وجوب الإفتاء بالمشهور ومسوغات وضوابط العدول عنه
(تحريم الزوجة وإخراج الفطرة نقودا والسدل في الفريضة أنوذجا)
المقرر عند فقهاء المذهب المالكي أنه لا يُفتى بخلاف المشهور، وقد تنوعت كلمتهم في تحديد معناه، والمستخلص من كلامهم، أنه:
(القول
الذي اشتهر على ألسنة الفقهاء في الأمصار؛ لرجحانه وقوته، وأغنت شهرته عن ذكر
دليله).
وهو
المراد بقول خليل في مقدمة مختصره: (مُبَيِّنًا
لِمَا بِهِ الْفَتْوَى). أي الذي تجب به
الفتوى.
قال
الحطاب في مواهب الجليل32/1
(وَاَلَّذِي
يُفْتَى بِهِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَالرَّاجِحُ، وَلَا تَجُوزُ الْفَتْوَى وَلَا
الْحُكْمُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ وَلَا بِغَيْرِ الرَّاجِحِ، وَذُكِرَ عَنْ
الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَمَا أَفْتَى بِغَيْرِ
الْمَشْهُورِ).
لكن
هذا الذي ذكروه ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بأن لا يؤدي الإفتاء بالمشهور إلى
تفويت مصلحة راجحة، أو الوقوع في مفسدة راجحة، فإن أدى إلى ذلك عُدل عن الإفتاء
به، إلى الإفتاء بما يحافظ على مقصود الشرع في رعاية مصالح المكلفين ودرء الفساد
عنهم؛ لأن المفتي - كما قال الشاطبي- قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم
في تبيين أحكام الشريعة؛ فينبغي أن يكون تبيينه للأحكام ملائما لما عهده من تصرفات
الشريعة وأساليبها في رعايتها للمصالح، ولو التزم الإفتاء بما يفوت المصلحة أو
يوقع في المفسدة لناقض الشريعة في مقاصدها.
ومن
أمثلة ذلك:
-1 من حرّم زوجته فالمشهور أن هذا التحريم يقع
طلاقا ثلاثا في المدخول بها، فلا تحل له بعدئذ حتى تنكح زوجا غيره، ولكن لو
التزمنا الفتوى بالمشهور في هذه المسألة ونظائرها لشتتنا شمل الكثير من الأسر، ولا
يخفى ما في ذلك من فساد كبير، تتعدى آثاره إلى الأولاد والمجتمع برمته؛
ولذلك فالملائم لمقصود الشرع أن يفتى في هذه المسألة ونظائرها بمقابل بالمشهور، بأنها طلقة واحدة رجعية كما قال ابن الماجشون، أو بائنة بينونة صغرى كما اختار الونشريسي والأندلسيون، ففي كلا القولين المقابلين للمشهور ما يدرأ الفساد عن الأسرة ويصون مصالحها.
2- من أخرج زكاه
فطره نقودا فالمشهور أنها لا تجزئه، لكن لو التزمنا الفتوى بالمشهور في هذه
المسألة لفوتنا مصلحة الفقير، التي أمر الشرع برعايتها، وتفصيل ذلك مبثوث في
مواضعه، ولذلك عدل فقهاء المذهب المعاصرين عن الافتاء بالمشهور في هذه المسألة،
إلى الإفتاء بمقابله الذي ينص على الإجزاء، وهو قول ابن القاسم وابن حبيب واللخمي
وابن رشد والعدوي وفاقا لأبي حنيفة.
ومن
خلال ما تقدم يتبين أن العدول عن الإفتاء بالمشهور ليس متاحا لكل من هب ودب، بل هو
من اختصاص الفقهاء وحدهم، كما أنه ليس مطردا في سائر الأحوال، بل هو عبارة عن
استثناء تفرضه الظروف الطارئة، وفق عملية اجتهادية دقيقة، منضبطة بقواعد أصولية
ومقاصدية متعاضدة، دائرة في فلك أصل اعتبار المآل وما تفرع عنه من قواعد
كالاستحسان ومراعاة الخلاف.
أما
إذا لم يكن الإفتاء بالمشهور مؤديا إلى ما ذُكر، من تفويت مصلحة راجحة أو الوقوع
في مضرة محققة، فلا تجوز الفتوى بخلافه كما نص فقهاء المذهب، ومن هنا يتبين لنا
مدى الخطأ الذي وقع فيه بعضُهم، حينما قالوا بما أننا قد خرجنا عن المشهور في
مسألة الفطرة ونحوها، فلماذا نتعصب له في بقية المسائل الأخرى، كمسألة استحباب
السدل وكراهة القبض في الصلاة؟
فهذا
التعلل لا يصح ولا يصدر من ذي علم؛ لأن التزام الافتاء المشهور في مسألة استحباب
السدل وكراهة القبض في الفريضة لا يُتصور فيه تفويت مصلحة ولا ترتب مفسدة، ومن ثم
فلا مسوغ للعدول عن الفتوى بخلافه كما في المسائل المتقدمة.
وكما
ينافح بعض المتخصصين عن بيان الآراء الموجودة في المذهب ككون القبض من المذهب،
فإنه يجب عليهم أمانة أن لا يتجاوزوا المشهور إلا لمسوغ شرعي، لأن المشهور هو
الأصل الذي تجب به الفتوى، فالواجب شرعا وديانة إظهار أدلته وبيان مدركه، بدل
الإسهام في طمسه أو تسفيهه.. ولوأُطلق القول بالعدول عن المشهور في كل مسالة لأدى
ذلك إلى تمييع المذهب ونقضه من جذوره مع طول الزمن.
وإنه
لمن التناقض أن يلومنا البعض عن ترك المشهور في إخراج القيمة في الفطرة رغم
مبرراتها الشرعية، ثم يدعونا إلى تركه في السدل من غير مبرر شرعي.
فإن
قيل: بل له مبررات وهي ما ثبت في عدة أحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي
بالقبض، فيكون ما شُهّر من السدل مخالفا لهديه صلى الله عليه وسلم؟
فالجواب:
أن تلك الأحاديث لم تغب عن مالك وصحبه، بل هم أعلم بها منا، وقد قابلوها بأحاديث
السدل، كحديث معاذ بن جبل: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ رَفَعَ يَدَيْهِ قُبَالَةَ أُذُنَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ
أَرْسَلَهُمَا).
ثم
حملوا أحاديث القبض على أنه صلى الله عليه وسلم قد صلى بالقبض في بادئ أمره، ثم
تركه وصلى بالسدل حتى توفاه الله، والدليل على ذلك أمور منها:
-1 ما
رواه مالك في الموطأ عن سهل بن سعد الساعدي قال: (كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ
يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلاَة).
وجه
الاستدلال:
لو
لم يكونوا يصلون بالسدل في بادئ الأمر لما أُمروا بالقبض، وما كانوا ليسدلوا لو لم
يروا النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (صَلُّوا
كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي).
-2 ما
رواه ابن القاسم عن مالك في المدونة أنه قال في القبض: )لَا
أَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ وَكَانَ يَكْرَهُهُ، وَلَكِنْ فِي النَّوَافِلِ
إذَا طَالَ الْقِيَامُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ يُعِينُ بِهِ نَفْسَهُ(.
ووجه
الاستدلال:
أن مالكا رحمه الله كان أعلم الناس بعمل أهل المدينة، المتوارث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نص على أنه لا وجود للقبض في العمل المديني، ولو كان القبض شأنه صلى الله عليه وسلم وشأن أصحابه لنُقل في العمل المديني، كما نُقلت سائر شؤونه الأخرى، فدل ذلك على أن السدل كان آخرَ أمره صلى الله عليه وسلم، وأن القبض الذي أمروا به في حديث الموطأ المتقدم وغيره يحتمل أن يكون قد نُسخ.
ومن
هذا المنطلق قرر فقهاء المذهب استحباب السدل وكراهة القبض، قال سيدي خليل عاطفا
على مستحبات الصلاة: (وَسَدْلُ يَدَيْهِ).
ثم تنوعت كلمتهم في علة كراهة القبض:
- فقيل:
لمخالفته للعمل المديني كما تقدم.
- وقيل:
لكونه مظنة لإظهار الخشوع الذي تعوذ منه النبي صلى الله عليه وسلم.
-
وقيل: لكون ذريعة لاعتقاد
وجوبه.
- وقيل:
لكونه ذريعة للاعتماد وهو المعتمد.
وعلى
التعليل الأخير يكون القبض جائزا في االنفل لجواز الاعتماد فيه.
وأما
على التعليلات الثلاث الأولى فيكره في الفرض والنفل معا.
ولم
ينص سيدي خليل على العلة الأولى وإنما نص على الثلاثة المتبقية فقال:
(وَهَلْ
كَرَاهَتُهُ فِي الْفَرْضِ لِلِاعْتِمَادِ أَوْ خِيفَةَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ أَوْ
إظْهَارَ خُشُوعٍ؟ تَأْوِيلَاتٌ).
كما
أشار إلى الخلاف المذهبي في جوازه في النفل فقال: (وَهَلْ يَجُوزُ
الْقَبْضُ فِي النَّفْلِ أَوْ إنْ طُوِّلَ....؟ تَأْوِيلَاتٌ).
والله
أعلم
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق