هذا التساؤل يطرح بكثرة، وقد حفظت فيه فتوى عن شيخنا أحمد إدريس عبده رحمه الله تعالى، وقدمتها مقرونة بأدلتها في ملتقاه الأول بولاية ميلة، سنة 2015م ضمن محاضرة بعنوان: (منهـج الفــتـوى عند الشيخ أحمد إدريس عبده). وهي منشورة على مدونتي الالكترونية على هذا الرابط:
(http://laidbenzetta.blogspot.com/2015/04/blog-post_7.html ).
وقد
ارتايت أن أعيد نشر هذه الفتوى مستقلة عن المحاضرة، عسى أن يجد فيها السائلون بغيتهم.
استفتاه رحمه الله أحد
المعلمين من بلدية المشيرة عن حكم القرض الربوي لبناء أو شراء مسكن،
وقد كنت حاضرا في مجلس الفتوى، فأجابه رحمه الله بقوله:
(إذا
كان ذلك للتوسع في المشاريع والسكنات ونحوها.. فهذا لا يجوز، وإن كان الشخص لا
يملك مسكنا، أو يملك مسكنا غير لائق كمسكن قصديري وسط حي حضري راق؛ فتجوز له هذه
الاستدانة، بقدر ما يحتاج إليه في ذلك، على ألا يلجأ إلى ذلك إلا بعد استنفاد
كل الوسائل المشروعة، وأن ما يأخذه البنك من نسبة واحد بالمائة هو مقابل ما يقدمه
البنك من خدمات للزبون).
وإذا عرضنا هذه الفتوى
على قانون الشرع نجد أنها لا يصح أن تبنى على أصل: (الضرورات
تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها)؛ لأن
الضرورة عند المحققين من أهل العلم واقعة في أشد المراتب احتياجا، بحيث يخشى
معها هلاك النفس، وذلك لا يتصور في المسألة المطروحة.
وبالرجوع إلى كتاب فقه
المعاملات للشيخ إدريس رحمه الله تعالى نجده ينبه هو الآخر إلى هذه القضية فيقول:
(والمسلم
يعرف إن كان مضطرا إلى أكل الربا فيحل له تناوله ، فيكون مثله مثل أكل
الميتة ولحم الخنزير ونحوهما ، وإن لم يكن مضطرا هكذا لم يحل له)[1].
وإذن: فمبنى هذه
الفتوى – والله أعلم - على أصل التيسير ورفع الحرج، ومنه قاعدة: (الحاجة
تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة).
فإذا كانت الضرورة
هي الحالة الملجئة إلى مالا بد منه، فإن الحاجة هي الحالة المفتقر إليها من حيث
التوسعة ورفع الضيق المؤدي غالبا إلى الحرج والمشقة المترتبة على فوات المطلوب.
لكن هذا الأصل غير كاف وحده
لإباحة محظور في حجم الربا؟ بالنظر إلى غلبة المفسدة في هذا
الأخير، وتعلق المشقة بالحاجيات دون الضروريات.
وحسب
معرفتي بالشيخ أن له سندا
آخر اعتمد عليه؛ لتقوية جانب درأ المشقة وجلب التيسير، وهو عموم الحرام في
القروض، فللعلماء موقف معلوم من هذه المسألة.
قال سلطان العلماء في
قواعد الأحكام في مصالح الأنام:
(إذا
عم الحرام بحيث لا يوجد حلال فلا يجب على الناس الصبر إلى تحقق الضرورة ، لما يؤدي
إليه من الضرر العام)[2].
و جاء في النوازل الكبرى
للمهدي الوزاني أن الفقيه بن عيشون خاف على زرعه فاستأجر
عليه إجارة فاسدة حين لم يجد الجائزة، ثم قال:
(ومثله
لو عم الحرام في الأسواق ولا مندوحة – أي لا بديل - عن ذلك)[3].
وقال ابن القيم:
(تحريم ربا الفضل إنما
كان سدا للذريعة.. وما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة... وكذلك ينبغي أن
يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها لأن الحاجة تدعو إلى ذلك وتحريم
التفاضل إنما كان سدا للذريعة، فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع، ولا تتم مصلحة
الناس إلا به أو بالحيل والحيل باطلة)[4].
فإباحة
ابن القيم لربا الفضل إذا دعت إليه الحاجة أساسها أن مصلحة الناس تفوت من دون ربا
الفضل.
ومن
خلال ما تقدم تكونت لدينا ثلاثة جوانب هي:
1-
درء المشقة وجلب التيسير.
2-
عموم الحرام في القروض.
3- فوات مصلحة الناس دون ذلك.
فلربما تكون من هذه الجوانب الثلاثة في ذهن الشيخ رحمه الله ما يشبه المعضدات أو الشواهد التي يقوي بعضها بعضا، فكان ذلك كافيا في نظر الشيخ لإصدار هذه الفتوى، وهذه – ولا شك - عبقرية فذة في صناعة الإفتاء لا تتأتى إلا لمن خبر أسرار التشريع وأدرك مراميه وتمرس أقوال الفقهاء في التعامل مع أسلوب الشريعة وتصرفاتها.
أما
جزئية المسألة التي ذكرها الشيخ فيمن: (يملك
مسكنا غير لائق كمسكن قصديري وسط حي حضري راق).
فمبناها
- بالإضافة إلى ما ذكر - على مراعاة الأعراف السائدة وعلى فقه الواقع أيضا، فهو قد
راعى هذا الجانب لا لكونه مبررا لإباحة المحظور؛ إذ لا عبرة بالعرف في مورد
النص والإجماع والقياس المعتبر، وإنما نظر إلى ذلك لتصور المشقة وتكييفها،
وأنها تكون مادية ومعنوية أيضا.
والمشقة
المقصودة إنما هي المشقة المعتبرة الخارجة عن الاعتياد من غير قصد ولا هوى،
وهي - على الرغم من اعتبارها – ليس لها ضابط محدود شرعا ولا لغة [5]. لأنها من الأوصاف المضطربة، التي تتغير من زمن إلى زمن و
من شخص إلى آخر، و من القواعد المشتهرة عند الفقهاء:
(أنُ
مَا لَا ضابط لَهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى
الْعُرْفِ).[6].
وقال الشيخ رشيد رضا رحمه
الله:
(فَالرُّجُوعُ إِلَى الْعُرْفِ
فِيمَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ، وَمَا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ضَرُورِيٌّ لَا
بُدَّ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِمُعَاشَرَةِ النَّاسِ وَتَعَرُّفِ
شُئُونِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، وَقَدْ كَثُرَتِ الدَّوَاهِي فِي آرَاءِ الْفُقَهَاءِ
الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّذِينَ يَجْهَلُونَ أَمْرَ الْعَامَّةِ، وَرَحِمَ اللهُ
مَنْ قَالَ: الْفَقِيهُ هُوَ الْمُقْبِلُ عَلَى شَأْنِهِ الْعَارِفُ بِأَهْلِ
زَمَانِهِ).[7].
فالشيخ إدريس رحمه الله
قد راعى الجانب المعنوي إضافة إلى الجانب المادي في المشقة، رابطا فتواه بواقع
الناس ومشكلات عيشهم، وقد قال رحمه الله في هذا الصدد:
(والمفتي
البصير هو الذي يكون واعيا للواقع حتى يربط فتواه بحياة الناس، فهو لا يكتب نظريات
ولا يلقي فتواه في فراغ.. وبدون معرفة الناس ومعايشتهم في واقع حياتهم ومشكلات
عيشهم يقع المفتي في متاهات أو يهوم في خيالات، ويظل هو في واد والناس في واد ،
فهو لا يعرف إلا ما يجب أن يكون دون ما هو كائن، مع أن الواجب شيء و الواقع شيء
آخر).[8].
وبناء على ذلك رأى أن المسكن
القصديري – كما قال – وشبهه إذا كان في وسط حي حضاري راق، يعتبر السكن فيه مشقة معنوية تنعكس آثارها على نفسية رب الأسرة وزجته وأولاده، فيباح له الاقتراض
الربوي لهذه العلة، وما صحبها من علتي: عموم الحرام في القروض، وفوات مصلحة فريق
من الناس من دونها.
وفُهم من كلامه أنه إذا
كان المسكن القصديري في ريف أو وسط أحياء كلها قصديرية، فلا يباح له الاقتراض
الربوي؛ لانتفاء ما ذكرنا من المشقة المعنوية.
هذا ما تبين لي في شرح
فتوى الشيخ رحمه الله والمستندات التي ارتكز عليها.
والله تعالى أعلى وأعلم
الهوامش
[1] فقه المعاملات للشيخ إدريس ص 287
[8] محاضرة للشيخ بعنوان : الفتوى أهميتها وضوابطها وأسباب الإنحراف فيها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق