......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

السبت، 1 فبراير 2025

حكم الحصول على عمل عن طرق الرشوة؟

 كثيرا ما يسأل بعضهم عن حكم الحصول على عمل عن طرق الرشوة.

والجواب:

أولا: حكم الرشوة

لا خلاف بين أهل العلم في حرمة الرشوة، وأنها من كبائر الذنوب؛ وقد دلت على تحريمها أدلة عديدة منها:

1- قوله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[1].

والرشوة من أكل أموال الناس بالباطل، وهي عين الإدلاء بالأموال إلى الحكام لأخذ حقوق الغير.

2- وقوله تعالى في شأن اليهود: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)[2].

قال القرطبي لدى تفسيرها: (السُّحْتُ الرُّشَا. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رِشْوَةُ الْحَاكِمِ مِنَ السُّحْتِ. وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ بِالسُّحْتِ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا السُّحْتُ؟ قَالَ: (الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ). وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: السُّحْتُ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ حَاجَةً فَيُهْدِيَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً فَيَقْبَلُهَا. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ: مِنَ السُّحْتِ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِجَاهِهِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ جَاهٌ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيَسْأَلُهُ إِنْسَانٌ حَاجَةً فَلَا يَقْضِيهَا إِلَّا بِرِشْوَةٍ يَأْخُذُهَا. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ السَّلَفِ أَنَّ أَخْذَ الرِّشْوَةِ عَلَى إِبْطَالِ حَقٍّ أَوْ مَا لَا يَجُوزُ سُحْتٌ حَرَامٌ)[3].

3- قوله صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا»[4].

ثانيا: حقيقة الرشوة

عرّفها كلٌّ من الدردير والخَرشي رحمهما الله بقولهما:

(أَخْذُ الْمَالِ لِإِبْطَالِ حَقٍّ أَوْ تَحْقِيقِ بَاطِلٍ)[5].

وعقب العدوي على هذا التعريف بقوله: (أَيْ أَوْ دَفْعُهُ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِمَا مَعًا).

وعقب عليه الدسوقي بقوله: (لَا مَفْهُومَ لَهُ؛ بَلْ أَخْذُ الرِّشْوَةِ حَرَامٌ وَجُرْحَةٌ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ لِتَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِ بَاطِلٍ، وَإِنَّمَا التَّفْصِيلُ فِي دَفْعِهَا لَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الدَّفْعُ لِأَجْلِ تَحْقِيقِ حَقٍّ أَوْ إبْطَالِ بَاطِلٍ جَازَ، وَإِنْ كَانَ لِتَحْقِيقِ بَاطِلٍ أَوْ إبْطَالِ حَقٍّ حَرُمَ).

وبناء على ذلك يتبين لنا ما يلي:

1- يحرم أخذ الرشوة مطلقا، ولا تصح توبة آخذها إلا برد ما أخذه لأصحابه إن أمكنه ذلك، وإلا رده إلى ورثتهم، فإن لم يجدهم تصدق به عليهم؛ لأن ما أخذه له جهة معينة فلا تبرأ الذمة إلى بتأديته إليها.

2- يحرم دفع الرشوة لأخذ ما لا يستحقه، فإن حصل على عمل لا يستحقه بالرشوة، كأن شارك في مسابقة مع ألف، ولو لم يدفع الرشوة لما نجح، فهذا له حالتان:

الأولى: إن كان غير مؤهل لذلك العمل، فإن راتبه يكون حراما أيضا، ولا تصح توبته إلا بترك ذلك العمل، والتصدق بما حصله منه أو صرفه في المصالح العامة؛ لأنه في هذا الحال– علاوة على أكل السحت- يكون غاشا للمجتمع وخائنا للأمانة ومضرا بغيره.                          

والثانية: إن كان مؤهلا لذلك العمل:

- فإن لم يكن له مصدر للاسترزاق فيُرجى أن تصح توبته مع استمراره في ذلك العمل، سواء كان جاهلا بالحكم أو عالما به ولكن غلبته نفسه ثم ندم، وليكثر من التوبة والاستغفار والصدقة والتفاني في إتقان عمله؛ لأن عمله في هذه الحال لا يتعلق به حق لمعين، وتركه للعمل يترتب عليه الضيق والحرج، وفي ذلك فوات مصلحة حاجية، والمصلحة الحاجية مقدمة على المصلحة التحسينية المتعلقة بالأكل من الطيبات؛ فيُصحح عمله ما أمكن بما ذكرنا من التوبة والاستغفار والصدقة وإتقان العمل.

- وإن كان له مصدر يسترزق منه وأولى إن كان غنيا فالأحسن له أن يترك العمل الذي حصل عليه بالرشوة استبراء لدينه واتقاء للشبهات؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)[6]. وقوله صلى الله عليه وسلم: (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ..)[7].

3- أن من له حقا من عمل أو سكن ونحوهما واستنفد كل الطرق المشروعة للحصول عليه، ولم يستطع إلا بدفع الرشوة جاز له دفعها، ويكون الإثم على الآخذ وحده. قال الخرشي: (وَأَمَّا دَفْعُ الْمَالِ لِإِبْطَالِ الظُّلْمِ فَهُوَ جَائِزٌ لِلدَّافِعِ، حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ)[8].

الهوامش

1- البقرة188

2- المائدة42

3- تفسير القرطبي6/183               

4- رواه الحاكم النيسابوري في مستدركه رقم7068

5- الشرح الكبير للدردير 4/181. وشرح مختصر خليل للخرشي1/193

6- رواه النسائي في الكبرى 5201

7- الآداب للبيهقي رقم 829

8- شرح مختصر خليل للخرشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق