......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الأحد، 7 يوليو 2013

روضة التقوى



تمهيد
أيها المؤمنون : شهر رمضان هو شهر التقوى ، قال الله تعالى: " يَا أيّها الَّذِينَ آمنوا كتب عليكم الصيام كَمَا كتب عَلَى الَّذِينَ مِن قبلكم لعلّكم تتقون " [البقرة: 183] . نادانا ربنا سبحانه وتعالى بعنوان الإيمان: (يَا أيّها الَّذِينَ آمنوا) ؛ لأن من كان مؤمنا يسهل عليه أن يستقبل أوامر ربه بالقبول والامتثال ، ثم بين لنا جل ثناؤه ما كلفنا به ، وهو الصيام :( كتب عليكم الصيام) أي فرض ، ثم بين لنا أن هذا التكليف إنما هو لمصلحة عائدة إلينا ، وهي الارتقاء إلى درجة المتقين (لعلّكم تتقون) ، فإذا ارتقينا إلى درجة المتقين حزنا خير الدنيا والآخرة .
حقيقة التقوى
أيها الإخوة الكرام : التقوى في  اللغة : مأخوذة من كلمة وقاية ، وهي ما يحمي به الإنسان نفسه ، فإذا أصابك الحر اتقيته بالهروب إلى الظل ، وإذا أصابك البرد اتقيته بوسائل التدفئة ، وهكذا.......
وأما في الاصطلاح الشرعي : فالتقوى هي أن تجعل حاجزا بينك و بين ما حرّم الله ، وقد عرفها أهل العلم بتعريفات عدة ، فقالوا : (هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيات) ، ومنهم من عرفها بقوله : (ألا يفقدك الله حيث أمرك وألا يجدك حيث نهاك ) ، وقد عرّفها الإمام علي بن أبي طالب بقوله : (هي الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والقناعة بالقليل والاستعداد ليوم الرحيل)  
سأل عمر بن الخطاب أبي بن كعب عن التقوى؟
فقال أبي : يا أمير المؤمنين : أما سلكت طريقا فيه شوك؟
قال : بلى،
قال : فماذا فعلت؟
فقال عمر : أشمر عن ساقي، وانظر إلى مواضع قدمي وأقدم قدما وأؤخر أخرى مخافة أن تصيبني شوكة،
فقال أبي بن كعب : تلك هي التقوى.
 نعم هو أخي الصائم : تلك هي حقيقة التقوى ، أن تشمر ما استطعت لطاعة مولاك ، وتحترز من الوقوع في مواطن الزلل ؛ فتقي نفسك من الوقوع في المحرمات التي توقعك في المهلكات       
                                                                        ثمار التقوى قي الدنيا والآخرة.  
الآن وقد عرفنا حقيقة التقوى أيها الإخوة الكرام ، فعلينا أن نعلم أنها مفتاح لكل الخيرات ، وأنها نجاة ووقاية من جميع الشرور والويلات ، لذلك  أمرنا ربنا أن نتزود بها ، فقال تعالى : " وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التقوى " [البقرة: 197]
- فإذا شئت رفع البلاء والنقم ، ودفع الكروب وجلب الأرزاق والنعم فعليك بالتقوى :" ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من غير لا يحتسب "[الطلاق:2].                                       
- وإذا أردت أن يقبل عملك فعليك بالتقوى: " إنما يتقبل الله من المتقين" [المائدة:27].
- وإذا أردت السداد في الرأي والتوفيق في النظر فعليك بالتقوى: " إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا" [الأنفال:29].
- وإذا أردت حسن العاقبة فعليك بالتقوى: " إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين "[يوسف:90].
- وإذا أردت النجاة في قبرك فعليك بالتقوى ، دخل علي بن أبي طالب المقبرة يوما فقال: " يا أهل القبور ما الخبر عندكم: إن الخبر عندنا أن أموالكم قد قسمت وأن بيوتكم قد سكنت وإن زوجاتكم قد زوجت، ثم بكى ثم قال: والله لو استطاعوا أن يجيبوا لقالوا: إنا وجدنا أن خير الزاد التقوى" .
- وإذا أردت النجاة يوم المحشر ويوم أن يستبق الناس الصراط ، فعليك بالتقوى: " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا" (مريم 72) وَالمعنى: أنه ما منكم من أحد إلا و سيرد النار؛ فما من عبد إلا وسيمر على الصراط ، فمنهم من يمر كلمح البصر، و منهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر يزحف على ركبتيه ، ومنهم من يُخطف فيلقى في النار، فسرعة مرورك على الصراط تكون بحسب ما عندك من التقوى ،  ( ثُمَّ نُنَجّى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً )  ، فلا نجاة لنا من النار إلا بالتقوى ...
- وإذا أردت أن تكون من ورثة جنة النعيم فليك بالتقوى : " تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً"[مريم:63]                
- وإذا أردت أن يحفظ الله لك أولادك من بعدك ، فليك بالتقوى: "وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا " [النساء:9].
- وإذا أردت أن تكون من أكرم الناس وأشرفهم فعليك بالتقوى: " إنّ أكرمكم عِنْدَ اللهِ أتقاكم " [الحجرات: 13]
تلك هي ثمار التقوى في الدنيا والآخرة ، ولهذا قال العلماء : ( التقوى جماع كل خير ) .
الخاتمة
ولما كان ربنا تبارك وتعالى لا يريد لنا إلا الخير في عاجلنا وعاقبة أمرنا ، شرع لنا الصيام ؛ لتتهذب به نفوسنا ... وتسمو به  أرواحنا ... و تصفو به أفئدتنا ... وتكبح به شهواتنا ... وتنتظم به حياتنا ... وتصح به أجسامنا ... وتتحرك به مشاعرنا فنعطف على الفقراء والمساكين ... ونتعلم من خلاله مراقبة رب العالمين ... وبذلك كله نرتقي إلى هذه المرتبة السامية ، وهي تقوى الله عز وجل ، " يَا أيّها الَّذِينَ آمنوا كتب عليكم الصيام كَمَا كتب عَلَى الَّذِينَ مِن قبلكم لعلّكم تتقون " ، واعلموا أيها الإخوة : أن الصيام الذي يثمر التقوى ليس هو الإمساك عن الحلال من مأكولات ومشروبات ، ثم الإفطار على المحرمات من لغو وغيبة ونميمة و سب وشتم وخوض في أعراض المسلمين والمسلمات ، فــــ ((من لم يدع قول الزور ( أي: الكذب) والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه))، فمثل هذا  لا يقبل منه صيامه فكيف يثمر التقوى ؟ !! ولذلك فان من حِكَمِ الصيام : أن تتدرب النفس به على ترك ما تهوى وتشتهي ؛ امتثالا لأمر الله ، وإرضاءً له جل وعلا ، فإذا أمسك الصائم طوعا عما هو مباح له من الطيبات ؛ فإنه يسهل عليه بعدئذ أن يمسك عما هو ممنوع عليه من المحظورات ؛ فإن تحقق له ذلك كان من المتقين ، " .... لعلكم تتقون ".
فعلينا أدراك هذه المعاني لئلا تضيع الحكمة التي شرع الصيام لتحقيقها ، نسأل الله التوفيق والسداد ،
 وإلى لقاء آخر إن شاء الله ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

روضة الإخلاص



هنيئا لكم أيها المؤمنون على هذا الفضل العظيم الذي أكرمكم الله به ، إذ مد في أعماركم حتى بلغتم رمضان ، وبلوغ رمضان أمنية كان يتمناها نبيكم عليه الصلاة والسلام ، فكان يدعو الله قائلا : ((اللهم بارك لنا في رجب وشعبان و بلغنا رمضان)) ، وبلوغ رمضان هو أحد أسباب المغفرة ، فقد جاء في الحديث : ((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) أخرجه مسلم في صحيحه رقم[233]                                               
وإن أول ما نبدأ به حديثنا في سلسلة هذه الدروس الرمضانية المباركة ، إخلاص النية لله رب العالمين ،  وذلك لأن الأعمال كلها لا تقوم ولا تستقيم إلا بالإخلاص لله وحده ، فالإخلاص هو جوهر العبادة،  وهو شرط قبول العمل ، فهو بمنزلة الأساس للبنيان ، و بمنزلة الروح للجسد ، فلا أجر و لا ثواب على أي عمل  مهما عظم إلا بالإخلاص ، قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" أخرجه البخاري في صحيحه  ، فــــ(النيات) جمع نية ، وهي القصد وعزم القلب على فعل أمر من الأمور ، و قوله : ( إنما الأعمال بالنيات) أي أن صحة الأعمال  إنما تكون بالنية ، والثواب عليها إنما يكون بالنية ، فمن الناس من لهم أعمال كأمثال الجبال ، لكنهم لا يجدون منها شيئا ، وذلك لفساد نياتهم ، وقد قال الله تعالى - مخبراً عن أعمال الكافرين التي لا إخلاص فيها- : " وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً " و هذا الإحباط للعمل ينطبق على كل من لم يخلص عمله لله تعالى .
فالله تعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خاصا لوجهه الكريم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري ، تركته وشركه" رواه مسلم .
و روى عن طاووس أن رجلا قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَقِفُ الْمَوَاقِفَ أُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ، وَأُحِبُّ أَنْ يُرَى مَوْطِنِي ( أي يحب أن يطلع الناس على مواقفه الشجاعة ) فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية " فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً" .
وجاء رَجُلٌ إِلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَقَالَ أَنْبِئْنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، أَرَأَيْتَ رَجُلًا يُصَلِّي يَبْتَغِي وجه الله ويحب أن يحمد ( أي يحب أن يثني عليه الناس )  ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد، ويحج يبتغي وَجْهَ اللَّهِ وَيُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ، فَقَالَ عُبَادَةُ: لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: (أَنَا خَيْرُ شَرِيكٍ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَعِي شريك فهو له كله ولا حاجة لي فيه).
وروى الإمام أحمد عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم فَأَبْكَانِي. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ" ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حجراً ولا وثناً، ولكن يراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ " أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه.
واعلموا أيها الإخوة أن الله تبارك وتعالى يعطي الثواب الكثير على العمل الخالص  و لو كان قليلا ، بينما  لا يعطي شيئاً على العمل غير الخاص مهما كثر ، فعن عبد الله بن عمرو  عن النبي قال:" لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين" أخرجه مسلم في صحيحه. وروي أيضا أن بغي من بغايا بني إسرائيل سقت كلبا فغفر لها .
 قال ابن تيمية - رحمه الله معلقاً على الحديثين -: " فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها ، وإلا فليس كل بغي سقت كلباً يغفر لها" .
نعم أيها الإخوة : فالأعمال إنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإجلال لله تعالى ، فنحن كلنا نصوم رمضان ، و كلنا نصلي التراويح ، و كلنا نقرأ القرآن و نتصدق  بفضول أموالنا.......... فأعمالنا من حيث صورتها متماثلة ، لكنها من حيث قبولها والثواب عليها تختلف اختلافا كبيرا ، قال ابن القيم رحمه الله: " ...الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها ، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب ، فتكون صورة العملين واحدة ، و بينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض.... "
وإذا كانت النية الصالحة تحقق لصاحبها القبول الواسع ، وتحط عنه أقبح السيئات ، وترفعه إلى أعالي الدرجات ، فإن النية الفاسدة قد تجعل الطاعة معصية تستجلب لصاحبها الويل والثبور ، كما في قوله تعالى ، "فويل للمصلين  الذين هم عن صلاتهم ساهون  الذين هم يراؤون  و يمنعون الماعون" فالصلاة – وهي من أجل العبادات – صارت جريمة بعد ما فقدت روح الإخلاص فيها ، وقل مثل ذلك في الصيام والزكاة والحج والجهاد ............
وقال صلى الله عليه وسلم : "إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به، فعرفه نعمته فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت ليقال: جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به يعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت؟ قال تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكن تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار.
ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من صنوف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ألا أنفقت فيها قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" [رواه مسلم]
فانظروا أيها الإخوة : أن الاستشهاد في سبيل الله ، وتعلم العلم وتعليمه ، وقراءة القرآن العظيم ، والإنفاق والتصدق ، هذه كلها أعمال جليلة ، لكنها لما خلت من الإخلاص لله تعالى انتهت بأصحابها إلى هذا المصير !!!
فنعوذ بالله من سوء النية وخبث الطوية ، و نسأله تعالى ألا تنصرف قلوبنا إلا إليه ، آمين .
أخي المسلم اتق الله ودع أمر الناس جانبا ، واعتبر وجودهم وعدمهم سواء ، فإنهم لا يملكون لك ضرا و لا نفعا، واخلص نيتك لله وحده ، واعلم أن نجاتك يوم القيامة متوقفة على مدى إخلاصك لله تعالى ، قال أبو حامد الغزالي رحمه الله : "فقد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة فالناس كلهم هلكى إلا العالمون؛ والعالمون كلهم هلكى العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم"
فنسأل الله العافية ، وإلى لقاء آخر إن شاء الله ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

الأربعاء، 3 يوليو 2013

استقلال الجزائر( أبعاد ودلالات )



استقلال الجزائر ( أبعاد ودلالات )
الحمد لله الذي أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، الحمد لله الذي من علينا بالحرية والانتصار ، بعد قرن وربع من القهر و الاستعمار ، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصفى المختار ، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار ، وصحابته الأخيار ، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما بقي الليل والنهار . أما بعد / فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

إخوة الإيمان: في مثل هذه اليوم الأغر الأزهر ((الخامس من شهر جويلية)) خرج الجزائريون مرددين ذلك الشعار الخالد .. الذي يعبر عن طبيعة ثورتنا وربانيتها .. قائلين : " يا محمد مبارك عليك الجزائر عادت اليك ". وهو شعار له أكثر من دلالة في نفوسنا ، فهو من أبرز مظاهر تعلق الجزائرين بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، وقد كانوا بدأوا ثورتهم يوم الاثنين ؛ تيامنا بالمولد النبوي الشريف ، بل قيل أن أن ذلك اليوم صادف 12 ربيع الأول ، الموافق للفاتح نوفمبر... فبدأوها بذكرى ميلاد رسول الله وختموها - يوم الاستقلال -بقولهم : " يا محمد مبارك عليك الجزائر عادت اليك "..

نعم ، ففي مثل هذه اليوم الأغر الأزهرعادت الجزائر إلى حاضرة الإسلام ، وإلى جسم الأمة العربية والإسلامية ، بعدما أراد لها الأعادي أن تكون أندلسًا ثانية ، وبعدما بذلت الصليبية الماكرة كلما في وسعها لابتلاع هذه الأرض الطاهرة الزكية ، وبعدما وضعت فرنسا ما وضعت  من المخططات الشيطانية ، لصد هذه الأمة عن عقيدتها الإسلامية  ؛ لتحل مكانها عقيدة الصليب والوثنية ، وتلك غاية أعداء الإسلام في كل حقبة زمنية، لقد دلت على ذلك العديد من النصوص الشرعية ، منها قوله تعالى : (( ولن ترضي عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم )) وقاله تعالى أيضا : (( و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا )) ففعل (( لا يزال )) يفيد الدوام والاستمرارية ، و (( حتى )) تفيد انتهاء الغاية ، والغاية - هاهنا  - هي إخراج المسلمين عن دينهم ، بمختلف الوسائل الحربية ، سواءٌ المسلحة منها أو الفكرية والثقافية ، و من هنا نستخلص – أيها الإخوة الكرام - الحقائق الآتية :

الحقيقة الأولى : أن الحرب على الجزائر كانت حربا عقائدية ، هدفها طمسُ معالم الإسلام ومحوُ الهوية الوطنية ، هذا هو الهدف الرئيس ! وما سواه فأهداف ثانوية.

الحقيقة الثانية : أن الحرب على الإسلام ومعتنقيه لن تتوقف ، فهي وإن توقفت عسكريا فلن تتوقف بالوسائل الأخر ، من ثقافات ماجنة ، و أفكار إلحادية ، وصدق الباري جل ثناؤه إذ يقول : (( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون )).

الحقيقة الثالثة : أن ثورتنا المجيدة إنما استحقت نصر الله وتأييده ؛ لكونها كانت نصرة لله ونصرة لدين الله ، ولو لم تكن تلك غايتها لما استطاعت إلى تحقيق النصر سبيلا ، وإن الشواهد القرآنية لتؤكد – بوضوح - هذه الحقيقة التاريخية ، هذه الحقيقة التي ينبغي أن يعيها أبناء اليوم ؛ لما لها من عظيم الأهمية ،  يقول الله تعالى : (( وما النصر إلا من عند الله )) إذن : الله هو الذي نصرنا ، فلله الحمد والمنة ، ولكن لماذا نصرنا ؟ والجواب: يقول الله تعالى : (( ولينصرن الله من ينصره )) ويقول تعالى أيضا : (( إن تنصروا الله ينصركم )) والنتيجة : أن ثورتنا المقدسة إنما استحقت نصر الله وتأييده ؛ لكونها كانت نصرة لله ومن إجل إعزاز دينه والتمكين له.

ولقد أدرك شاعر الثورة هذه الحقيقة فصرح بها قائلا :

و لولا الوفاء لإسلامنا..........لما قرر الشعب يوما مئاله

و(( لولا )) حرف امتناع لوجود ، فعدم إحراز النصر امتنع لوجود الوفاء للإسلام ، وبالوفاء للإسلام تحقق النصر ولله الحمد والمنة.

الحقيقة الرابعة : أن العدو وإن يئس في احتلال أرضنا وصدنا عن ديننا ، فلن ييئس في التحريش بيننا ، تدفعه إلى ذلك دوافع شتى ، منها:

1-الحسد والبغضاء ، قال تعالى : " قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفي صدورهم أكبر " وتلك طبيعة متأصلة في نفوس أعداء الإسلام على مختلف مللهم ونحلهم ، ولن تتغير تلك الطبيعة إلى يوم يبعثون ، ومن ظن أنه سيأتي يوم يحبون فيه الإسلام وأهله فهو واهم و جاهل بالسنن الكونية ، وبالحقائق القرآنية.

2-زعزعة أمن المسلمين واستقرارهم ؛ وذلك لأجل إعاقة مسيرتهم الربانية ، الهادفة إلى إسعاد البشرية في عاجلها وعاقبة أمرها ، ولأنه إذا تفرق المسلمون سهل ابتلاعهم والقضاء عليهم ، وقديما قيل : ((فرق تسد )) ، و لذلك فهم يخافون خوفا شديدا من الوحدة الإسلامية ، ويرون أن الوحدة الوطنية سبيل إلى تحقيق الوحدة الإسلامية . فانتبهوا لهذه المكائد واعتبروا يا أولي الأبصار !!! وإياكم ثم إياكم والوقوعَ في مصائد أعدائكم .

الحقيقة الخامسة : أن الله تعالى قد جعل لكل شيء سببا ، وعلينا احترام قانون السببية ، و معلوم أن ما أحرزناه من نصر، وما ننعم به اليوم  من حرية و سيادة وطنية ، فبسبب تضحيات الشهداء الأبرار ، ذوي العقيدة الراسخة وأولي الهمم العالية ، الذين قدموا أرواحهم فداء لعقيدتهم وشعبهم ووطنهم ، وبذلوا في سبيل ذلك دماءهم الطاهرة الزكية ؛ ولهذا كان فضلهم علينا عظيما ، والله تعالى يقول : ((ولا تنسوا الفضل بينكم )) ، وكيف يمكن لحر أصيل أن ينسى أو يتناسى فضل من أكرمه وأحسن إليه ، خصوصا  إذا كان ذلكم المحسن قد ضحى من أجل سعادتكم وسيادتكم بحياته الغالية !!!  وهو ما فعله الشهداء الأبرار، ولقد قائلهم :

واقض يا موت في ما أنت قاض ** أنا راض إن عاش شعبي سعيدا
أنا إن مت فالجزائر تحــــــــــــيا ** حــــــــــرة مســــــتقلة لن تبيدا

واعلموا - أيها الإخوة - أن الوفاء للشهداء يقتضي توقيرهم وإجلالهم والدعاء لهم ، والمحافظة على إنجازاتهم ، المتمثلة في استرجاع السيادة والحرية ، وإنما نحفظ هذا الإنجاز العظيم بحفظ الثوابت الوطنية ، وهي :

الإسلام ديننا -- والعربية لغتنا -- والجزائر وطننا – ونضيف إليها : (( والوحدة سبيلنا )) ، لأن الوحدة هي السبيل إلى حفظ بقية البنود ، وان الظروف الراهنة تقتضى إعطاءها مزيدا من العناية والأولوية .

اللهم لك الحمد على نعمة النصر ، ولك الحمد على نعمة الحرية والسيادة ، ولك الحمد على نعمة الأمن والاستقرار ، اللهم ارحم شهداءنا الأبرار ، واغفر لهم وتقبلهم بأحسن ما تتقبل به عبادك الصالحين ، وجازهم عنا خير الجزاء ، وأمِنا اللهم في أوطاننا ، ووفق ولاة أمورنا إلى ما تحبه وترضاه ، ووحد بين صفوفنا ، واجمع كلمتنا على الحق والدين ،  وانصرنا على من عادانا ، ومن أرادنا بخير فوقه لكل خير ، ومن أرادنا بسوء فاشغله بنفسه واجعل تدبيره في نحره ، وصل اللهم و سلم وبارك على سيدنا ونبينا و مولانا محمد وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الاثنين، 24 يونيو 2013

أضواء من حياة معاذ بن جبل ( رضي الله عنه )



الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .  
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين"(التوبة: 119) 
أما بعد / فيا أيها الإخوة الكرام : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً - أي: هدفاً للسباب والشتام- فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد أذاني، ومن أذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه " ( رواه البخاري في التاريخ الكبير (5/131) دعونا أيها الإخوة لنعيش في هذا اليوم المبارك لحظات مع نجم من أولئك النجوم ، مع صحابي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم نجوم ...وقد جاء في الأثر : " أصحابي كانجوم بأيهم اهتديتم اقتديتم "(رواه ابن عبد البر في جامع العلم 2 / 91) . ونجم هذا اليوم هو سيدنا معاذ بن جبل بن أوس الأنصاري الخزرجي ، أسلم رضي الله عنه وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وكان أحد الستة الذين حفظوا القرآن في عهد الرسول الكريم ، وكان أعلم الناس بالحلال والحرام ، شهد بيعة العقبة وبدراً وكل المشاهد مع رسول الله ، لزم النبي صلى الله عليه وسلم منذ هجرته إلى المدينة ، وروى عنه الكثير من الأحاديث النبوية الشريفة. 
أيها الإخوة المؤمنون : حياة هذا الصحابي الجليل مليئة  بالمواقف الطيبة والخصال الحميدة ، و حسبنا في هذا الخطاب أن نستعرض بعض المحطات من مناقبه الشريفه وخلاله النبيلة ؛  لنتستلهم منها العبر والدروس ، ونتخذ منها نبراسا مضيئا في واقع حياتنا :
أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم شبك ذات يوم يده الطاهرة الشريفة في يد معاذ وقال له { يا معاذ ! والذي نفسي بيده إني لأحبك ، فلا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك شكرك وحسن عبادتك " أعظم هدية يهديها المحب لمن يحب أن يسدي له نصيحة تنفعه في دينه ودنياه ،  والنبي لما كان يحب معاذا أهدى له هذه النصيحة الغالية ، وما أعظمها من نصيحة ! (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) (رواه أبو داود) وذلك بعد كل صلاة حيث يكون الدعاء مستجابا ، و ما أحوجنا نحن اليوم إلى المداومة على هذه الدعوات المباركات ؛ لأننا إذا لم يعنا الله فلا معين لنا ؟ و إذا لم يساعدنا الله فمن سيساعدنا ؟ وإذا لم يهدينا الله فمن سيهدينا ؟ ( من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا )
اثانيا: أن معاذا  سافر مرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وكان رديفاً له صلى الله عليه وسلم ، فسأله سؤالاً عظيما فقال: "يا رسول الله دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار "  هذا سؤال العظماء النبلاء  الذين يريدون الله والدار الآخرة  !!!  فهو لم يسأل إمارة ولا منصباً و لا  أرضاً و لا أي شيء آخر  من أمور الدنيا الزائلة ....!!! بل سأل ما يقرب إلى الجنة ويباعد عن النار .
فأجابهم الحبيب صلى الله عليه وسلم ، قائلا: " لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: والصوم جنه -أي: وقاية من النار- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } [السجدة:16] ثم قال صلى الله عليه وسلم: " ألا أدلك يا معاذ على ملاك ذلك كله ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسان نفسه، فقلت: يا رسول الله! أئنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم" (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ  وَصَحَّحَهُ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى)إنها لوصية جامعة مانعة ، اشتملت على كل الوسائل المقربة من الجنة والمباعدة من النار ، أعاننا الله وإياكم على تلك الوسائل ، وأعاذنا الله وإياكم من النار ...........
ثالثا: ذات يوم قال الرسول صلى الله عليه وسلم لـمعاذ: " كيف أصبحت يا معاذ ! قال: أصبحت مؤمناً حقاً يا رسول الله! قال: إن لكل قول حقيقة ، فما حقيقة إيمانك، قال: والله ما خطوت خطوة إلا وكأن الموت يصرعني قبلها، والله ما أصبحت وأنا أنتظر المساء، وما أمسيت وأنا أنتظر الصباح، وكأني بعرش الرحمن بارز على رؤوس الناس يوم القيامة، وكأني بكل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها، وكأني بأهل النار في النار يعذبون، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: عرفت فالزم"
فحقيقة الإيمان : أن تتذكر الله وتتذكر لقاءه والوقوف بين يديه ، فتخلص في عملك فتؤديه بصدق وأمانة ، فلا ترائي ولا تخادع .. و لا تغش ولا تخون ..  ولا تماكس و لا ترابي ولا تناجش .. لأنك تعلم أن الله يراك في سائر الأحوال ، وأنك إليه راجع لا محالة ..وسيسألك عن  اعمالك كلها... هكذا عاش سيدنا معاذ ، بل وجميع الصحابة الكرام ...و هكذا ينبغي أن نعيش نحن إن كنا نريد الله والدار الاخرة....

رابعا: عاش سيدنا معاذ ثلاثا وثلاثين سنة ، قضاها كلها في نشر العلم والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ..... ثم أصابه مرض الطاعون ، فخرج إلى الناس ورفع يده قالا: "اللهم إنك تبارك في القليل .. اللهم بارك في هذا الجرح ، اللهم ارزقني شهادة بالطاعون، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الطاعون شهادة لكل مسلم " وعاد إلى بيته ومضت تلك القرحة تلتهم جسمه ، وهو يستقبلها بالابتسامة والرضا بقضاء الله وقدره ؛ لأن حب الله إذا رسخ في القلب هانت معه مصائب الدنيا بأجمعها ..
وفي الصباح قال لابنته : اخرجي فانظري هل طلع الفجر؟ فنظرت فقالت: لم يطلع بعد ، فعاد فاستغفر الله كثيراً وقال: اللهم إني أعوذ بك من ليلة صباحها إلى النار، ثم قال: يا بنية ! اخرجي فانظري هل طلع الفجر؟ فنظرت فقالت: طلع الفجر، فصلى في مكانه ، ثم التفت إلى زوجته وأبنائه ، ثم قال: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، وإنما كنت أحب الحياة لظمأ الهواجر، ولقيام الليل ، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ثم قال للموت: مرحباً بك، حبيب جاء على فاقة.. غداً ألقى الحبيب محمداً صلى الله عليه وسلم ، وذهب معاذ إلى الله ، إلى الدار التي بناها في الحياة الدنيا ، ذهب إلى القصور التي بناهل بالعلم والدعوة والجهاد....
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي كان قبل الموت يبنــــيها
فـإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشر خاب بانيـــــــــــــــها
أمــــوالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنــــــــــيها
أين الملوك التي كانت مسلطنة حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
فـــاعمل لدار غداً رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانــــيها
قصـــــورها ذهب والمسك تربتها والزعفران حشيش نابت فـــــيها
فيا من يريد الله والدار الآخرة: اعمل كعمل معاذ بن جبل واسلك طريق معاذ ، وتذكر يوم أن تأتي الله مجرداً من كل قوة ، فلا منصبا ولا وظيفة .. ولا مالا ولا ولدا... ولا جاها ولا سلطانا... "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ" [الأنعام:94].
عباد الله أوصيكم ونفسي الخاطئة المذبة بتقوى الله عز وجل ، فاتقوا الله حق تقواه وراقبوه مراقبة عبد يعلم أن الله يراه ، واعلموا أنكم من الدنيا راحلون ، وإلى الله راجعون ، وبين يديه موقوفون ، وعن أعمالكم محاسبون ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، ولا يظلم الله أحدا من العالمين . اللهم صل وسلم و بارك على سيدنا وحبيبنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
جعلني الله وإياكم من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.