشارع الحكيم لا يشرع حكما إلا لمصلحة عائدة إلى العباد في دنياهم وأخراهم ، ومن ذلك : مشروعية الجمعة ، فقد شرعت لمقاصـــــد وغايات شتى ، نذكر منها:                                                                                                                                           
1-  الاجتماع
فاجتماع المسلمين ووحدتهم من أهم المقاصد التي حرص الإسلام على تحقيقها ؛ لذلك شرع عدة مناسبات للتلاقي ، من أجل أن يحصل الاجتماع بين المسلمين ، وبالاجتماع تحقق الوحدة والأخوة  وتفشو المودة بينهم فيكونون محل رعاية الله ورضوانه..... ومن تلك الوسائل: يوم الجمعة ، الذي جعله الله يوم عيد للمسلمين، كما قال صلى الله عليه وسلم :"إن هذا يوم عيد، جعله الله للمسلمين[ابن ماجة]  .ولترسيخ مقصد الاجتماع والوحدة في الجمعة فرضت - فيها-  الصلاة جمــــــاعة ، وجعلت الخطبتان من أركانها فلا تصح بدونهما، وفرض فيهما الاستماع إلى الخطيب "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون.." 

2- التواصل و التآلف
ويوم الجمعة يوم تواصل بين المسلمين، فكثير من الناس لا يرى بعضهم بعضًا إلا يوم الجمعة ، إذ الذهاب إلى المسجد واجب، فيلتقي المسلمون في المسجد للاستماع وصلاة الجمعة، وبعدها يتلاقون فيما بينهم ، ويسلم بعضهم على بعض، مما يشيع روح التواصل فيما بينهم ، فتتآلف بذلك قلوبهم، وتسمو أرواحهم، ويتجدد إيمانهم، وقد قيل:"جددوا إيمانكم بالتلاقي" لم أعثر له على أصل
3- التذكير و التناصح  
فمن مقاصد الجمعة التذكير والنصيحة ، وذلك من خلال خطبتي الجمعة ، حيث يذكر الخطيب جموع المصلين بما فيه خيرهم عاجلا وآجلا ، وبالتذكير تزول الغفلة وهي أخطر داء يهدد العباد ؛ و بزوال الغفلة تحي القلوب ويزيد الإيمان و تتهذب الأنفس....  وسيعطى كل واحد منا على قدر نيته وحسن قصده ، مصداقا لقوله تعالى :"إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ".
الختام
الآن وقد علمنا بعض خصائص الجمعة ومقاصدها ، فلنسأل أنفسنا بصدق وأمانة : أين نحن من كل ما ذكر ؟؟؟؟ فإن وجدنا خيرا حمدنا الله وشكرناه ، وإن وجد غير ذلك تبنا إلى الله واستغــفرناه..............واعلموا أننا إذ لم نراع هذه المقاصــــــــــد ولم نعمل على تحقيقها نكون قد ناقضنا الشارع الحكيم في قصده ، ومن ناقض الشارع في قصده فعمله باطل ، باطل ، باطل....              

جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم