أيها الأحبة في الله: إن شهر رمضان هو سيّد الشهور، منّ
الله به على هذه الأمة، نهارُه صيام وليله قيام، وفيه العشر الأواخِر وهي أفضلُ
اللّيالي، وفيه ليلة القدرِ العبادةُ فيها أفضلُ من عبادةِ ألف شهر ليس فيها ليلة
القدر.
وهو شهرٌ يضاعَف فيه ثواب الطاعات، وتكفَّر فيه
السيّئات، وترفَع فيه الدرجات، ولله فيه نفحات، من تعرّض لها لم يرجِع منها خائبًا
محرومًا، ومن طلبَها نالها، ومن أعرض عنها خسِر نوالها.
وصيامُ شهر رمضان وقيامه سبب لمغفرة الذّنوب، ورفعِ
الشّدائد ودفع الكروب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (من صَام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا
غفِر له ما تقدّم من ذنبه)[2].
وفي رواية عند أحمد: (وما تأخّر).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله: صلى
الله عليه وسلم (من قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا
غفِر له ما تقدّم من ذنبه)[3].
وعن عبادةَ بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدّم من
ذنبِه وما تأخّر)[4].
وفضائلُ شهر الصّوم كثيرة، وحسبه في الفضلِ أنّ الله
تعالى أنزل فيه القرآنَ العظيم، وجعله زمنًا للصّوم الذي هو سرٌّ بين العبد وبين
ربِّه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: كلّ عمل ابنِ آدم
يضاعَف، الحسنةُ بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضِعف، قال الله تعالى: إلاّ الصوم،
فإنّه لي، وأنا أجزي به، يدَع شهوتَه وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحةٌ عند
فطرِه، وفرحة عند لقاءِ ربّه، ولَخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله مِن ريح المسك)[5].
ولكي لا نحرم من هذه الفضائل وغيرها، ينبغي أن نجتهد في
تطبيق الوسائل الآتية:
الوسيلة الأولى: الاجتهاد في إزالة
القسوة من القلوب قبل حلول رمضان
أيها الإخوة: القَلْبُ هو ملك أَعْضَاءِ الإِنْسَانِ،
فإذا استقام القلب استقامت الجوارح وصلحت الأعمال، وإذا زاغ القلب انحرفت الجوارح
وفسدت الأعمال، وَللقُلُوبِ حَيَاةٌ كَحَيَاةِ الَأجسَادِ بَلْ
أَعْظَمُ، ولَهَا أَمْرَاضٌ كَأَمْرَاضِ الَأجسَادِ بَلْ أخطر، وَعَلَى قَدْرِ
حَيَاةِ القَلْبِ تَكُونُ حَيَاةُ الجَسَدِ وَالرُّوحِ وصحتهما، وَبِقَدْرِ
فَسَادِ القَلْوب يكون َفَسَادُ الرُّوحِ وَالأَعْمَالِ معا.
وَأَعظم أَمْرَاضِ القُلُوبِ وَأَشدها خطرا: (مَرَضُ القَسْوَةِ) وصاحب القلب القاسي موعود بالويل،
وهو: الهلاك، قال تعالى: (فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ
قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ)[6].
قَالَ مَالِكُ بنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللهُ: (مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بعُقُوبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ قَسْوَةِ
قَلْبٍ، ومَا غَضِبَ اللهُ عَلَى قَوْمٍ إِلاَّ نَزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْ
قُلُوبِهِم).
ومشكلتنا اليوم – أيها الإخوة - أننا نعاني من هذا المرض
الخطير، وواقعنا خير شاهد على ذلك:
- فنحن نقرأ القرآن ويُقرأ علينا القرآن فلا نخشع
ولا نتأثر! وأين نحن من قوله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ
أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى
ذِكْرِ اللَّهِ)[7].
قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: (هَذَا نَعْتُ أَوْلِيَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، بأَنَّهُم
تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُم، وَتَبْكِي أَعْيُنُهُم، وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم إِلَى
ذِكْرِ الله).
وكان الرسول
الأعظم صلى الله عليه وسلم يبكي عند تلاوته للقرآن، وقرأ عليه ابن مسعود
مرة ففاضت عيناه، وكذلك كان أصحابه، فأي الفريقين أحق بالبكاء هم أم نحن؟
- ونحن في كل يوم ندفن موتانا، ومع ذلك لا نتعظ ولا
نتأثر، وكأننا لسنا معنيين بهذا المصير! وقد ثبت عن الرسول
الأعظم صلى الله عليه وسلم أنه بكى عند قبر سعد بن معاذ حتى ابتلت لحيته. وإذا لم
تلن قلوبنا عند سماع القرآن، وعند دفن موتانا، فمتى ستلين هذه القلوب التي صارت
كالحجارة أو أشد قسوة؟
بصراحة - والكلام موجه لنفسي قبل أن يوجه إليكم- أنه لن
ينفعنا أي عمل في رمضان أو في غير رمضان ما دامت قلوبنا على هذا الحال؛ ولأجل ذلك
جعلت هذه الوسيلة أولى الوسائل للظفر والفوز بما في رمضان من الفضائل. فلنشرع
من الآن في معالجة مرض القسوة.
والسؤال: كيف وبماذا نعالج هذه القسوة؟ والجواب:
أن هناك سبعة أشياء إذا واظبنا عليها زالت القسوة من قلوبنا بإذن الله.
1- الرحمة والإحسان
لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنْ أَرَدْتَ يلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِم الْمِسْكِينَ
وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ)[8].
فكم عندنا من الأرامل والأيتام والمساكين، فنبغي أن نضع من
برنامج عملنا في هذا الشهر الفضيل، أن نخصص جزءا من أموالنا لمساعدة هؤلاء؟ فرمضان
شهر الرحمة، وكيف يرحمنا الرحمن إذا كنان لا نرحم عباده؟! فالجزاء من جنس العمل.
2- الإكثار من تلاوة القرآن
مع التدبر
لقوله تعالى: (إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا )[9].
فِكتاب اللهِ هو خَيرُ مَا تَرِقُّ بِهِ الأَفْئِدَةُ وتَخْشَعُ لَهُ القُلُوبُ.
3- الإكثار من ذكر الله
لقوله تعالى: (الَّذِينَ
آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ
تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[10].
4- عدم الإكثار من الكلام
لقوله صلى الله
عليه وسلم: (لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيرِ
ذِكْرِ اللهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلاَمِ بِغَيرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَةٌ
لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي)[11].
5- ذكر الموت
وهذا من أعظم الأسباب المزيلة للقسوة من القلوب، جاء في
الحديث: (إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل:
وما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: تلاوة القرآن وذكر الموت)[12].
6- قيام الليل
قال الحسن رحمه الله: (التمسوا
حلاوة الإيمان عند ثلاث: تلاوة القرآن، وذكر الموت وقيام الليل، فإن لم تجدوها
فاعلموا أن الباب مغلق) يعني باب القبول كما قال ابن عطاء: (ربما فتح لك باب العمل وسد
عليك باب القبول).
7- الإكثار من
الدعاء
فإن القلوب بيد الرحمن يقلبها كيف ما يشاء؛ وَلِهذَا
كَانَ مِنْ دُعَائه صلى الله عليه وسلم: ( يَا
مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ)[13].
الوسيلة الثانية : الحرص على سلامة
الصدر
قال ابن القيم رحمه الله: (القلب السليم هو الذي سلم من
الشرك والغل والحقد والحسد والشح، والكبر وحب الدنيا والرئاسة، فسلم من كل آفة
تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خيره، ومن كل شهوة تعارض أمره).
فهذه آفات خطيرة، ومن أعظم مفاسدها أنها تحرم صاحبها من
الظفر بالمغفرة، فقد جاء في الحديث: (تفتح
أَبْوَاب الْجنَّة يَوْم الاثنين وَيَوْم الْخَمِيس، فَيغْفر لكل عبدٍ لَا يُشْرك
بِاللَّه شَيْئا إِلَّا رجل كَانَت بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء، فَيُقَال
انْظُرُوا هذَيْن حَتَّى يصطلحا، أنظروا هذَيْن حَتَّى يصطلحا)[14].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يَطَّلِعُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى خَلْقِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ)[15].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أحرص الناس
على سلامة قلبه؛ فكان يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: (...وَأَسْأَلُكَ
قَلْبًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًا)[16].
وكان يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه
ابن مسعود: (لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي
عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ
الصَّدْرِ)[17].
فسلامة الصدر من الشحناء وسائر أمراض القوب كالعجب
والرياء، من أفضلِ الوسائل التي ينبغي أن نستعد بها لاستقبال هذا الشهر الفضيل،
وقد سئل صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل؟ فقال: (كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما
مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقيّ الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد)[18].
فافتحوا – أيها الإخوة - صفحة جيدة للتصافي والتسامح في
مقتبل هذا الشهرالفضيل.
الوسيلة الثالثة : مضاعفة الجهد لشحن
الموازين بالحسنات في رمضان
تعلمون أن نجاتنا يوم القيامة متوقفة على ثقل موازيننا
بالحسنات، نحن كلنا نرتكب السيئات، لكن الشارع الحكيم المعهود من تصرفاته
انه يقيم أحكامه على الغالب، فمن غلبت حسناته سيئاته فقد نجا، قال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ
رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا
أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ).
وشهر رمضان فرصة ثمينة لشحن موازيننا بالحسنات؛
لأنه شهر تضاعف فيه الأعمال، فلنكثر فيه من قراءة القرآن، وقيام الليل،
والصدقات، وبر الوالدين، والإحسان إلى الخلق..
فبإمكان أحدنا إن وفقه الله أن يخرج من رمضان بملايين
الحسنات، وإذا وفقك الله لذلك فحافظ على حسناتك، فإن الله تعالى يقول: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا
وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ)[19].
ووجه الاستدلال من هذه الآية: أن الباري جل جلاله قال
من جاء بالحسنة، ولم يقل من عمل حسنة؛ لأن هناك من يعمل الحسنة ولكن لا يجيء بها
يوم القيامة، فهو قد ضيعها في الدنيا، إما بالرياء، وإما بالمن أو إذاية الناس،
ولذلك كانت المحافظة على الحسنة بعد عملها أصعب من عملها ابتداء.
الوسيلة الرابعة: العمل على التخلص
من العادات السيئة في رمضان
فعلى المسلم أن يعقد العزم من الآن على التخلص من كل
عادة سيئة ألفها في حياته، كآفة الإدمان على التدخين، وآفة سهر الليل كله
ونوم النهار، والتي توجد عند كثير من الشباب إلا مَنْ رحم الله، وآفة كثرة
الجلوس في المقاهي، وآفة الاستماع إلى الأغاني، وآفة الإكثار من الأكل، وآفة فضول
الكلام، ومن أعظم الآفات هجران القرآن الكريم.
فالفرصة متاحة أمامك أخي المسلم للتخلص من تلك الآفات
وغيرها، والتي تعتبر كلها مضيعة للعمر فيما لا يرضي الله تعالى، ولا شك أننا سنسأل
يوم القيامة عن أعمارنا فيم أفنيناها.
الوسيلة الخامسة: اجتناب ما يفوت
الحكمة من الصيام
فالله تعالى شرع صيام شهر رمضان تزكيةً للنفوس، وتحقيقاً
للتقوى، وتنقية للنفس من الأخلاق الرديئة؛ قال تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[20].
فقوله تعالى: (لعلكم تتقون)
فيه بيان للحكمة من فرْضية الصوم؛ وهي تقوى الله عز وجل؛ فتحصيل التقوى هو الحكمة الأصلية
للصوم، وما جاء في الصوم من حِكَم أخرى، كالمصالح البدنية والمصالح الاجتماعية وغير
ذلك، فهي تبع لهذه الحكمة.
وإذا لم نرتق إلى هذه الدرجة في رمضان فلن نبلغها في
غيره أبدا، ولهذا لا بد من الاحتراز الشديد من كل ما من شأنه أن يفوت
علينا هذه الحكمة، كتغليب الجوانب المادية على الجوانب الروحية، وكالإمساك عن
المأكولات الطيبة والإفطار عن المحرمات، من غيبة ونميمة، ونظر إلى الأفلام
والمسلسلات الخليعة، وما أشبه ذلك.
فكل هذا يفوت علينا الحكمة من الصيام، وقد جاء في الحديث:
(من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ
لله حاجةٌ فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه)[21].
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال، وأن ويفقنا في هذا الشهر للتزود بصالح الأعمال، وأن يتقبله منا بمحض فضله ومنته وكرمه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش
[1] يمكن تقسيم هذا الدرس على مجلسين أو أكثر حسب الوقت المحدد للدرس
[2]
رواه البخاري
[3]
رواه البخاري ومسلم
[4] رواه البخاري ومسلم
[5] رواه أحمد والطبراني
[6] الزمر22
[8] رواه أحمد
[9] الأنفال: 2
[10] الرعد: 28
[11] رواه الترمذيُّ ومالكٌ
[12] أخرجه الْبَيْهَقِيّ
[13] رواه الترمذيُّ وحسَّنه وأحمدُ
[14] رواه مسلم
[15] أخرجه النسائى فى السنن الصغرى
[18] روى ابن ماجه
[19] الأنعام160
[20] البقرة: 183
[21] رواه البُخاري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق