......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الجمعة، 29 مارس 2013

الخوف من الله



محامد
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد /
مقدمة
أيها المؤمنون :  لقد أمرنا الله تعالى بالخوف منه ، وبين أن ذلك من دلائل الإيمان به  ،فقال جل ثناؤه :" و خافون إن كنتم مؤمنين " و قال سبحانه " وإياي فَارْهَبُونِ "و لهذا سيكون خطابنا في هذا اليوم عن مقام  الخوف من الله تعالى  ، و هو موضوع هام يطرح نفسه بقوة أمام هذه الموجات العاتية من الفتن المتلاحقة ، والشبهات والشهوات المتعددة ،   حتى أصبح الناس يتجرؤون على محارم الله  بمختلف أنواع المعاصي والذنوب ، و السبب  الرئيس في ذلك : ضعف جانب الخوف من الله في قلوب العباد ، بسبب غفلتهم عن الله  وعن الدار الآخرة .
فالخوف من الله تعالى هو العاصم  من الغفلة و الهوى والشهوات بمختلف أشكالها ؛ و هو الذي يهيج نار الخشية في القلوب ، وإذا ما هاجت نار الخشية في القلوب اندفعت  الجوارح إلى عمل الطاعات وأحجمت عن فعل الموبقات
فضل الخوف من الله
 وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في بيان فضل الخوف من الله تعالى  ، منها:
--    قوله تعالى : ((ولمن خاف مقام ربه جنتان )) و قال تعالى: (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)).
- -  و عن ابن العباس رضي الله عنهما قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عينان لا تمسهما النار:عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس سبيل الله "[1] . و قال عليه الصلاة والسلام: "من خاف أدلج ، و من أدلج بلغ المنزل ألا وإن سلعة الله غالية ألا وإن سلعة الله هي الجنة"[2]  والمعنى أن من خاف المخاطر  أدلج في السير، أي سار بالدجى بغاية النشاط والقوة حتى يقطع السير بسرعة و حتى يسلم من المخاطر ، و الدلجة : السير في أول الليل ، وقيل في آخره  ؛ لأن السير في أول الليل وفي آخره يكون فيه قوة و نشاط على السير.
من كان بربه أعرف كان له أخوف
والناس في خوفهم من الله درجات :  والعلماء والعارفون بالله  في أعلى تلك الدرجات ، قال تعالى " إنما يخشى الله من عباده  العلماء " فعلى قدر العلم والمعرفة بالله تكون الخشية منه ؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس خوفاً من الله ، لأنه أعرفهم بربه ،  و من كان بربه  أعرف كان له أخوف ، يقول صلى الله و سلم عن نفسه:   "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية "[3]
صور من خوف الملائكة و الصالحين
و الخوف من الله  تعالى طال حتى  الملائكة المقربين والأنبياء والصالحين:
- يقول الله  تعالى – في شأن ملائكته - : "يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" و قال صلى الله عليه وسلم : " لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مَرَرْتُ عَلَى جِبْرِيلَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى كَالْحِلْسِ الْبَالِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"[4] .
- و كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم - و هو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر -  يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ، و يسمع لصدره – في الصلاة -  أزيز كأزيز المرجل من شدة البكاء من خشية الله. وتقول عائشة رضي الله عنها: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ضاحكاً ... وكان إذا رأى غيماً وريحاً عرف ذلك في وجهه فقلت: يا رسول الله الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون منه المطر وأراك إذا رأيته عرفت الكراهة في وجهك؟ فقال: ((يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا"[5].
- و هذا أبو بكر رضي الله عنه ، أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى طير وقع على شجرة فقال:" ما أنعمك يا طير، تأكل وتشرب وتطير وليس عليك حساب ، ليتني كنت مثلك" وكان رضي الله عنه كثير البكاء .. وكان يمسك لسانه ويقول: "هذا الذي أوردني الموارد"
- وها هو عمر الفاروق رضي الله عنه يقول لابنه عبد الله وهو في سكرات الموت: "ويحك ضع خدي على الأرض عسى الله  أن يرحمني ، ثم يقول: ويل أمي إن لم يغفر لي ، ويل أمي إن لم يغفر لي ." ويأخذ مرة تبنة من الأرض فيقول: "ليتني هذه التبنة ، ليتني لم أكن شيئا، ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت منسيا".
- و هذا عثمان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر يبكي حتى يبل لحيته ، وكان يقول: "لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصيرُ".
وبكى الحسن البصري بكاءً شديداً فسألوه ما يبكيك فتلا عليهم قول الحق تبارك وتعالى: " وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ "  وقوله تعالى  "وَبَدَا لَهُمْ مّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ "
فهذا حال الملائكة و الأنبياء و والصحابة و الصالحين في الخوف من الله تعالى،  فأين نحن من ذلك  أيها المؤمنون ؟؟ إن كثيرا من المسلمين اليوم لا يخافون الله حق خيفته  ، قد غرهم إمهال الله لهم فظنوا أن الله غافل عما يعملون، "أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" و يقول الله عز وجل في الحديث القدسي : "وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين: إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة"[6]

حقيقة  الخوف من الله
وحقيقة الخوف المحمود : أن يشعر العبد - موقنا - بأن الله  مطلع عليه في سائر أحواله ، في سره  و علانيته ، يراقب حركاته وسكناته ، وأن يعلم أن لا محالة راجع إلى ربه ، وأنه سيحاسبه على أعماله ، صغيرها وكبيرها ، مستشعرا قوله تعالى : " وقالوا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .." وقوله تعالى :" يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية "والخوف الحقيقي هو : ما حال بينك وبين محارم الله ، هناك أناس كثيرون يقولون نحن نخاف الله و هم مقيمون  على معصيته :
-       يقولون نحن نخاف الله  وهم يفترون الكذب .
-       يقولون نحن نخاف الله  وهم يتعاملون بالربا .
-       يقولون نحن نخاف الله  وهم  يسيئون الجوار .
-        يقولون نحن نخاف الله  وهم يقعون في أعراض الناس .
-       يقولون نحن نخاف الله  وهم ينظرون إلى المحرمات .................. هذا خوف مزيف وادعاء كاذب ،  فلو خافوا الله  حقا لابتدعوا عن معاصيه .
تعصــــي الإله وأنت تظهر حبه.....لعمري إن هذا لأمر شنيع
إذ لو كان حبك صادق لأطعته....إن المحب لم يحب مطيع
وقد ذكر أهل العلم علامات إذا توافرت في العبد دلت على صدق خوفه من الله تعالى ، منها :
1-  أن يستوي ظاهر العبد وباطنه.
يقول صلى الله عليه وسلم، يقول:  (( يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ليكونن أقوام يظهرون للناس التخشع يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصِّبر، فبي حلفت لأنزلن فتنة تدع الحليم حيران ، أبي يغترون أم عليّ يجترئون؟ ))  لا حول و لا قوة إلا بالله ، يتظاهرون بأنهم يخافون من الله ، ولكن بواطنهم خبيثة ، يمكرون ويخدعون ، يتظاهرون بحبهم للحق وأكثرهم للحق كارهون ، فنعوذ بالله أن تكون ظواهرنا جميلة و بواطننا خبيثة
2- الندم على السيئة والفرح بالحسنة.
كما قال عمر بن الخطاب : " من سرته حسنته وساءته سيئته فهو المؤمن" فانظر إلى نفسك يا أخي هل أنت تشعر بالفرح والسرور إذا عملت حسنة ؟  هل أنت تفرح بصدقتك ؟  و هل تفرح بذكر الله كثيراً...؟  وهل تفرح بإغاثتك للملهوفين ...؟ و هل تفرح بإسهامك في بناء المساجد وعمارتها...؟   إذا كمنت كذلك فأنت  مؤمن .
 وانظر إلى نفسك : هل تشعر بالحزن والأسى إذا عملت سيئة ؟ فهل تحزن إذا اغتبت أحدا ..؟  وهل تحزن إذا نظرت منظراً لا يجوز..؟  وهل تحزن إذا فاتتك الصلاة ..؟  وهل تحزن إذا وجدت نفسك تخوض مع الخائضين..؟ إذا كنت تشعر بالحسرة والندم  على سيئاتك فأنت مؤمن تخاف  الله ، وإلا فأنت كاذب !! قال تعالى: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَأُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ "
-3    أن يكون يومك خير من أمسك وغدك خير من يومك.
إذا وجدت نفسك تترقى في الصلاح والعبادة والقرب من الله تعالى فذلك برهان على صدق خوفك من الله ، أما إذا كان العكس - والعياذ بالله -  أي إذا كانت أيامك الماضية خير من أيامك الحاضرة ، فهذا دليل على أنك لا تخاف الله ، وأنك موقوف على الخطر ، فما ذا تنتظر ؟؟ بادر بالتوبة قبل فوات الأوان .
يـا آمنـا مـع قبـح الفعـل منـه هــــــــــــــــل  ***  أتــــاك توقيـع أمـن أنت تملكــــــه
جمـعت شيئيـن أمنـا و اتبـاع هـــــــــــوى  ***  هذا إحداهما في المرء تهلكـــــــــــه
والمحسنون على درب الخوف قد ساروا  ***  و ذلـك درب لســــــــت تسلـكـــــــــه
فرطـت في الـزرع وقت البذر من سفـــه   ***  فكيف عند حصاد الناس تدركــــــــه
هذا وأعـجب شيء فيـك زهــــــدك فـي  ***  دار البقاء بعيش سوف تتركـــــــــــــه
الخاتمة
إخوة الإيمان استشعروا خوف الله في قلوبكم ، واعلموا أن الله يعلم ما في نفوسكم فاحذروه ،  وأنه سبحانه و  تعالى يحصي لكم أعمالكم ثم يجزيكم به ، وأنه لا أحد منكم ينجو بعمله  إلا أن يتغمده الله برحمة منه ، فاعملوا وسددوا وقاربوا واسألوا الله القبول والرحمة والمغفرة ، و لا تزهدوا في الطاعة فلا يدري أحدكم أي حسنة تدخله الجنة ، و لا تستهينوا بالمعاصي فلا يدري أحدكم أي سيئة تدخله النار ، وصلوا وسلموا على خير الخلق وأشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



[1]  سنن الترمذي ح رقم :  1639
[2] سنن الترمذي ح رقم :   2638
[3] صحيح مسلم ح رقم :  1110
[4] أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" 621 - بإسناد جيد وهو مخرج في "الصحيحة" 2289" وعزاه السيوطي 1/393 لابن مردويه والطبراني في "الأوسط" وصحح إسناده
[5] صحيح مسلم ح رقم :  899
[6] خرجه ابن حبان في صحيحه ، و البزار في مسنده ، و البيهقي في شعب الإيمان ، و ابن المبارك في كتاب الزهد ، و أبو نعيم في حلية الأولياء ، وصححه الحافظ ابن حجر في مختصر زوائد البزار ، والشيخ الألباني في السلسلة .
.

الأربعاء، 27 مارس 2013

بأي ذنب قتل البوطي ؟؟


محامد
لحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد/
مقدمة
لا يخفى عليكم ما للعلم و للعلماء من فضل و مكانة ، فالعلماء هم مصابيح الهدى ونجوم الدجى ، بدعوتهم يهتدي السالكون ، وبعلمهم يسترشد الحائرون ، فكم من جاهل علموه، وكم من تائه أرشدوه، وكم من حائر قد بصروه ، وهم ورثة الأنبياء وحماة الشريعة ، و بقاؤهم في الأمة نعمة ورحمة، وقبضهم وموتهم عذاب ونقمة ، ولا تزال الأمة بخير ما عظمت علماءها وعرفت لهم قدرهم ومكانتهم . وإكرامهم واحترامهم إنما هو إكرام واحترام للعلم الذي يحملونه في صدورهم ، وإهانتهم والاستخفاف بهم  نذير شر بالوباء والخيبة والخسارة ، ولا خير في لسان طعن في أمانتهم وديانتهم وسعى جاهدا في تشويه صورتهم ، فالطاعن في العلماء طاعن في الشريعة والقاتل للعلماء قالت للشريعة ، و من اجب على كل مسلم أن يحترم العلماء  وأن يدافع عنهم ، ويذود عن حياضهم الشريفة ، ويقف في وجه من يتفوه بالقبيح في جنابهم الكريم .
فضل العلماء

وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في بيان فضل العلماء والتنويه بمكانتهم ، منها :
- قوله تعالى : " يرفع الله الذين آمنا منكم والذين أوتوا العلم درجات" وقوله تعالى :" شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"(آل عمران18).
ففي هذه الآية استشهد الله سبحانه وتعالى بأولي العلم من خلقه على أجلِّ مشهود عليه وهو : توحيده سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة، وهذا يدل على فضل العلماء من وجوه كثيرة :
•  منها أنه تعالى استشهد بهم ، ولم يستشهد بغيرهم من البشر.
• ومنها أنه تعالى قرن شهادتهم بشهادته سبحانه وتعالى.
• ومنها أيضا أنّ في هذه الشهادة تزكية وتعديل لهم ؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يُشهد إلا العدول من خلقه.
- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت يصلون على معلمي الناس الخير" (الترمذي 2685) وقال أيضا :" من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًى بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (أبو داود (2641) والترمذي (2682) وابن ماجة (223)
العلماء أولياء الله وحماة شرعه
والعلماء هم أو لياء الله الذين أعلن الله الحرب على محاربيهم ، حيث قال جل وعلا في الحديث القدسي : " من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب " ، قال أبو حنيفة : " إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي ". (الفقيه والمتفقه"للخطيب البغدادي(1/150)
وقال الإمام الشافعي: "إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما لله ولي" (المجموع شرح المهذب للإمام النووي (1/20)  ولهذا قال عكرمة - رضي الله عنه : " إياكم أن تؤذوا أحداً من العلماء ، فإن من آذى عالماً فقد آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  والعلماء هم حراس الدين وحماته من الابتداع والتزييف، وقد قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟!! فقال: يعيش لها الجهابذه". (اللآلئ المصنوعة للسيوطي (2/472)
ومرة أخذ هارون الرشيد أحد الزنادق ليضرب عنقه ، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له هارون الرشيد : أريح العباد منك. قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم – كلها ما فيها حرف نطق به ؟! فقال الرشيد: فأين أنت يا عدو الله من إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها نخلاً فيخرجونها حرفاً حرفاً.(تذكرة الحفاظ (1/252)
فالعلماء هم حفظة الشريعة من الشبهات و التقول فيها بالهوى والتشهي ، يقول النبي صلى الله عليه و سلم:" يحمل هذا العلم من كل خلفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " وإذا غاب العلماء عن الأمة ضلت في دينها لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" : إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)  رواه الشيخان)
قال الشافعي رحمه الله في بيان فضل العلماء :
                       ما الفضل إلا لأهل العلم إنهـــم              على الهدى لمن استهدى أدلاّء
                        وقدر كلّ امرئ ما كان يحسنه              والجاهـلون لأهل العلم أعـــداء
                        ففز بعلم تعـش حيـاً به أـــــبدا               ًالناس موتى وأهل العلم أحياء
فقدان العلماء مصيبة و خسارة
و ألا وان من أعظم المصائب التي يبتلى بها الناس  فقدان العلماء  ، لأن فقدانهم ليس فقدانا لذاتهم وصورتهم .....وإنما هو فقدان لجزء كبير من ميراث النبوة ، وهو سبب لرفع العلم النافع و انتشار الجهل الناقع.
           وما الرزية فقد مال و لا شاة تموت و لا بعير       و لكن الرزية فقد حـــر يموت بموته بشر كثيـــر
قال الله تعالى : ( أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) قال أهل العلم في تفسيرها: نقصانها من أطرافها : خرابها بموت علمائها و فقهائها و أهل الخير منها .
مقتل العلامة البوطي فاجعة عظيمة
وها هي أمة الإسلام اليوم تفقد واحدا من أجل علمائها ، وهو : العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، رحمه الله وطيب ثراه ، عاش هذا العالم مدافعا عن الشريعة الإسلامية المعظمة ، ومتصديا للطاعنين فيها ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول : " يموت كل إنسان على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه " فقد مات البوطي على ما عاش عليه ، مات هو يدافع عن الشريعة ، و هو ينتظر الصلاة ، وفي ليلة الجمعة ، في بيت من بيوت الله تعالى ، ونسأل الله تعالى أن يبعثه على ما مات عليه كما قبضه على ما عاش عليه ، آمين يارب العالمين .
وقد أكرمني الله جل جلاله أن ألازم هذا الشيخ سنتين متتاليتين ، في جماع دنكز وجامع الرفاعي وغيرهما بدمشق ، أخذت عنه خلالهما خيرا كثيرا ، وما رأيته ذكر النبي صلى الله عليه وسلم إلا وبكى شوقا إليه عليه الصلاة والسلام ، وها هو اليوم يرحل عنا إلى بارئه بعد جهاد طويل بالقلم واللسان  ، مخلفا لأمة الإسلام العديد  من المؤلفات النفيسة ، من أهمها :
ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية
محاضرات في الفقه المقارن
فجزاه الله عنا خير ما جزي داع عن دعونه
وخير ما جوزي عالم عن أمته.

بأي ذنب قتل البوطي؟؟ !!
لقد مات  الشيخ البوطي ، وتلك سنة الله في خلقه ، " كل نفس ذائقة الموت " والبقاء لله وحده ، ونحن لا ندري و لا نريد أن ندري من قتل البوطي ،  لكننا نتساءل بأي ذنب قتل البوطي ؟
*       ألأنه قال لا  للفتنة ؟ فالله تعالى يقول" واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " بل تصيب الظالمين وغريهم من الأبرياء ،  وقال تعالى : " والفتنة أكبر من القتل "وها هي نتيجة الفتنة التي طالما حذر منها البوطي :
           - عشرات الآلاف قد قتلوا من الرجال والنساء والأطفال .............
           - وأما الجرحى والمعطوبون والمعوقون فلا عداد لهم.................
           - ومدن بأكملها قد دمرت تدميرا وصارت  في خبر كان ..............
           - ولم يعد هناك أحد آمن على نفسه أو عرضه أو ماله.................
          - ويكفي في هذه الفتنة أنها كانت سببا في مقتل الأمة لعلمائها ، في بيوت ربها !!! 
                                  " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة "
 لهذا ظل البوطي يصيح بأعلى صوته : " اتقوا الفتنة .. ادرؤوها في مهدها.. كفوا أيديكم واصطلحوا مع الله ..
قدروا النتائج وانظروا في المآل.." أفيبرر هذا قتله ؟؟ ّّ   
   
*          أم قتل البوطي  لأنه قال  لا للخروج عن الحكم المسلم ؟؟ فذلك ما قرره العلماء قبله بإجماع ، فقد أجمع أهل العلم قاطبة على أنه لا يجوز الخروج عن الحاكم المسلم ، و لا تجوز مقاتلته ،  إذا كان ذلك يؤدي إلى فتنة أو مفاسد أكبر من مفاسد البقاء تحت حكم الحاكم وسلطانه  ، وهو ما قررته أصول الشريعة وقواعدها الكلية ، كأصل : " درء المفاسد مقدم على جلب المصالح " وأصل : " الضرر لا يزال بمثله و لا بما هو فوقه من باب أولى " وغيرهما من الأصول الشرعية التي على أساسها قال العلماء لا يغير منكر بمنكر مماثل ، والبوطي ليس بدعا في هذا ، أفيبرر ذلك قتله ؟؟ !!
*   أم قتل البوطي  لأنه قال أن المنشقين قد اجتهدوا ونسأل الله أن يثيبهم على اجتهادهم ؟؟ لعل هناك من الأطراف من فهم أن في هذا القول تبرير  للانشقاق  وربما تشجيع عليه  ؛ لأن صاحبه مأجور ؟!   هذا أمر معلوم في شرعنا ،فمن المقرر شرعا  أن المجتهد إذا أخطأ فله أجر وإذا أصاب فله أجران ، ثم أن البوطي هدفه واضح وهو لم شمل أمته ومحو الأحقاد من قلوبها ، لتكون صفا واحدا في وجه ما يراه مؤامرة  صهيونية تسعى إلى بسط هيمنتها على المنطقة ، وليتأتى لها ذلك عمدت إلى إشعال نار الفتنة بين أبناء الوطن الواحد ، تحت  غطاء دعوات شتى ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب ، هذا ما يراه البوطي   فهل يبرر ذلك قتله ؟؟ !!
                                                فبأي ذنب قتل البوطي  إذن ؟؟
هل خطأ العالم يبرر قتله ؟؟!!
*    ولنفرض أن البوطي قد  أخطأ في موقفه مما يحدث في بلده ، أفيبرر ذلك قتله ؟؟ كلا  ثم كلا ! فلو كان كل عالم يقتل  أو يؤخذ بخطئه أو هفوته أو زلته لما بقي على ظهر الأرض من عالم يذكر .
 والشيخ البوطي من ذوي الأيادي البيضاء والأقدام الراسخة في العلم والمعرفة . ولقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل مع المخطئين من ذوي الفضل والسوابق الحسنة ، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي بعث بكتاب إلى المشركين يكشف فيه سر جيش المسلمين  وهو في طرقه إلى فتح مكة ، فالخطأ الذي اقترفه هذا الصحابي الجليل ليس بالخطأ اليسير، إنه كشف أسرار الدولة المسلمة لأعدائها، ومع ذلك فقد عامل النبي ـ صل الله عليه وسلم ـ حاطبا ـ رضي الله عنه ـ معاملة رحيمة تدل على إقالة عثرات ذوي السوابق الحسنة، فجعل - صل الله عليه وسلم - من ماضي حاطب سبباً في العفو عنه، وهو منهج تربوي حكيم . فلم ينظر النبي - صل الله عليه وسلم - إلى حاطب من زاوية مخالفته تلك فحسب ـ وإن كانت كبيرة ، وإنما راجع رصيده الماضي في الجهاد في سبيل الله وإعزاز دينه، فوجد أنه قد شهد بدراً، وفي هذا توجيه للمسلمين إلى أن ينظروا إلى أصحاب الأخطاء نظرة متكاملة، وأن يأخذوا بالاعتبار ما قدموه من خيرات وأعمال صالحة في حياتهم، في مجال الدعوة والجهاد، والعلم والتربية ..
وأيا كان قاتلوا البوطي ؟؟!! إن كانوا يرون أنه قد أخطأ في موقفه من الفتنة ،  فهلا نظروا إلى ماضيه ، وهلا نظروا إلى ما قدمه من خدمات جليلة النفع للإسلام والمسلمين ؟ وهلا استفادوا من معاملة النبي لحاطب ؟؟!!
ألا عجبا لأمة تقتل علماءها !  وعجبا لأمة تطاول على علمائها ! وعجبا لأمة تطعن في علمائها !
الخاتمة
أيها الإخوة الأعزاء : من خلال ما قد سبق يتبين لنا
-      أن البوطي قتل مظلوما ، ومن قتله كان ظالما ، ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) . 
-      وأن مقتل البوطي جريمة شنعاء اهتز لها كياننا ، واحترقت بها قلوبنا ، وجرحت بسببها أكبادنا ، و لا جرم  أن مقتله لخسارة فادحة للإسلام والمسلمين ، تقر به أعين أعداء هذا الدين ، وإننا نحتسب الشيخ البوطي  شهيدا عند الله و لا نزكي على الله أحدا ، ونسأل الله أن يرحم شيخنا وأن يتقبله بأحسن ما يتقبل به عباده الصلحين .
 -      وإننا  اليوم أصبحنا  في آخر الزمان حقا ، إذ كل ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة – الصغرى – قد ظهر ، والتي من جملتها كثرة القتل والفتن ، قال صلى الله عليه وسلم :" يتقارب الزمان ، ويقبض العلم ، وتظهر الفتن ، ويلقى الشح ، ويكثر الهرج " قالوا : وما الهرج ؟ قال : " القتل " . متفق عليه .
فانظروا كيف ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين انقباض العلم وبين كثرة الفتة وكثرة القتل ، وبيان ذلك أن العلم إنما يقبض بموت العلماء ، وإذا قبض العلم ظهرت الفتن ، وإذا ظهرت الفتن كثر القتل ، وهو ما نراه اليوم مجسدا في واقع امتنا ، والله المستعان !
و لا ينفعنا  أمام هذه الأوضاع المؤلمة وهذه الفتن المتلاحقة  إلا عودة صادقة و سريعة إلى الله تعالى ، فاصطلحوا مع ربكم أيها المسلمون ، واستغفروه وتوبوا إليه ،  إنه هو الغفور الرحيم .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



الخميس، 21 مارس 2013

حديث عن النصر بمناسبة يوم النصر 19 مارس 1962

محامد
الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد/
مقدمة
في  التاسع عشر من شهر مارس 1962 صدر قرار بتوقيف القتال بين جيش التحرير الجزائري  والجيوش الفرنسية الغازية ، فوضعت الحرب أوزارها وتوالت البشائر بالنصر المبين ، بعد تلك التضحيات الجسام التي قدمها شعبنا في سبيل عقيدته وحريته ، فكان هذا اليوم الأغر الأزهر فاصلا بين مرحلتين ، مرحلة القهر و الاستعمار ، ومرحلة السيادة والانتصار ، و لذلك  سمي هذا اليوم بيوم النصر  .
 والنصر – أيها الإخوة - قضية عظيمة ، في سبيلها تبذل الأرواح والأموال ...و قد جبلت النفوس على محبتها والفرح والابتهاج بها ... كما قال الله تعالى: "وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ  بِنَصْرِ اللَّه" [الروم(4)]   
مفهوم النصر وأنواعه
 والنصر يعني:  الفوز والنجاح والتفوق في مختلف المجالات ، و لا يقتصر على الانتصار في المعركة فحسب ، بل يشمل انتصار  الإنسان على نفسه وشهواته ورغباته وما يحيط به من الظروف القاسية............كما يشمل انتصار  الإنسان على عدوه .  فمن انتصر على نفسه ُعد منتصراً، ومن انتصر على الظروف التي تعيق نجاحه عد منتصراً، ومن انتصر على شهواته التي تحجبه عن الله عد منتصراً، ومن انتصر على عدوه في ساحة المعركة عد منتصراً.
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
والنصر بمختلف أنواعه هو بيد الله وحده ، فليس هناك قوة في الكون تستطيع أن تمنح النصر إلا الله ، قال تعالى :"وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ " " فأي نصر و أي نجاح و أي تفوق في الأرض لا يتحقق إلا بتوفيق من الله تعالى ، فمن نصره الله فلا غالب له ، ومن خذله الله فلا ناصر له ، قال تعالى: " إ ِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ"
عوامل النصر
حقا أن النصر من عند الله وحده ، ولكن  له أسباب وعوامل ؛  فتى وجدت تلك الأسباب تحقق النصر بإذن الله تعالى ، ومن أسباب النصر وعوامله :
1الإيمان الصادق والعمل الصالح. يقول الله تعالى : "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا "[النور(53)]    ففي بداية الآية قال تعالى:"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" ثم قال:      " َعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا "  وإذن : فلابد من إيمان صادق و لابد عمل صالح و لا بد من إخلاص العبودية لله وحده ليتحقق وعد الله بالنصر والتمكين.
2 التوكل على الله والاستنصار به . مثلما كان يفعل نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ففي غزوة بدر استقبل الْقِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ و جَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّه  قائلا:ِ "  اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ" فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ وستغيثه ، وَ يدَاه ممدودتان إلى السماء حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ...والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حينما استغرق في التضرع والاستغاثة لم يكن شاكا في تحقق ما وعده الله به من النصر ، وإنما ليبين لأمته أن التضرع لله والاستنصار به  هو وظيفة ينبغي أن يقوم بها المسلم في سائر أحواله .
3  الصبر والثبات والإكثار من ذكر الله .  فالنصر لا يمكن أن يتحقق إلا بعد الابتلاءات والتمحيص ، فإذا صبر المؤمنون وثبتوا  جاءهم  نصر الله ، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا..." [الأنفال(46)]. و قال سبحانه وتعالى : "فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ"[ الأنفال (67)] فاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ، و من كان الله معه فلا غالب له .
4   الائتلاف وعدم الاختلاف. وهذا عامل هام ؛ لأنه إذا كانت الأمة مفرقة ومشتتة ، فلن يكون النصر حليفها أبدا، وهو ما أشارت إليه الآية الكريمة : "و لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"( الأنفال47) أي ؛ تذهب هيبتكم وقوتكم .
5  إعداد العدة والأخذ بالأسباب . قال الله: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ..." ( الأنفال61)  فكل ما تستطيع إعداده  من أسباب القوة، فأعده صغيراً كان أو كبيراً.
لكن الناظر إلى أحوال المسلمين اليوم يجد أنهم قد ضيعوا كل هذه الأسباب التي أشرنا إليها ، إلا من رحم الله وقليل ما هم ، لذلك لا بد من مراجعة دقيقة لأنفسنا وأحوالنا ، لأننا بتركنا لهذه الأسباب موقوفون على الخطر ؛فالنصر كما نسعى ونضحي من أجل تحقيقه ،  يجب أن نسعى – أيضا – إلى المحافظة عليه بعد إحرازه ، وذلك بأن نحقق هذه العوامل والأسباب في أنفسنا وواقع حياتنا .
موانع النصر
واعلموا - أيها الإخوة الأعزاء - أن النصر كما له أسباب ، فإن له موانعا تمنع حصوله ، أو تمنع استمراره بعد إحرازه ، منها :
1 معصية الله تعالى . قال جل ثناؤه – على لسان أحد أنبيائه - : " قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ"( هود62) و معنى ذلك أن الإنسان إذا عصى الله عز وجل، فمعصيته لله عز وجل تمنع عنه النصر. وقد فقه الصحابة الكرام هذه الحقيقة جيدا ، فكانوا يتواصون بالاحتراز من المعاصي أكثر من الاحتراز من العدو ، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي سعد بن أبي وقاص ومن معه من الجند فيقول له: "أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي، فإنها أضرُّ عليكم من عدوكم، وإنما تُنصرون بمعصية عدوكم لله، فإن استويتم معه في المعصية، كان لهم الفضل عليكم بالقوة ". 
  2 الغرور والاعتداد بالذات . قال تعالى : " لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " ( التوبة 25) فالإنسان حينما لا يفتقر إلى الله و لا يخضع له، وحينما يعجب بنفسه و يعتدُّ بقوته و بماله، فإن هذا الاعتداد و هذا العجب و هذا الغرور  يمنع عنه النصر، (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) و بالمقابل: " وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " (آل عمران 123)                                     
 3  الركون إلى الظلمة ."وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ "( هود 113)ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) إذا ركن المسلمون  إلى الكافرين أي مالوا إليهم واطمأنوا إلى عقيدتهم و  مبادئهم و قيمهم  و أفكارهم و نمط سلوكهم ....وتشبهوا بهم وقلدوهم..........فالنتيجة :  أنك متى  ركنت إلى الكافر مستك النار  ولن تنصر أبدا .
فانظروا إلى أولاد المسلمين اليوم  كيف راحوا يسارعون إلى تقليد الكافرين ، شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلوه معهم ، كما تنبأ بذلك الصادق المصدوق ، وهذا عين الركون إلى الظلمة ، والنتيجة : غير خافية عليكم ، فقد أصبح المسلمون اليوم كالأيتام على مأدبة اللئام ................................!! والله المستعان .
4  عدم الإنابة إلى الله . (وهي الرجوع إلى الله والتوبة إليه والاستسلام لأمره) قال تعالى :  "وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ "( الزمر51) فإن لم نرجع إلى الله ، و لم نستسلم لأمره ، سيأتينا العذاب بغتةً ( فجأة ) ثم لا ننصر .
والبلايا التي تصيب المسلمين في أنفسهم وأهليهم وأموالهم وأوطانهم لا تخرج عن أحد الأمرين :
- أولهما : أن تكون اختبارا  وتمحيصا ، وهذا أمر لا بد منه في الحياة ، فهو سنة جارية ، " ألم  أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ " (العنكبوت 1-2)وإنما يتميز الصادق عن الكاذب بالاختبار والتمحيص . 
- والثاني : أن يكون ذلك عقابا لهم بسبب ما اقترفوا من المعاصي ، وهو ما أشار إليه الباري جل جلاله بقوله : "وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ "( الشورى28)
الختام
 وخلاصة الخطاب أيها الإخوة :أن النصر من عند وحده ، فمن نصره الله  فلا غالب له ومن خذله فلا ناصر له ، وقد جعل الله أسبابا  لحصول النصر ، كما جعل له موانعا  تمنع من حصوله أو استمراره بعد إحرازه .
                                                               أما أسبابه فمنها :
 الإيمان الصادق والعمل الصالح  ------ والتوكل على الله والاستنصار به -------- والصبر والثبات والإكثار من ذكر الله --------- ووحدة الصف وعدم التنازع    ------- و إعداد العدة والأخذ بالأسباب .
وأما موانعه فمنها : 
معصية الله تعالى والانحراف عن منهجه -------- والغرور والاعتداد بالذات ------ والركون إلى الظلمة------ و عدم الإنابة إلى الله تعالى.

ومن خلال ما سبق يتبين لنا أن شعبنا و مجاهدينا في ثورة التحرير المباركة قد أخذوا بأسباب النصر واتقوا موانعه ، فاستحقوا بذلك نصر الله وتأييده ،  فلله الحمد والمنة على نعمة النصر والحرية والسيادة ، ورحم الله شهداءنا الأبرار الذين قدموا أرواحهم فداء لدينهم وشعبهم و وطنهم  ، وكونوا يا أبناء اليوم خير خلف لخير سلف  ، وحافظوا على النصر الذي حققه آباؤكم وذلك بالمحافظة على أسبابه واتقاء موانعه .  " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )" الأحزاب 71( هذا وصلوا وسلموا على رسول الله امتثالاً لأمر الله وتعظيما ، حيث أمركم بذلك فقال تعالى ولم يزل قائلا  عليمًا ، وآمرا حكيما : " إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ]الأحزاب: 56 [ اللهم صلّ وسلم وبارك على نبينا محمّد صاحب الحوض والشفاعة، وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن سادتنا الفضلاء : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى بوم الدين .اللهم وفق المسلمين إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم ، واجمع كلمتهم على الحق والدين ، وأمنا اللهم في أوطاننا ، ووحد بين صفوفنا ، ووفق ولاة أمورنا إلى ما تحبه وترضاه ، وانصرنا على من عادانا ، وكنا لنا و لا  تكن علينا ،وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.