......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الأحد، 16 يونيو 2013

فضائل شعبان


الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، شهادة نستعد بها إلى يوم لقائه يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، أرسله الله على فترة من الرسل وحاجة من البشر ، فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة ، وفتح به آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا غلفا ، وما فارق الدنيا عليه الصلاة والسلام حتى ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه  أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" (آل عمران 102)
هنيئا لكم أيها المؤمنون بإدراككم لشهر شعبان المبارك ، وإن كثيرا من الناس ليغفلون عن فضائل هذا الشهر ، وإنه لشهر كثير الخيرات ، عظيم البركات ، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: " لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ فقال : " ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه ، بين رجب ورمضان ، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم" (رواه النسائي) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " وما رأيته - أي النبي صلى الله عليه وسلم - في شهر أكثر صياما منه في شعبان" ( رواه البخاري ومسلم )
فمن خلال ما تقدم من النصوص يتبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الصيام في هذا الشهر، و قد بين الحكمة من ذلك ، وهي :
 أن شهر شعبان ترفع فيه الأعمال وتعرض على رب العباد ، ثم انه شهر يغفل الناس عنه .
وإنما يغفل الناس عن شعبان لأنه جاء بين شهرين عظيمين ، الأول : شهر رجب وهو شهر حرام.
والثاني: شهر رمضان وهو شهر الصيام والقيام .
 فاشتغل الناس بهما عن شعبان ، فصار مغفولا عنه ، حتى أن كثيرا من الناس ليظنون أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان ، باعتباره من الأشهر الحرم ، و ليس ذلك بصحيح ، فإن صيام شعبان أفضل من صيام رجب للحديث المتقدم .
ومن أهم ما يستفاد من هذا الحديث الشريف :
1- استحباب القيام بالطاعة في وقت الغفلة ؛ لأن العمل فيه يكون أسر و أخفى ، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل من الجهر بها لا سيما الصيام ، فإنه سر بين العبد وربه ، ولهذا قيل: إنه ليس فيه رياء ، وقد صام بعض السلف أربعين سنة لا يعلم به أحد ، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان ، فيتصدق بهما ويصوم ، فيظن أهله أنه أكلهما في سوقه، ويظن أهل سوقه أنه أكلها في بيته.
2- أن القيام بالطاعات في وقت غفلة الناس عنها يكون اعظم أجرا ؛ لكونها أشق على النفوس ، وأفضل الأعمال أشقها على النفوس بشرط موافقتها للشرع ، وفي الحديث :"إن لك من الأجر على قدر نصبك و نفقتك"( أخرجه البخاري في صحيحه رقم1695 ).
والنصب هو التعب و المشقة ، وبقدر ما يكون التعب يكون الأجر ، إن قل قل و إن كثر كثر.
ولكن لماذا تكون الطاعات في وقت غفلة الناس شاقة و صعبة  على النفوس؟  والجواب واضح : وهو  أن النفوس تقتدي بغيرها ، فإذا رأت كثرة القائمين بالطاعة  سهل عليها القيام بالطاعة .
وأما إذا كثر الغافون عن الطاعات فانه يشق على النفوس المتيقظة أن تقوم بالطاعة لوحدها ، لقلة من يُقتدى أو يستعان به  في مثل هذه الأوقات المغفول عنها ، ولهذا كان المؤمن ضعيفا بنفسه قويا بإخوانه ، ولأجل ذلك  قال صلى الله عليه وسلم في شأن الغرباء في آخر الزمان: " للعامل منهم أجر خمسين منكم - أي من الصحابة - إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون" فالعلة في عظم أجر هؤلاء الغرباء ، أنهم لا يجدون على الخير أعوانا ؛ لأن أكثر الناس عن أعمال البر غافلون . 
ولهذه المعاني المتقدمة وغيرها كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في هذا الشهر المبارك ، ويغتنم وقت غفلة الناس وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر !!
 و على هذا الدرب درج  الصالحون  فكانوا يجدّون في شهر شعبان ، ويتهيئون فيه لرمضان .
-  فهذا عمرو بن قيس كان إذا دخل شهر شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القران .
- وقال سلمة بن كهيل: كان يقال شهر شعبان شهر القراء .
- وقال أبو بكر البلخي: شهر رجب شهر الزرع ، وشهر شعبان شهر سقي الزرع ، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع ، فمن لم يزرع ويغرس في رجب ، ولم يسق في شعبان فماذا سيحصد في رمضان ! ؟
أيها المؤمنون : ها هو شهر رجب قد مضى وأقبل عليكم شعبان ، فما أنت فاعلون فيه إن كنت تريدون رمضان ! ؟
 فشعبان هو شهر الاستعدادات الروحية والإيمانية لرمضان..
وقد أكرمكم الله فيه بليلة هي موسم لاستجابة الدعاء ومغفرة الذنوب :
- فقد روى الإمام الشافعي في كتابه الأم ، قال : " وبلغنا أنه كان يقال : إن الدعاء يستجاب في خمس ليال، في ليلة الجمعة ، وليلة الأضحى ، وليلة الفطر ، وأول ليلة من رجب ، وليلة النصف من شعبان ....( قال الشافعي ) : وأنا أستحب كل ما حكيت في هذه الليالي من غير أن يكون فرضا "
- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يطلع الله إلى جميع خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن" (رواه الطبراني وابن حبان وهو حديث صحيح)
وهذا الحديث يشير الى قضية اخرى من الاهمية بمكان وهي : انه لا فائدة  من صيام شعبان إذا ما كانت القلوب مظلمة بالشركيات والشحناء والأحقاد ....
ولهذا فان المطلوب منا - ايها المؤمنون - أن نتخذ من هذا الشهر المبارك فرصة لمراجعة أنفسنا ، بتصحيح اعتقادنا وتصفية قلوبنا ، ومضاعفة الأعمال الصالحة من صيام و صلاة وصدقة...عسى أن تعرض أعمالنا على الله ونحن صائمون ، ولعنا نحظى بمغفرة ذنوبنا في ليلة النصف من هذا الشهر و يستجيب الله فيها لدعواتنا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (الشورى 26)
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأستغفر الله لي ولكم ولمجميع المسلمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



الخميس، 30 مايو 2013

خمس وصايا للممتحنين



محامد
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، شهادة نستعد بها إلى يوم لقائه يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، أرسله الله على فترة من الرسل وحاجة من البشر ، فهدى به من الضلالة وعلم به من الجهالة ، وفتح به آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا غلفا ، وما فارق الدنيا عليه الصلاة والسلام حتى ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ، فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه  أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد /
مقدمة
أيها الإخوة المؤمنون : في هذه الأيام سيقبل أبناؤنا وبناتنا على امتحانات  الباكلوريا  ، وسيُمتحنون ويختبرون فيما حصلوه من معارف و علوم ، وستُوَجَّهُ إليهم أسئلة  لا يعرفون مضمونها على وجه التحديد ، لذلك قد يفاجئون بها أثناء الاختبار ، ولهذا كان لهذه الاختبارات هيبةً في نفوس الطلاب ، و في نفوس آبائهم وأمهاتهم على حد سواء ، ونسأل الله تعالى أن يوفق جميع أولادنا للنجاح .  
وبهذه المناسبة الهامة نوجه لأولادنا بعض الوصايا سائلين الله تعالى أن ينفعهم بها وجميع المؤمنين والمؤمنات.
الوصية الأولى : تقوى الله مفتاح النجاح
وأول ما نوصي به أبناءنا وبناتنا أن يتقوا الله عز وجل فيما أمر ونهى ، فإن تقوى الله هي مفتاح النجاح في الدنيا والآخرة ، " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" وقال تعالى : " واتقوا الله ويعلمكم الله وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (البقرة:282) فتحقيق التقوى سبب للحصول على العلم المعرفة ، قال الإمام القرطبي رحمه الله: قوله تعالى): وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ) وعد من الله تعالى بأن من اتقاه علمه ، أي يجعل في قلبه نوراً يفهم به ما يلقى إليه ، وقد يجعل في قلبه ابتداء فرقاناً أي فيصلاً يفصل به بين الحق والباطل ، ومنه قوله تعالى: "يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ " (الأنفال:29) فلنجعل من هذه المناسبة فرصة للاصطلاح مع الله تعالى ،  فإنه لا معلم إلا الله ، و لا مثبت إلا الله ، و لا مسدد إلا الله ، ومن أيده الله فلا خاذل له ، ومن خذله الله فلا مؤيد له ، و من تعرف إلى الله في الرخاء عرفه في الشدة.
ومن أعظم الآفات التي تذهب أنوار العلم والمعرفة الوقوع في المعاصي والمخالفات الشرعية ، كما قال الشافعي رحمه الله :
شكوت إلى وكيع سوء حفظي **  فأرشدني إلى ترك المعاصي
 واخبـــرني أن العـــلم نــــور **  و نور الله لا يُعـــطى لعاصي
الوصية الثانية : الإيمان بقضاء الله وقدره يمنح القوة والشجاعة
ومما نوصي به أولادنا أن يقووا إيمانهم بقضاء الله وقدره ، وهو أنَّ يعلموا أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وأنَّ ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ، وأنهم لو فَعَلوا ما فَعَلوا فلن يَغيروا  قضاء الله وقدره ، لأنه لا يمكن لأحد أن يفعل خلاف ما قدَّرَ الله . والإيمان بالقضاء والقدر من شأنه أن يمنحهم القوة والشجاعة ؛ فيتوجهون إلى مقاعد الامتحان بثقة وعزم وثبات ، غير مترددين ولا خائفين ، موقنين بأن ما شاء الله كان و ما لم يشأ لم يكن .
 وليس معنى ذلك أن يتواكلوا ويتركوا تقديم الأسباب ، كلا  ثم كلا ! فالمؤمن يقدم ما استطاع من أسباب ، ويعد ما استطاع من قوة ، ثم يتوكل على الله وحده ، ويطلب منه العون والمدد ، فإن حقق مراده فبها ونعمت ، وإن خفق رضي بقضاء الله وقدره ، وقال حينئذ: ( قدر الله و ما شاء فعل ) وفي الحديث عن سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام : " المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان " (رواه ابن ماجه في سننه ج1/ص31 حديث رقم  79)
وقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، فَابْلُ مِنْ نَفْسِكَ الْجَهْدَ ، فَإِنْ غُلِبْتَ فَقُلْ : حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " (أخرجه أحمد في مسنده  6 / 24 / 24483 )
الوصية الثالثة : الدعاء من أقوى أسلحة النصر
ومما نوصي به في هذا المقام : الاستعانة  بالدعاء فإنه من أنفع الأدوية وأقوى الأسلحة ، وعلى الآباء والأمهات أن يعينوا أولادهم بالدعاء أيضا ، فيدعون الله تبارك و تعالى أن يلهمهم و يسدد إجابتهم ، فالله تعالى بقول : " وقال ربكم ادعون أستجب لكم " وقال تعالى : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان "
ومن شروط إجابة الدعاء :
الإِخلاصُ للهِ رب العالمين - وأَن يَبْدأ في دعائه بحمدِ اللهِ والثناءِ عليه ثُمَّ بالصلاة على النَّبِّي ويختم بذلك – وأن يجزم في الدُّعاءِ ويوقن بالإجابةِ – و أن يلح في الدُّعاء فيكرره في تذلل وتضرع وخشوع  - وألا يستعجل فلا يقل دعوت فلم يستجب لي فيترك الدعاء فيهلك - و ألا يسأل إلا الله وحدهُ .
الوصية الرابعة :  الغش من اكبر انواع الفساد
والحذرَ الحذرَ من أساليب الغش ، فإن الغش ليس من أخلاق المسلمين لقوله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من غشنا فليس منا والمكر والخديعة في النار" (رواه ابن حبان في «صحيحه) " فهذا الحديثُ دليلٌ قوي على تحريم الغِشِّ بجميع أنواعه ، وأنَّ الغاشَّ مخالفٌ لأمر النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهديْه ، وأنَّه خارجٌ عن صفات المسلمين وهديهم .
والغاش لا يمكن أن يحقق نجاحا أبدا ، فهو وإن أجاب إجابة صحيحة عن طريق الغش ، إلا أنه ستدور عليه الدوائر ولو بعد حين ، و هذا أمر مؤكد لا ريب فيه ، يصدقه الواقع التاريخي للغاشين ، وتدل عليه – أيضا - عموم النصوص الشرعية الكثيرة ، منها :
- قوله تعالى : " إن الله لا يهدي كيد الخائنين " والغش خيانة .
- وقوله تعالى : " إن لله لا يصلح عمل المفسدين " والغش من أكبر أنواع الفساد ، وأي فساد أكبر من :
أن يكون طبيبنا مزور ، ومعلمنا مزور ، وإمامنا مزور ، وقائدنا العسكري أو السياسي مزور ، ومهندسنا مزور...... ؛ لأنهم  تأهلوا - جميعا -  لهذه المهام  عن طريق الغش ، فالجيل الذي يدير ويسير شؤون الأمة اليوم سينتهي بعد حين ، وهؤلاء الممتحنون هم الذين سيخلفون هذا الجيل في تسيير مختلف مؤسسات الأمة ، وكيف سيكون مصير أمة إذا يتولى زمام أمورها  شرذمة مزورون ؟ !
لهذا يجب على العاملين في المؤسسات التربوية والقائمين على الامتحانات من مراقبين وغيرهم أن يضربوا بيد من حديد على الغش وأهله ، وألا تأخذهم في ذلك لومة لائم ، ومن سمح للغش فقد خان الله ورسوله وجماعة المؤمنين.
الوصية الخامسة : تذكروا بامتحان الدنيا امتحان الآخرة
وأخيرا : علينا أن نتذكر بامتحان الدنيا امتحان الآخرة ، وما ابعد امتحان الدنيا عن الآخرة امتحان.
- فامتحان الدنيا موضوعه جزء من كتاب في ورقاتٍ معدوداتٍ ... ، وفي مجالٍ معين من مجالات الحياة .
أمَّا موضوع امتحان الآخرة ففي كتابٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاَّ أحصاها ، فالصغائر مسجلة به ، كما أنَّ الكبائر مدوَّنة فيه ، في ذلك الامتحان ستنشر الفضائح ، وتظهر القبائح ، ويبدو ما كان مخبوءاً من ذنوبٍ وعصيان ، تحت ركام الغفلة والنسيان ! ( يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كلِّ شيء شهيد )
- الأسئلة في امتحان الدنيا محدودة في بعض مفردات الكتاب ، فلا يمكن للمعلِّم أن يسأل الطالب عن كلِّ دقيق وجليل من محتويات المنهج الدراسي ، وربما تدركه الشفقة فيختار له من أسهل الأسئلة وأيسرها ، ولعلَّه يراجع مع الطالب الإجابة قبيل الامتحان بأيام مساعدةً له وتيسيراً عليه.
أما امتحان الآخرة فالأسئلة فيه شاملة  لكل جوانب الحياة ، عن الأفعال والأقوال .. عن النيَّات والأموال .. عن المعتقدات والأوقات .. عن المظالم والأمانات..وعن أطوار العمر كله ، قال صلى الله عليه وسلم ، :" لا تزُولُ قدَما ابن آدم مِن عند ربِّه حتَّى يُسألَ عن خمس : عن عُمرِه فيما أفناه ، وعن شَبابِه فيما أبلاه ، وعن مالِه من أين اكتسَبَه وفيما أنفَقَه ، وماذا عمِلَ فيما عَلِم "( أخرجه الترمذي  في سننه عن ابن مسعود رقم 2418 و 2419 وقال حسن صحيح.)
وصدق القائل :
ولو أنَّا إذا مِتنا تركنا ..... لكان الموتُ غاية كلَّ حيٍّ
ولكنَّا إذا متنا بعثنا ..... ونُسأل بعده عن كلِّ شيءٍ
فاتقوا الله يا عباد الله واستعدوا لامتحان الآخرة بالعقيدة الصحيحة والأعمال الصالحة الموافقة لكتاب الله و سنة رسوله ، وإياكم وحقوق العباد ، فإن حقوق الله مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحنة .
وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المؤمنين ، وصلى الله على سيدنا ونبينا و مولانا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



السبت، 11 مايو 2013

القبر موعدنا


ألا تعلم أخي العزيز أن هذا المكان قد أعد لنا كما أعد لغيرنا ؟
فالمطلوب منا أن نتذكر هذا المكان الذي سنرجع إليه لا محالة !
و من يدري : فربما اليوم أوغدا سنكون هناك ؟
فماذا أعددت أخي لأول ليلة تبيتها في قبرك ؟ أما علمت أنها ليلة شديدة ، قد بكى منها العلماء ، وشكا منها الحكماء ، وشمر لها الصالحون الأتقياء؟
القبر يكلم صاحبه
قال مجاهد: "أول ما يكلم ابن آدم حفرته تقول: أنا بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الظلمة، وبيت الغربة! هذا ما أعددت لك يا ابن آدم ، فما أعددت لي ؟"
القبر أول منازلِ الآخرة
و جاء في الحديث الصحيح أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كان إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا؟! فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول": إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" رواه الترمذي وحسنة وابن ماجة .
القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار
روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (القبر روضة من رياض الجنة , أو حفرة من حفر النا ر) رواه الترمذي في سننه (2460) والبيهقى فى شعب الإيمان (1/498.
وعن أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فيقعدانه ، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله وآله وسلم , فأما المؤمن فيقول :
أشهد أنه عبد الله ورسوله . فيقولان : أنظر إلى مقعدك من النار , قد أبدلك الله عز وجل به مقعدا في الجنة . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فيراهما جميعا . وأما الفاجر أو المنافق فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري كنت أقول ما يقول الناس , فيقال له : لا دريت ولا تليت , ثم يضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه , فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين )) أخرجه في البخاري ومسلم.
الأسباب الموجبة لعذاب القبر
وقد وردت نصوص كثيرة في بيان المعاصي  الموجبة  لعذاب القبر منها :
-1 النميمة والغيبة - 2 عدم الاستبراء من البول - 3 الصلاة بغير طهور  - 4 الكذب  
-5
 تضييع الصلاة والتثاقل عنها .  - 6 ترك الزكاة - 7 الزنا -  8 الغلول من المغنم(السرقة)
-9
 الخيانة - 10السعي في الفتنة بين المسلمين  -11 أكل الربا   -12 ترك نصرة المظلوم
-13
 شرب الخمر  -14 إسبال الثياب تكبراً   -15 القتل   -16 سب الصحابة  
-17   الموت على غير السنة.
18 – وكل عمل سيئ كالتبرج وعقوق الوالدين ونحوهما .
الأسباب المنجية من عذاب القبر
كما وردت نصوص في بيان الأسباب المنجية من عذاب القبر ، منها :
1- الرباط في سبيل الله      -  2 الشهادة في سبيل الله- 3  قراءة سورة الملك
 - 4 الموت بداء البطن  - 5 الموت يوم الجمعة.
5- وكل عمل صالح كبر الوالدين والدعوة إلى الله والإصلاح بين الناس.....
 فالواجب على كل مسلم أن يستعيذ بالله تعالى من عذاب القبر، وأن يستعد له بالأعمال الصالحة قبل أن يدخل فيه، فإنه قد سهل عليه الأمر ما دام في الدنيا.
إما إذا دخل القبر فإنه يتمنى أن يؤذن له بحسنة واحدة كصلاة ركعتين أو بتسبيحة واحدة........فلا يؤذن له ، فيبقى في حسرة وندامة.
 فعجبا للأحياء الذين يضيعون أيامهم وأعمارهم في الغفلة و واللهو البطالة ؟!

مواعظ


تفكر في  مشيبك والمآب ودفنك بعد عزك في التــــــــراب

إذا وافيت قبراً أنت فيه تقيم به إلى يـــوم الحســــــــــاب
وفي أوصال جسمك حين تبقى مقطعة ممزقة الإهــــاب
فلولا القبر صار عليك ستراً لنتنت الأباطح والـــــــــــروابي
خلقت من التراب فصرت حياً وعلمت الفصيح من الخطـاب
وعدت إلى التراب فصرت فيه كأنك ما خرجت من التـــراب
فطـــلــق الـــدنيا ثلاثاً وبــادر قــبل مـــوتك بالمـــــــــــتاب
نصحتك فاستمع قولي ونصحي فمثلك لا يدل على صواب
خلقنا للممات ولو تركنا لضاق بنا الفسيح من الرحـــــــاب
ينادي في صبيحة كل يوم لدوا للدود وابنوا للخـــــــــــراب
فهذا الموت موعد كل حي إن حل بيتاً فرق الأحـــــــــباب
يا من بدنياه اشتغل قد غره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل
تأهب للذي لا بد منه فإن الموت ميقات العباد
أترضى أن تكون رفيق قوم لهم زاد وأنت بغير زاد

 
أنت الذي ولدتك أمك باكياً والناس حولك يضحكون سروراً
فاعمل ليوم تكون إذا بكوا في يوم موتك ضاحكاً مسروراً.
أخي لا تنسني من دعائك .




 

الثلاثاء، 7 مايو 2013

العمل عبادة



الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد /
إن الله سبحانه خلقنا لأجل عبادته ، فقال تعالى : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات56) والعبادة لا تنحصر في إقامة الشعائر التعبدية المعهودة، من صلاة وصيام وحج و زكاة فحسب.... بل لها مفهوم أوسع من ذلك بكثير، فهي تشمل  العبادات المذكورة ، كما تشمل كل عمل تعود منفعته على العامل نفسه أو على أهله أو مجتمعه و وطنه ... فالسعي لطلب الأرزاق هو الآخر عبادة جليلة ، متى توافرت فيه الشروط  وانضبط بالضوابط الشرعية التي سنبينها بعد حين.
 كانَ النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم جَالِسا مَعَ أَصْحَابه ذَات يَوْم ، فَنظر إِلَى شَاب ذِي جلد وَقُوَّة وَقد بكر يسْعَى، فَقَالُوا: وَيْح هَذَا، لَو كَانَ شبابه وَجلده فِي سَبِيل الله ، فَقَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم "لَا تَقولُوا هَذَا، فَإِنَّهُ إِن كَانَ يسْعَى عَلَى نَفسه ليكفها عَن الْمَسْأَلَة ويغنيها عَن النَّاس فَهُوَ فِي سَبِيل الله! وَإِن كَانَ يسْعَى عَلَى أبوين ضعيفين أَو ذُرِّيَّة ضِعَاف لِيُغنيَهُمْ ويكفيهم فَهُوَ فِي سَبِيل الله، وَإِن كَانَ يسْعَى تفاخرا وتكاثرا فَهُوَ فِي سَبِيل الشَّيْطَان"[1]
والشاهد في هذا الحديث أن النبي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم اعتبر الساعي على نفسه أو عياله خارجا في سبيل الله ، ومن ثم فكل من خرج لأداء عمله فهو في عبادة ، أيا كان كان عمله ؟
فالمعلم في مدرسته ، والطبيب في مخبره، والطيار في جوه ، والغواص في بحره ،  والمرأة في خدمتها لزوجها وتربيتها لأولادها ، والتاجر والفلاح والبناء وطالب العلم ..كل أولائك في عبادة .
والإسلام  يدعو إلى العمل و يمجده ويعتبره سبيلا لنيل المغفرة والظفر بمحبة الله تعالى ،  قال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم : " من أمسى كالا من عمل يده أمسى مغفورا له "[2] . وقال أيضا : " إن الله يحب المؤمن المحترف"[3]
والإسلام مع حظه على العمل ، فإنه يذم البطالة والعيشَ عالة على الغير ، قَالَ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم  " لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها ، فيكف الله بها وجهه ، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه "[4].
وقال أيضا : " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجهه مُزْعَةُ (قطعة) لحم"[5] .
لكن ما هي الشروط التي ينبغي توفرها في العمل حتى يمكن اعتباره عبادة يؤجر صاحبها ؟
1-    الإخلاص . لقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم : "إنما الأعمال بالنيات .."[6]
2- المشروعية. لقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم : " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.. "[7] . فالذي يتاجر في المحرمات -مثلا - عمله ليس عبادة بل هو معصية .
3- الإتقان. لقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه "[8] . فالذي يغش في عمله مأزور غير مأجور .
4- ألا يشغله عمله عن أداء الواجبات. لقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم و لا أولادكم عن ذكر الله .." (المنافقون) . فلا خير في عمل يشغل صاحبه عن ذكر الله وعن الصلاة ، وغير ذلك مما افترضه الله على عباده . فهذه هي أهم الشروط التي إذا توافرت في العمل كان عبادة يستحق صاحبها المثوبة من الله تعالى .
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، واستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1] أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي معاجمه الثَّلَاثَة من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة بِسَنَد ضَعِيف.
[2] أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث ابْن عَبَّاس
[3] أخرجه الطَّبَرَانِيّ وَابْن عدي وَضَعفه من حَدِيث ابْن عمر.
[4] رواه البخاري.
[5] متفق عليه .
[6] متفق عليه
[7] رواه مسلم.
[8] أخرجه الطبراني في الأوسط  رقم 897.