......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الاثنين، 10 مارس 2025

حكم الفطر في رمضان لمن لم يجد مشقة في سفره

 سأل سائل عمن يسافر في سيارة مكيّفة ولا يجد مشقة في سفره فهل يجوز له الفطر في رمضان؟

الجواب:

أجمع الفقهاء على جواز الفطر للمسافر؛ لقوله تعالى: "فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ"(1).

وجواز الفطر للمسافر ليس معللا بالمشقة في السفر، بل يجوز له الفطر وإن لم يجد مشقة في سفره؛ لأن الشارع الحكيم ربط الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة، والمشقة من الأوصاف المضطربة، لكونها تتغير من شخص إلى شخص، ومن زمن إلى آخر؛ لذلك لم تعلّق بها رخصة إباحة الفطر في السفر، وإنما عُلقت بعين السفر بشروطه المعلومة، ونظير ذلك تعلق سنة قصر الصلاة بالسفر لظهوره وانضباطه، لا بالمشقة لاضطرابها وتغيرها؛ وكذلك تعلق فريضة الغُسل بالإيلاج لا بالإنزال؛ لظهور الأول وخفاء الثاني..

ولذلك فلا خلاف بين أهل العلم في إباحة الفطر للمسافر، ولو لم يجد مشقة في سفره، وإنما اختلفوا هل الصوم أفضل له أو الفطر؟ وفي المذهب ثلاثة أقوال:

الأول: أن الصوم أفضل لمن قوي عليه، وهو قول مالك في المدونة وهو المشهور، ودليله قوله تعالى:"وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ"(2). ولأن الإتيان بالفروض في أوقاتها أفضل، فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال؟ فقال: "الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا"(3)؛ فنبه بذلك على فضيلة المبادرة إلى أداء الفروض(4).

 والثاني: ذهب عبد الملك بن الماجشون إلى أن الفطر أفضل في السفر، ومن أدلة هذا القول، قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر الصوم في السفر"(5). ومفهومه أن الفطر في السفر أفضل للصائم(6). وهو مذهب الشافعية والحنابلة(7). 

والثالث: أنه مخير بين الفطر والصوم دون أن يكون لأحدهما مزية على الاخر، وهو قول مالك في مختصر عبد الحكم في سماع أشهب(8). ودليله قوله صلى الله عليه وسلم:"إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ"(9).

ومحل الخلاف المتقدم إنما هو إذا لم يكن السفر لجهاد، وإلا تعينت أفضلية الفطر لأجل القوة.

والاختيار من الأقاويل المتقدمة أن الصوم أفَضل لمن قوي عليه، وأن الفطر أفضل لمن يشق عليه الصوم، أو خشي أن يلحقه ضرر بسبببه، ويؤيده ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال:"كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا، فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ"(10).

والله أعلم

الهوامش

(1) البقرة 184

(2) البقرة 174

(3) رواه البخاري في صحيحه رقم 7534

(4) شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب 1/ 260.

(5) رواه مسلم في صحيحه رقم 90 - (1114)

(6) انظر بداية المجتهد لابن رشد 2/ 58. ومناهج الحصيل لأبي الحسن الرجراجي 2/ 81

(7) الحاوي الكبير للماوردي 3/ 446. والمغني لابن قدامة. 3/ 158

(8) التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب لخليل 2/ 444. ومناهج الحصيل لأبي الحسن الرجراجي 2/ 80.

(9) متفق عليه. صحيح مسلم رقم 103 - (1121). صحيح البخاري رقم 1943

(10) رواه مسلم في صحيحه رقم 1116

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق