|
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، وأشهد أن لا إله
إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله الصادق الوعد الأمين ،
صلى الله عليه وعلى آله و أصحابه وأتباعه إلى يوم الدين / أما بعد:
أيها الإخوة المؤمنون : إن خطاب اليوم يحمل بشرى
عظيمة لطلاب الجنة وعشاقها ، جعلني الله وإياكم من أهلها و سكانها .
وذلك أن الرسول صلى اللهُ
عليه وسلم كان جالسا ذات يوم مع أصحابه فقال لهم : " يدخلُ عليكم من هذا الفجِ رجلُ من أهلِ الجنة "[1] و لا شك إن رجلاً تسبقُه
البشارةُ إلى الجنةِ في الدنيا لهو حريٌُُ وجدير أن تشتاقَ الأبصارُ إلى رأيتِه ،
وتتلهفَ النفوسُ إلى لقائه .. و فجأة يدخلُ ذلك الرجل ! فإذا هوَ رجلُ
منهم ، يعيشُ بينَهم يعرفهم يعرفونَه ، ولكنهم لم يكونوا يعلمون حقيقته ، فيخبرُهم النبيُ صلى اللهُ عليه وسلم أنه من أهل الجنة . وفي
اليوم الموالي دفعَ إليهم النبيُ صلى اللهُ عليه
وسلم الخبرَ ذاتَه قائلا: " يدخلُ عليكم من
هذا الفجِ رجلُ من أهلِ الجنة " و هنا يتساءل الحاضرون: أما الأول فقد عرفناه ، فمن سيكون
المبشر الثاني يا ترى ؟ ولم يطل الانتظار ، حتى دخل الرجلِ المبشر بالجنة ،
فإذا هو صاحبُهم الذي دخل بالأمس . وفي اليوم الثالث يأتي ذلك الرجل وتأتي معَه
البشارةُ أيضا: " يدخلُ عليكم من هذا الفجِ رجلُ
من أهلِ الجنة " فيدخلُ الرجلُ نفسه بهيئتِه التي دخل بها أول مرة ،
تقطرُ لحيته ماءً من أثرِ الوضوء، وأطرافُه مبللةُ بالماء ، وقد أمسكَ نعلَه
بشمالِه.
إن رجلاً يُبشرُ بالجنةِ ثلاثَ ليالٍ متعاقبة ، ويُخبرُ
الصحابةَ قبل دخولِه بأنَه يدخلُ عليهم رجلُ من أهلِ الجنة ، إن رجلا هذا
شأنه لحريُ أن يُقتصَ خبرُه ثم يُقتفى أثرُه ، وكم نحن مشتاقون إلى أن نتعرف
على هذا الرجل ، لعلنا نحذو حذوه فننال ما ناله من البشارة بالسعادة السرمدية .
وجزى الله عبد اللهِ بنَ عمرو بنِ العاصِ رضي الله عنهما، إذ ذهبَ إلى ذلك الرجل ليطلع على
أعماله التي أوصلته إلى هذا المقام ، فذهب إليه فقال له: (إني قد تخاصمتُ مع أبي
فأقسمتُ أن لا أدخلَ عليهِ البيتَ ثلاثا، فإن رأيتَ أن تأوينِ عندك هذه الأيامَ
الثلاثةَ ) . فرحبَ به الرجل وآواه وأكرمَ مثواه، وباتَ عبد اللهِ أبن عمروٍ
عند ذاك الصحابي يراقبُه ويتأمل حالَه ويترصدُ أفعالَه ، فوجده يأوي في الليلِ إلى
فراشِه فينام الليل كله ، وكان عبد الله بن عمرو يظن أن هذا الرجل يبيت قائما
راكعا وساجدا ، إلا أنه لم ير شيئا من ذلك ، ولم ير أي شيء يلفتُ الانتباه ، غير
أن هذا الرجل كان كلما تقلبَ في فراشِه ذكرَ الله ، وكلما أفاقَ من نومِه ذكرَ
الله ، فأنتظرَ عبد الله ليلةً ثانية ، وليلةً ثالثة فلم ير عملا بارزا يعتد به .
فلما انقضت الليالي الثلاث، أقبلَ عليِه عبدُ الله قائلا: يا
أخي : إنَه لم يكن بيني وبين أبي خصومةُ ، ولكن رسولَ الله صلى اللهُ عليه وسلم أخبرنا ثلاثةَ أيامٍ متعاقبةٍ أن
رجلا من أهلِ الجنةِ يدخلُ علينا من الباب ، فكنتَ أنت الداخل في كلِ مرة ، فأردتُ
أن أبيتَ عندَك لأرى عملَك ، لأرى بأي شيءٍ نلت هذه المنزلة. غير أنني لم أر شيئا
، فأخبرني بما نلتَ ذلك ؟
قال له الرجل : ما هو إلا ما رأيت ، فلما انصرف عبد الله
ناداهُ الرجل فقال تعال ، ما هو إلا ما رأيت غير أني أبيتُ حين أبيت فلا أبيتُ وفي
قلبي غشُ على أحدٍ من المسلمين ، ولا أحسدُ أحدا من الناسِ على خيرٍ آثرَه اللهُ
به. فأنصرفَ عبدُ اللهِ أبن عمرو وهو يقول:(أما إن هذه هي
التي بلّغتك وهذه هي التي لا نُطيقُها ) عبد
الله يقول هذا في زمانه هو ، زمن النبوة ، فمن يطيق في ذا الزمن أن يأوي إلى
فراشه بقلبٍ سليم ليسَ فيه غشُ لأحدٍ من المسلمين، وهو ينظرُ إلى نعمِ الله على
عبادِه فيفرح بها ويتمنى دوامها فلا يحسدُ منهم أحدا ! من يطيقُ ذلك ؟ هذا مقام رفيع ما يلقاه إلى ذو حظ عظيم . أيها الأخوةُ المؤمنون:إنها قصة مؤثرة ، وإنه لمشهدُ
عجيبُ، قصة هذا الرجل الطيب ، السليم القلب ، الذي يطوي صدرَه على قلبٍ صافٍ
كالزجاجة ، ليسَ فيه غلُ ولا حسدُ ولا غشُ ولا شحناءُ ولا بغضاء ، قلب صافٍ مصفى
قد أُسلمَ لله رب العالمين . إن هذه القصة تتضمن فوائد جليلة النفع ، وجديرة
بالتأمل :
فإن هذا الرجل كان يتعبدُ لله بتطهيرِ قلبِه ، وتصفيةِ فؤادِه
، ونقاء سريرته ؛ فنال البشارة بالجنة. ذلك لأن القلب هو ملكُ الأعضاء ، و في
الحديث الشريف : " ألا إن في الجسدِ مضغةُ إذا صلحت صلحَ الجسدُ كلُه، وإذا فسدت
فسدَ الجسدُ كلُه، ألا وهي القلب "[2] فإذا صلح القلب صلحت سائر
الأعضاء ، وإذا عمي القلب وانطمست بصيرته لم تغن أعمال الجوارح عن صاحبها شيئا .
" فَإِنَّهَا لا
تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"
إخوة الإيمان : ونحن نسرد هذه القصة
لنأخذ منها العبرة ، حري بنا أن نسأل أنفسنا بصدق وصراحة : هل تفقدنا قلوبناَ من
أمراض الاستعلاء والكبر والغرورِ والعُجب ؟! وهل تفقدنا قلوبَنا من شهوةِ الرياءِ
وحبِ الظهور ؟ِ! وهل تفقدنا قلوبَنا من آثمِ الحسدِ والحقد و البغضاء ؟! وغيرِ ذلك من خطايا
القلوبِ التي تذهبُ فضلَ الصيامِ وثوابَ القيام ، وتأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ
النارُ الحطب. وقد بلغنا قوله صلى اللهُ عليه وسلم
: " لا يدخلُ الجنةَ من كان في قلبِه مثقالُ ذرةٍ
من كبر"[3] . وقوله صلى اللهُ عليه وسلم " ثلاثُ مهلكات ؛ شحُ مطاع، وهوىً متبع، وإعجابُ المرءِ بنفسِه"[4] . وقوله صلى اللهُ عليه وسلم
:" دبَ إليكم داءُ الأممِ قبلَكم ؛ الحسدُ
والبغضاء هي الحالقَة، لا أقولُ تحلقُ الشعرَ ولكن تحلقُ الدين"[5] .
وما أكثر النذر في كتابِ الله وسنةِ رسولِه التي تحذر من
خطايا القلوب وتنذر بالوعيدِ عليها.
وإن القضيةَ أيها الأخوةُ قضية جد لا هزلَ فيه ، فإننا أمامَ
أمراضٍ قلبيةٍ مدمرة ، وآفاتٍ خطيرة .... ولا يكمن الخطر في هذه الأمراض بذاتِها
فحسب ، بل الخطرُ الأكبر أن يتآلفُ الإنسان مع هذه الخطايا والأمراض القلبية ، فلا
يتفقدُها في نفسه ، ويدعها تسري في كيانه حتى يصل إلى مرحلة يحاول فيها أن
يبرر أمراض قلبه ، ويصطنعَ المعاذيرَ لنفسِه ، ويفتحَ لها طرق التهربِ من الاعتراف
بالحقيقة ... لذلك ترى أصحاب العداوات والأحقاد النابعة عن الحسد ونحوه ، يحاولون
أن يلبسوها لباسِ الصالح العام ، من تقويم الآخرين ، أو من إحياءِ لعلم الجرحِ
والتعديل ... أو غير ذلك من الأغطية المزيفة التي يخدع بها الناس
أنفسهم........وإذا وصل أحد إلى هذه المرحلة فصل عليه أربعا لنهايته المرة
..فاللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة الدين والدنيا والآخرة
.
أيها الإخوة: إن البراءةَ من هذه الخطايا
، وتطهيرِ القلوبِ من هذه العلل ، يفضي إلى الوصولِ إلى مرتبةٍ عظيمة ، تلكم
المرتبة التي أدخلت ذاك الصحابيَ الجنة ، فيوم خبر عملُه إذا هو لم يتميز بعمل
يذكر ، ولكنه تميز بقلبٍ صافٍ وضيءٍ .. لذا قال النبيُ لأصحابه وقد سألوه
يوما عن أي الناسِ أفضل ؟ فقال : " كلُ مخموم
القلبِ صدوق اللسان ، قالوا يا رسول الله قد عرفنا صدوق اللسان، فما مخموم القلب؟
قال هو التقيُ النقي الذي لا أثم فيه ولا بغي ولا حسد"[6]
فانظـــــــــــــــروا : كيف أن براءة القلب من الإثمِ
والبغيِ والحسد أوصلت صاحبها إلى مرتبةٍ شريفةٍ صار فيها من أفاضل الناس.
فاتقوا الله عباد الله وأحرصوا على سلامة صدوركم فهي طريقكم
إلى الجنة ، وأكثروا من ذكرِه تعالى فهو حياة قلوبكم ، وأكثروا من تلاوة القرآن
العظيم. فهو الدواء وهو الشفاء لمن أراد أن يأتي ربه بقلب سليم ، واقرؤوا إن شئتم:
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ
مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ...). ثم جاهدوا
أهواءكم كما تجاهدون أعداكم ؛ لتحملوا أنفسكم على التجرد من حب الذات
، وتلزموها الإخلاص لله رب العالمين ، وهو جوهر النجاة ، واعلموا أن الله يعلم ما
أنفسكم فاحذروه ، و واعلموا أن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسام ولكن
ينظر إلى قلوكم فطهروا محل منظر الله ، واستغفروا الله لي ولكم ولجميع
المسلمين ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم . والحمد لله ب
العالمين.
|
......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة
بحث في هذه المدونة
الخميس، 25 أبريل 2013
سلامة الصدر طريق إلى الجنة
الخميس، 18 أبريل 2013
المرجفون في المدينة
إنها آفة الإرجاف التي توعد الله المتصفين بها بأشد أنواع العقوبات ، حيث لعنهم ، أي أبعدهم من رحمته ورضوانه ، وكفى بذلك نقمة !!
الاثنين، 15 أبريل 2013
أسس التغيير من خلال منهج ابن باديس
الحمد لله حمدا كثيرا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وأشهد
أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه
وآله الطاهرين وصحبه الميامين.
وبعد:
في هذه اليوم نستقبل مناسبة طيبة مباركة، ألا وهي مناسبة
يوم العلم التي تصادف 16 أفريل من كل سنة، وهي مناسبة تستحق الإشادة والتنويه، وبهذه
المناسبة آثرت تبيين: (أسس التغيير من خلال
منهج ابن باديس)
وفي البداية نشير بإيجاز إلى مفهوم التغيير وبيان أنواعه.
فالتغيير: هو انتِقال الشيء من حالةٍ إلى
حالة أخرى، ومنه : انتقال الأفراد والمجتمعات من وضع إلى آخر، و يشمل مختلف
الأوضاع للحياة البشرية: الأوضاع الفكرية والثقافية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية
والاقتصادية..
وقد جرت سنة الله تعالى أن لاَّ يبدأ بتغيير وضع
قوم حتى يشرع أولائك القوم في تغيير أوضاعهم.
وبين القرآن
المجيد أن التغيير نوعان:
1- تغيير من وضع حسن إلى وضع سيء. قال
تعالى : "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ
مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا
بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" (الأنفال:
53)
وسبب تغير تلك النعم وذهابها راجع إلى إنَّ هؤلاء
القوم قابلوا النِّعم بالكفر والفسوق والعصيان، فاستحقُّوا تبْديل
النعم بالنِّقَم، والمِنَح بالمِحَن، وهذا قانون كوني عام مطرد في الأفراد والأمم.
2- تغيير من وضع سيء إلى وضع حسن. قال
تعالى : "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا
بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد: 11)
وهذا النص يشمل بعمومه تغيير الأوضاع السيئة إلى أوضاع
حسنة، قال السيد قطب : "فإنه لا يغير نعمة أو
بؤسى ، ولا يغير عزا أو ذلة ، ولا يغير مكانة أو مهانة ... إلا أن يغير الناس من
مشاعرهم وأعمالهم وواقع حياتهم ، فيغير اللّه ما بهم وفق ما صارت إليه نفوسهم
وأعمالهم" (في ظلال القرآن للسيد قطب)
وإذن : فالتغيير - دوما - يبدأ من عند
أنفسنا، حسنا كان أو سيئا.
وحديثنا ينحصر في أسس وقواعد: (التغيير من وضع سيء إلى وضع حسن) من خلال منهج ابن باديس رحمه الله تعالى . وبيانها كالآتي:
|
فقـــــــه الواقع |
|
تصحيح الاعتقاد |
|
إصلاح التربية والتعليم |
|
حفظ الوحدة الوطنية |
|
حفظ الشخصية الوطنية |
تلك هي الأسس العامة التي اعتمد عليها العلامة ابن باديس
في التغيير، وهي أسس تمتاز بالشمولية والخلود ، بمعنى: أن كل
عملية تغييرية في أي زمان تتم بعيدا عن تلك الأسس فهي عملية مبتورة، لن
تصيب هدفا و لن تحقق نتيجة.
الأساس الأول: فقه الواقع
فلابد أن تُسْبَق عملية التغيير باكتشاف الواقع، والإدراك الكامل له، وتحليله، والمفارقة بينه وبين ما يجب أن يكون، ومن ثم التفكير في الكيفيات والمناهج والبرامج التي تعيد مسيرة هذا الواقع إلى الجادة الصحيحة..
وهو ما فعله ابن باديس، فقبل شروعه في
التغيير بدأ بفحص أوضاع أمته، مشخصا لأمراضها، ومحددا لمواطن الخلل
فيها بدقة؛ ليصف لها بعد ذلك الأدوية المناسبة .
وقد بدأت هذه المرحلة في المدينة المنورة عام 1913م عندما التقى الشيخ ابن باديس مع رفيق دربه وجهاده الشيخ البشير الإبراهيمي، الذي قال:
"كان من نتائج الدراسات المتكررة للمجتمع الجزائري بيني وبين ابن باديس منذ اجتماعنا بالمدينة المنورة ...أن البلاء المنُصبّ على هذا الشعب آت من جهتين متعاونتين عليه يفسدان عليه دينه ودنياه: استعمار مادي (فرنسا). واستعمار روحاني (مشايخ الطرق) المؤثرون في الشعب، المتجرون باسم الدين، والاستعماران متعاضدان يؤيد أحدهما الآخر، وغرضهما تجهيل الأمة لئلا تفيق بالعلم، وتفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثورة، وكان من سداد الرأي أن تبدأ الجمعية بمحاربة الاستعمار الثاني لأنه أهون"
يعني بذلك: الطرق الصوفية (المنحرفة) التي صنعها
الاستعمار ليشوه بها وجه التصوف الصحيح، ويسيطر من خلالها على نفوس الشعب، أما
الصوفية الأصيلة فلم يك اين باديس مناوئا لها، بل كان يسير على نهجها، وينهل من
منهلها، وقد ضمت جمعيته العديد من أعلام التصوف، كالشيخ العيد آل خليفة، المنتسب
للطريقة التيجانية وغيره..
والبدء بالأضعف – كما قال البشير الإبراهيمي- يدل على فكرة
المرحلية عند الشيخ ابن بايس ورفقائه، وهي أيضا تعتبر محاصرة للاستعمار بفضح
أعوانه وتنحيتهم طائفة بعد أخرى..
ويمكن تلخيص مواطن الخلل في المجتمع الجزائري آنذاك ، في الأمور الآتية:
- نتشار البدع والخرافات بواسطة الطرق الصوفية
(الماجنة)
- انتشار الجهل وتفشي الأمية
- تميُّع الشخصية الوطنية وصيرورتها
إلى الذوبان
- التفرق والتشتت
- وفوق ذلك كله الاستدمار الغاشم
وبديهي أنه يستحيل مجابهة المحتل بمجتمع مصاب
بهذه العلل الخطيرة؛ ولذلك استبعد ابن باديس فكرة المقاومة المسلحة في هذه المرحلة،
ولو فعل ذلك لقضى على أمته إلى الأبد؛ ولهذا كان فقه الواقع وتحليله
أمرا ضروريا قبل البدء في أي عملية تغييرية.
وبعد تحديد مواطن الخلل
شرع الشيخ ابن باديس ورفقاؤه في تنفيذ الأساس الثاني وهـــو:
تصحيح
الاعتقاد
وجد ابن باديس أن الطرق الصوفية (الجاهلة
المنحرفة) قد انتشرت بشكل رهيب، على حساب الصوفية الأصيلة، التي كانت حاملة للواء
العلم، ولواء الجهاد ضد المستعمر البغيض، مما جعل البدع والخرافات والضلالات
تتغلغل في صفوف الكثيرين، من عوام ومثقفين... وقد بث أولائك الجاهلون الوهن
في نفوس الجزائريين ورسخوا عقيدة التواكل في قلوبهم، بدعوى أن الوجود الفرنسي
في الجزائر يدخل في باب القضاء والقدر المحتوم، الذي يجب التسليم به والصبر
عليه، وترك كل مقاومة لمحاربته، مما أفضى إلى تثبيط الهمم والعزائم عن الجهاد
في سبيل الله لطرد العدوان الفرنسي الغاشم بهذه الدعوى من جهة، و بحجة وجوب
طاعة ولي الأمر من جهة أخرى، مؤولين مقتضى الآية في قوله تعالى: "ياأَيُّها الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْر مِنْكُم". النساء 59
فوجه ابن باديس جهوده من أول وهلة إلى إصلاح عقيدة الجزائريين وعقولهم، ومحاربة ما علق بها من خرافات وأباطيل، واعتبر سبيل النجاة والنهوض يكمن في الرجوع إلى فقه الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، من أهل القرون الثلاثة الأولى المشهود لأهلها بالخيرية، ورفع شعار (لايصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أو لها)
وقد سلك رحمه الله في سبيل تحقيق هذه
الغاية مسالك شتى، منها:
إصداره للعديد من الصحف، منها جريدة (المنتقد) التي يفصح
عنوانها عن مضمونها، وهو النقد الذي يخالف منهجَ أربابِ الطريقة الذين رفعوا شعار:
(اعتقد ولا تنتقد) .
وهكذا تصدى ابن باديس لفرق المبتدعة فزلزل
أركانها وكشف أستارها، ونجح في بسط العقيدة
الإسلامية الصحية التي لا يتحقق النصر والتمكين إلا بها، مصادقا
لقوله تعالى:
"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا " (النور53)
فعقيدة التوحيد الخالص شرط أساسي في التمكين وإبدال
الخوف أمنا.. وقد ألف رحمه الله كتاب: [العقائد
الإسلامية] على منهج علماء السنة من السادة الأشاعرة، إلا أنه اختار
التفويض على التأويل فقال:
"وَنُثْبِتُ
الاِسْتِوَاءَ وَالنُّزُولَ وَنَحْوَهُمَا، وَنُؤْمِنُ بِحَقِيقَتِهِمَا عَلَى مَا
يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى بِلاَ كَيْفٍ، وَبِأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمُتَعَارَفِ فيِ
حَقِّنَا غَيْرُ مُرَادٍ"هـ
وهذا الذي اختاره رحمه الله هو إحدى الطريقتين
المنتهجتين عند الأشاعرة، وإليهما أشار صاحب الجوهرة بقوله:
وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ
التَّشْبِيهَا أَوِّلْهُ أَوْ فَوِّضْ
وَرُمْ تَنْزِيهَا
الأساس
الثالث: إصلاح التربية والتعليم
أما في مجال التربية والتعليم فقد قام
الاستعمار بفرنسة التعليم الذي أنشأه خصيصا لأبناء رعاياه، وغلق مؤسسات
التعليم الوطنية التي كانت تعلم الثقافة العربية والإسلامية، وضيق الخناق على
الدين الإسلامي وعلى اللغة العربية واعتبراها لغة أجنبية، ودمر الممتلكات
الثقافية، وخرب المكتبات، وهدم المساجد، واستولى على موارد الأوقاف التي كانت
مصدرَ تمويلٍ للتعليم في الجزائر، وكان من نتائج تلك السياسة الماكرة
أنِ انتشر الجهل والأمية، ووقع الانحراف عن الدين..
وهنا قدر ابن باديس خطورة الأمر، وأدرك أنه لا مخرج للجزائريين من ظلماتهم تلك، إلا بإصلاح التربية والتعليم، وذلك بالعودة بهما إلى مشكاة النبوة، وقد عرف ابن باديس الإصلاح بأنه: "إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله، بإزالة ما طرأ عليه من فساد". وقال رحمه الله: "لن يصلح هذا التعليم إلا إذا رجعنا به للتعليم النبوي في شكله وموضوعه".
وهذا الأساس الذي اعتمد عليه ابن باديس في
التغيير، لم يكن أساسا مثاليًا مبنيًا على تصورات نظرية، بل كان واقعيًا،
أملته متطلبات العصر والمرحلة، وفرضته أولويات المجتمع ومعتقداته.
كما أن عنايته بموضوع التربية والتعليم، لم تكن عناية باحث منظّر، لا شأن له بالتطبيق العملي، بل كان رحمه الله يمارس ذلك كل يوم في حلقات الدروس في الكتاتيب والمدارس النوادي والأسواق..
- فكان يرحل في نشر العلم في مختلف مناطق الوطن.
- وأنشأ أول مدرسة حرة سنة 1926 وقد بلغت المدارس الحرة التي أنشأها (150) مدرسة تحوي 150 ألف تلميذ. وكانت هذه المدارس تدرس اللغة العربية وأصول الدين الإسلامي وتاريخ الجزائر والإسلام. وقال رحمه الله بخصوص اللغة العربية: "ولا رابطة تربط ماضينا المجيد بحاضرنا الأعز ومستقبلنا السعيد إلا بهذا الحبل المتين: اللغة العربية لغة الدين ، لغة الجنس، لغة القومية".
- وقام بإعداد المدرسين لتعليم مبادئي القراءة وتحفيظ
القرآن الكريم.
وجدد النشاط التعليمي للمساجد في كافة أنحاء الوطن. وقال رحمه الله بخصوص ربط التربية
والتعليم بالقرآن العظيم : "فإننا والحمد
لله نربي تلامذتنا على القرآن ...وغايتنا التي ستتحقق أن يكوّن القرآن منهم
رجالا كرجال سلفهم ، وعلى هؤلاء الرجال القرآنيين تعلق الأمة آمالها".
- وأنشأ جمعية التربية والتعليم الإسلامية سنة 1931، والتي كانت تهدف إلى نشر الأخلاق الفاضلة والمعارف العربية والصنائع اليدوية بين أبناء وبنات المسلمين.
- وقام بإرسال البعثات التربوية إلى الخارج لإبقاء صلة المهاجرين بدينهم وعدم الذوبان.
- وقام بعقد مؤتمر سنة 1937 لكافة المعلمين في مدارس الجمعية حول
منهجية التعليم والتربية ولدراسة الوسائل والأساليب والكتب والعلم في
المساجد.
الأساس الرابع: حفظ الوحدة الوطنية
غير خافٍ على ذي بصيرة أن الاستعمار
الفرنسي قد حاك كثيرا من المخططات والمؤامرات لإسقاط الوحدة الوطنية،
لأنها الحاجز المنيع أمام أي محاولة لانتهاك حرمة الوطن، والاستيلاء على
خيراته وثرواته...
لذلك عمد الاستعمار إلى تشتيت شمل الجزائريين، وبث
النعرات العنصرية في أوساطهم؛ لأجل تفريقهم ومن ثم القضاء على كيانهم.
فمن البديهي أن يكون عامل الوحدة
الوطنية هو الآخر من الأولويات التي وجه إليها ابن باديس اهتماماته،
واعتبرها العامل الأساس في تحصيل القدرة على إقامة الكيان الحضاري للأمة أو
المجتمع وبنائه وتمكينه من الوقوف في وجه محاولات الإسقاط والتبديد، وهو
ينطلق في حديثه عن الوحدة من اعتبارها فريضة دينية، يطالب المؤمنون بإقامتها
في حياتهم وفي علاقاتهم، دون أن يكون لهم في ذلك خيار.
فيقول رحمه الله: "الواجب
على كل فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في
التضام والالتحام، حتى يكون منهم جسد واحد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم
في الحديث: (مثل المؤمنين في
توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر
الجسد بالسهر والحمى)"
ودعا إلى أخذ العبرة في هذا المجال مما حدث لهذه الأمة
عبر تاريخها الطويل، مؤكدا أن الفرقة والخلاف يفضيان لا محالة إلى انهيار
الأمة وتحطمها وذهاب أمرها ، فيقول رحمه الله:
"لقد كان
افتراقهم السبب الأول الأقوى لجميع البلايا والمحن الداخلية والخارجية التي
لحقتهم في جميع أجيالهم أيام قوتهم وأيام ضعفهم، وأن تاريخهم لعبرة، وأن في
أنبائهم لمزدجرا".
وقد لخص رحمه الله دعائم الوحدة الوطنية وأركانها في
كلمات جامعة مانعة فقال :
"تختلف
الشعوب بمقوماتها ومميزاتها كما تختلف الأفراد. ولا بقاء لشعب إلا ببقاء
مقوماته ومميزاته كالشأن في الأفراد. فالجنسية القومية هي مجموع تلك
المميزات والمقومات. وهذه المقومات والمميزات هي اللغة التي يعرب بها
ويتأدب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية
التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك بينه وبين من
يشاركه في هذه المقومات والمميزات"
فتلخص من هذا النص خمسة أركان للوحدة للوطنية،
وهي :
- - الدين الإسلامي
- - اللغة العربية
- - الوطن
- - التاريخ
- - المصير المشترك
- الوقوف في وجه المحاولات الاستعمارية الساعية إلى زعزعة الوحدة الوطنية.
- العمل على توحيد الشعائر الدينية.
- العمل الشخصي في فك الخصومات وفض النزاعات.
- الترفع عن مجاراة الخصوم فيما يبثونه من أسباب الفرقة والشقاق.
ولقد آتت تلك الجهود ثمارها على صعيد الوحدة الوطنية وسائر الأصعدة الأخرى، التي ناضل فيها ابن باديس لأجل انتشال المجتمع الجزائري من أوحال الفرقة والجهل والتخلف.
الأساس الخامس: حفظ الشخصية الوطنية
وفي مجال حماية الشخصية الوطنية من الذوبان ، أعلن ابن باديس رحمه الله حربا لا هوادة فيها على سياسة الإدماج ودعاتها وأنصارها، وقال قولته:
المشهورة :"إن هذه الأمة الجزائرية الإسلامية ليست هي فرنسا ولا يمكن أن تكون فرنسا ولا تستطيع أن تكون فرنسا ولو أرادت".
شَعْـبُ الجــــزائـــــــــرِ مُـسْــلِــــمٌ وإلىَ الـعُــــــروبةِ يَـنتَـسِـبْ
مَـــــنْ قَــالَ حَـادَ عَنْ أصْــلِـهِ أَوْ قَــالَ مَـاتَ فَقَدْ كَـــــذبْ
أَوْ رَامَ إدمَــــــــــــاجًــــــا لَــــــــــهُ رَامَ الـمُحَـالَ من الطَّـلَــــبْ
وأصدر فتوى بتكفير كل مسلم جزائري يتنازل عن قانون الأحوال الشخصية الإسلامي أو
يتجنس بالجنسية الفرنسية؛ سدا لذريعة الإدماج الرامية إلى طمس معالم الشخصية الوطنية.
و طالب النواب الجزائريين بمقاطعة البرلمان
الفرنسي قائلا : "حرام على عزتنا
العربية وشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب برلمان أمة ترى أكثريتها
ذلك كثير علينا ".
الخاتمة
وبعد هذه الإطلالة الوجيزة على أسس التغيير من خلال منهج ابن باديس، وجهود المبذولة في تحقيقها ، نستنتج جملة من النتائج أهمها:
1- أن أي عملية التغييرية لابد أن تُسْبَق باكتشاف كامل للواقع؛ وهذا الاكتشاف هو بمنزلة الفحص والمعاينة الطبية للمريض، لتحديد مواطن إصابته، وتقدير حجم خطورتها، وبناء على ذلك توصف له الأدوية المناسبة لإصابته.
2- أن قوله تعالى : "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ". تضمن تقرير سنة جارية لا تبديل لها، وهي: (أن التغيير دوما يبدأ من عند أنفسنا، حسنا كان أو سيئا، تلك قاعدة مطردة في الفرد والمجتمع.
3- أن ابن باديس يعتبر
منحة ربانية امتن الله بها على هذه الأمة، التي غشيتها موجة من الظلمات، ما كان
لها لتنفك عنها دون تلك العملية الإصلاحية التي انتهجها ابن باديس
ورفقاؤه.
4- أن أسس التغيير السابقة
الذكر من أهم خصائصها: (الخلود) فلا
تستغني عنها امة في زمن من الأزمنة ونحن اليوم إليها أحوج أكثر من أي
زمن مضى.
8- أن ابن باديس كان عالما ربانيا، لذلك استطاع أن يغير أوضاع الأمة الجزائرية من السيء إلى الأحسن، وغير الرباني يؤده تغيير أسرة فأنى له أن يغير أمة.
اللهم بصرنا بحقائق الأمور، وهبنا لنا
القوة والشجاعة لنغير ما تقوى على تغييره يد، وارحم شيخنا
ابن باديس واجعله مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين وحسن أولائك رفيقا، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمد وعلى
اله وأصحابه وأتباعه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
من مراجع الموضوع:
- عبد الحميد بن باديس رائد الإصلاح والتربية في الجزائر لتركي رابح.
- جمعية العلماء المسلمين الجزائريين . قانونها الأساسي ومبادؤها الإصلاحية.
- آثار ابن باديس.
- العقائد الإسلامية لابن باديس.
- في ظلال القرآن للسيد قطب.