سأل سائل عن رجل كان يجامع زوجته وهي مكرهة في كل رمضان، لأكثر من عشر سنوات، وقد توفي وزوجته لا تزال حية، والآن أبناؤه يسألون كيف يكفرون عنه؟ وهل على الزوجة المكرهة كفارة؟
الجواب:
من تعمد الجماع في نهار رمضان تجب عليه الكفارة مع القضاء، سواء جامع زوجته أو أمته إجماعا، أو جامع أجنبية باتفاق الفقهاء إلا من شذ قوله[1].
والأصل في إيجاب الكفارة بالجماع عمدا ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟، قَالَ: لاَ، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟. قَالَ: لاَ، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالعَرَقُ المِكْتَلُ - قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا - يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ)[2].
وإذا طاوعته زوجته على الجماع باختيارها فتجب عليها الكفارة مع القضاء هي الأخرى.
وإذا جومعت مكرهة كما في السؤال فعليها القضاء دون الكفارة، وعلى واطئها أن يكفر كفارتين، إحداهما عن نفسه والثانية نيابة عمن وطئها مكرهة على المشهور[3]. وكذلك من جومعت نائمة على المعتمد[4].
واختُلف في المذهب فيمن أكره زوجته على القبلة أو المباشرة حتى أنزلا معا، فقيل: يكفر عن نفسه فقط، وقيل: بل يكفر عنه وعنها، ففي مختصر سيدي خليل: (وَفِي تَكْفِيرِهِ عَنْهَا إنْ أَكْرَهَهَا عَلَى الْقُبْلَةِ حَتَّى أَنْزَلَا تَأْوِيلَانِ)[5].
ولا كفارة على من جامع ناسيا في المشهور خلافا لابن الماجشون[6]؛ لأن الكفارة معللة بالانتهاك لحرمة الشهر الفضيل، ولا انتهاك مع النسيان.
والكفارة ثلاثة أنواع: تَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا؛ لما روي عن أبي هريرة:
(أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا)[7].
والمكفر مخير بين الأنواع الثلاثة المتقدمة؛ قياسا على كفارة اليمين[8]، ولأن العطف بحرف (أو) في حديث أبي هريرة المتقدم يقتضي التخيير لا الترتيب.
إلا أن الإطعام أفضل الأنواع الثلاثة لعموم منفعته على المشهور خلافا لابن حبيب[9]. وهو المتعين في مسألتنا؛ لعدم وجود العبيد في عصرنا، ولفوات الصوم بالوفاة.
ويطعم عن كل يوم أفطره ستين مسكينا، لكل مسكين مد، والمد: ملء اليدين المتوسطتين، لا مقبوضتين ولا مبسوطتين. ويقدر وزن المد الواحد بنصف كيلو غرام من القوت الغالب لأهل البلدة، والمعتبر في الإطعام مادته الخام، وفي إجزاء التكفير بقيمة الإطعام خلاف بين الفقهاء، والقول بالإجزاء أقرب إلى روح الشريعة ومقاصدها، وهو المفتى به في بلادنا، وقيمة المد الواحد أربعون دينارا لهذا العام.
وتعدد المساكين شرط فلا يجزئ أن يطعم عن يوم واحد ثلاثين مسكينا لكلل مسكين مدين، ولا أن يطعم مسكينا واحدا ستين يوما، أو يطعمه أمدادا كثيرة كل مد عن يوم من أيام رمضان واحد؛ لأن كفارة الرمضان الواحد ككفارة اليمين الواحدة، فإن أعطى لمسكين واحد عشرة أمداد عن عشرة أعوام جاز ذلك، لأن تعدد الأعوام كتعدد الأيمان [10].
ومن فرّط في الكفارة حتى توفاه الله أُخرجت وجوبا من تركته بعد إخراج الحقوق العينية كالمرهون، وبعد أداء ديون الآدميين، وبعد مؤن التجهيز، وقبل الوصية وقسمة التركة.
وتُخرج الكفارة من رأس ماله إن كان قد أشهد في حال صحته أنها في ذمته، سواء أوصى بإخراجها أم لم يوص، أما إذا أوصى بإخراجها ولم يُشهد عليها، فتخرج من ثلث ماله كسائر الوصايا[11].
فإن لم يشهد ولم يوص لم تخرج الكفارة لا من رأس ماله ولا من ثلثه؛ لاحتمال ان يكون قد اخرجها بنفسه، إلا إن عُلم أنه لم يخرجها فيجب إخراجها عنه من رأس ماله كالزكاة التي فرط فيها[12].
وإن اقتسم الورثة التركة ولم يخرجوا الكفارة عنه، كانت دينا في ذمتهم، لأنها مقدمة على حقوقهم في الميراث، فيجب عليهم إخراجها كلٌّ على قدر نصيبه من التركة.
وإن لم يكن له مال أو كان له وتطوع أحد بإخراج الكفارة عنه جاز ذلك؛ ففي الجامع لمسائل المدونة: (أن مالكاً قال فيمن مات وعليه كفارة في ظهاره أو غيره فكفر عنه أهله أو غيرهم: أنه جائز)[13].
وأما الصيام فلا يصوم عنه أحد، أوصى بذلك أو لم يوص، وسواء كان الصيام عن قضاء رمضان أو عن الكفارة؛ لأن الصوم عبادة بدنية كالصلاة فلا تقبل النيابة[14].
ولما رى مالك في الموطأ أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه كان يقول:
(لا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلاَ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ)[15].
الخلاصة:
1- يجب على المرأة التي جومعت مكرهة القضاء، وإن أخرته بلا عذر حتى أدركها رمضان ثان فتجب عليها الفدية أيضا عن كل يوم أخرت قضاءه، وهي مد عن كل يوم ولا تتعدد بتعدد الأعوام.
2- يجب أن يُخرج عن المتوفى كفارتان من تركته على التفصيل المتقدم، إحداهما عنه والأخرى عن زوجته المكرهة على الجماع، وليُستغفر له ويُتصدق عليه عسى الله أن يغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.
الهوامش
1- انظر القوانين الفقهية لاين جزي. والمحلى لابن حزم الظاهري 4 / 313.
2- رواه البخاري في صحيحه رقم 1936.
3- التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب لخليل 1 / 436.
4- الشرح الكبير للدردير 1 / 526.
5- يشير خليل بمصطلح [تأويلان] إلى وجود خلاف بين شراح المدونة في فهم المراد مما جاء فيها.
6- انظر: التوضيح لخليل 2 / 435. وشرح ابن ناجي على متن الرسالة 1 / 285.
7- رواه مسلم في صحيحه رقم 1111.
8- انظر : الذخيرة للقرافي 2 / 526.
9- انظر : التاج والإكليل للمواق 3 / 363.
10- انظر: المدونة للإمام مالك 1/ 284. والتاج والإكليل للمواق 3 / 387.
11- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 458.
12- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 4 / 441.
13- الجامع لمسائل المدونة لابن يونس 6 / 396.
14 - انظر الذخيرة للقرافي 2/ 524. ومواهب الجليل للحطاب 2/ 544.
15- السنن الكبرى للنسائي رقم 1069.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق