......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الخميس، 4 أبريل 2019

معاني الرجولة .. وحاجة الأمة إلى رجال


الخطبة الاولى
الحمد لله رب العالمين ، نحمده تعالى ونستعينه ، ونستغفره لذنوبنا ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"

أيها الأحبة الكرام:

نحمد الله تعالى على ما أولانا من نعم ، "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا". "وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ". ومن أعظم النعم  - التي ينبغي أن نستشعر جلالها ونشكر الله عليها - نعمةُ الوَحدة والوئام ، والأمن والاستقرار ، والسلامة والعافية والمعافاة ... فبعد أن بلغت القلوب الحناجر ، وضاقت الأرض علينا بما رحبت ، وظن الناس الظنونا ، واشرأبت أعناق الأعداء من قريب وبعيد ، تنتظر بلهفة ونهمة ، أن تنزلق الأوضاع في جزائرنا ، وتؤول إلى ما لا يحمد عقباه، كما قال تعالى : " لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ". ها هو الله سبحانه وتعالى يسلم هذه الامة ، ويخيب آمال المبطلين، " لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ". فها هي الجزائر تتجاوز أزومتها بسلام ، ولله الفضل .. وله الحمد والمنة.

 ولا جرم أن الأمة برجالها الإفذاذ، الذين يظهرون عند كل محنة وأزمة، فتنجلي بهم الظلمة ، وتزول بهم الغمة ، وتعلو بهم راية الحق والعدالة، وتُنَكَّسُ بهم رؤوس الظلم والخيانة.

أيها الإحبة في الله:

إنها الرجولة في أسمى معانيها ، وأوسع دلالاتها ، ولذلك كانت أمنية سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه، فذات يوم وهو في دار من دور المدينة المباركة ، جلس رضي الله عنه  إلى جماعة من أصحابه فقال لهم:" تمنوا. فقال أحدهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهباً أنفقه في سبيل الله. ثم قال عمر: تمنوا، فقال رجل آخر: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤاً وزبرجداً وجوهراً أنفقه في سبيل الله وأتصدق به. ثم قال: تمنوا، فقالوا: ما ندرى ما نقول يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ولكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة فأستعين بهم على إعلاء كلمة الله".

فلله در أمير المؤمنين ؛ فلقد أدرك أنه لا قيمة للذهب والزبرجد والجوهر .. ولا قيمة للسلاح والأموال .. ولا قيمة للأمم والأوطان .. إذا لم يكن لكل ذلك رجال يحمونه ويوظفونه في مرضات الله تعالى.

فبالرجال تبنى الدول وتؤسس الحضارات ، وبهم تنهض الرسالات ، وتحيا الأمم والمجتمعات، وقديما قيل : "رجل كألف وألف كأف".  "ورجل ذو همة يُحي أمة". ويروي التاريخ أنه لما حاصر خالد بن الوليد (الحيرة) أرسل إلى سيدنا  أبى بكر يطلب منه مدداً، فأمده برجل واحد ، وهو : سيدنا القعقاع بن عامر التميمي ، وقال له: "لا يُهزم جيش فيه مثله"، وكان يقول: " لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف مقاتل". وما أحوج أمتنا اليوم إلى رجال من طراز القعقاع !!

وليست الرجولة بعضلات مفتولة، أو شنبات مبرومة ، أو لحى مسدولة ، أو كلمات معسولة ، أو أموال موفورة منهوبة، أو قصور مشيدة مرموقة ... وإنما الرجولة عقيدة راسخة، وأخلاق قويمة كريمة، ومواقف شجاعة نبيلة، ولذلك أتت الرجولة في القرآن العظيم مرتبطة بقيم سامية، ومبادئ عالية، ومواقف مشرفة رائدة ، وإجابية راقية... وتتجلى معاني الرجولة في العديد من الجوانب والمجالات، حسبنا منها في هذا المقام ثلاثة، فلكل مقام مقال  :

أولا: رجولة المناصحة الصادقة والمناصرة الخالصة:
1- كذلك الرجل الذي ذكره الله تعالى في سورة يس ، "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ". إلى قوله تعالى : " إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ". فقد ناصر هذا الرجل المرسلين ، ونصح لقومه بالحجة والبيان، فقتله قومه بطريقة وحشية، فبُوئ بموقفه المشرف مكانة علية، واستحق جنة مرضة ، " قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ". ولما دخل الجنة كان له موقف آخر من مواقف الرجولة، "قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ". فتمنى لو أن قومه يعلمون أن ما عند الله خير لهم وأبقى ؛  فيهتدوا فيغنموا نعيما لا ينفد ومقاما لا يبلى، ولم يحقد على قاتليه ؛ لأن من صفات الرجولة الحقة : التسامي عن الحقد والضغينة،  كما قال مفدي زكريا على لسان أحمد زبانة :
وامتثل سافـــرا محياك جــلادي **  ولا تلتـثم فلسـت حـقـودا   
وقال آخر:
وَإِن قَطَعوا مِنّي الأَواصِر ضَلَّةً ** وَصَلــتُ لَهُـــم مُنّي المَحَبَّة وَالوُدّا
وَلا أَحمِــلُ الحِقدَ القَديمَ عَلَيهِم ** وَلَيسَ كَريمُ القَومِ مَن يَحمِلُ الحِقدا

2- ألا وإن من المواقف التي تجلت فيها رجولة : [المناصحة الصادقة والمناصرة الخالصة] موقف مؤمن آل فرعون، الذي حز في نفسه ظلم فرعون لموسى ولمن آمن معه، ولم يرض بمؤامرة [العصابة] الفرعونية، التي حيكت لموسى ومن معه، وقد قص علينا القرآن من خبره: " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ".وفي موضع آخر : "وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ".

فاستحق بمواقفه المشرفة أن يُخلُّد ذكره في القرآن المجيد، وأن يوصف بأنه : رجل. والملاحظ  في كلمة : [رجل] أو [ رجال] المرتبطة في القرآن بالقيم والمبادئ .. أنها دائما تأتي منكرة ؛ لتشمل معاني الرجولة ، في كل زمان ومكان، وفي كل جيل وأوان، فلكل زمان رجاله ، ولكل أمة رجالها.

ثانيا:  رجولة صدق الوعد مع الله وإخلاص العهد له :
ومن معاني الرجولة ومميزاتها: صدق الوعد مع الله وإخلاص العهد له، كرجولة  الصحابي الجليل أنس بن النضر ، فلما أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتِل يوم أحد، وقد فشل كثير من الصحابة والقوْا بأسلحتهم، برزت رجولة هذا الصحابي  لتنقذ الموقف، فتكمل المعركة مسيرتَها ، فانتفض كالأسد الهصور قائلا: " إذا كان النبي قد قُتل فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه ، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قُتل ". فأنزل فيه وفي أصحابه وفي نظرائره إلى يوم الدين:"مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ".

ثالثا: رجولة قوة العزيمة والتوكل على الله :

كالرجلين اللذين قال الله تعالى في شأنهما:" قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ". وذلك أنه لما جبن بنو أسرائيل ، ونكلوا عن متابعة موسى في مواجهة الجبارين ، وتطهير الأرض المقدسة من رجسهم وفسادهم ، قام هذان الرجلان -  وهما (يُوشَعُ بْنُ نُونٍ) وَ (كالِبُ بن يُوفَنَّا) – قاما يشدان العزائم ويرفعان الهمم ...
وهكذا ينبغي أن يكون الرجال عند خور العزائم واشتداد  الأزمات ، يثبتون على الحق ، ويتوكلون على الله مع الأخذ بالأسباب، ويحيون الأمل في القلوب ، ويبعثون القوة في النفوس ، على نحو ما قال العلامة ابن باديس رحمه الله: " وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ فَرُبَّـمَـا حَـيّ الْـخَـشَـبْ ".

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى ، ثم الصلاة والسلام على النبي المصطفى، وآله وصحبه المستكملين الشرفا، وبعد:

أيها المؤمنون الكرام:
إنه [.. لم يشهد التاريخ  رجولة في أعلى صورها، وأكمل معانيها ، كما شهده  في تلك النماذج الكريمة التي صنعها الإسلام على يد رسوله العظيم، من رجال يكثرون عند الفزع، ويقلون عند الطمع ، لا يغريهم الوعد ، ولا يلينهم الوعيد، لا يغرهم النصر، ولا تحطمهم الهزيمة] .وكم نحن في حاجة اليوم إلى أمثال هؤلاء الرجال ، الذين تسمو بهم الهمم، وتحيا بهم الفضائل والقيم، وتشتد به بهم العزائم ، وتسعد بهم الأمم ، وتبنى بسواعدهم الأوطان ... وقد بات العمل على إيجاد هؤلاء الرجال من أوكد الواجبات الشرعية، ومن أهم الضرورات الوطنية.

أوصيكم أحبتي – ونفسي الخاطئة المذنبة - بتقوى الله عزجل ، "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا". وأوصيكم بأن تحافظوا على الجزائر ووحدتها وأمنها واستقرارها في هته المرحلة الصعبة.. فإنها أمانة الشهداء في أعناقكم ، فاحفظوا الأمانة وصونوا الوديعة ، ولا تعطوا الفرصة لأي مرجف أن يعبث بأمنكم واستقراركم، وكونوا  - جميعا - يدا واحدة على من سواكم، يحدوكم في ذلك قوله تعالى :" وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " .

ونسأل الله تعالى أن يمن علينا في هذه البقعة الطاهرة – الجزائر – بالأمن والاستقرار ، والعافية المعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، ومن أرادنا بسوء فنسأل الله أن يجعل تدبيره في نحره وأن يشغله بنفسه .

ونسأل الله تعالى أن يحفظ شعبنا وجيشنا الباسل، وقواتنا المسلحة بمختلف أجهزتها ، وأن يرزقنا قادة أمناء صلحاء ، يأخذون بأيدينا إلى شاطئ الأمان ، ويجمعون شملنا ، ويضمدون جراحنا، ويقطعون دابر الاستعمار من النفوس، بعد أن قطع دابره من الأرض.

ونعوذ بالله ونبرأ إليه من كل خوان أثيم ، ومن كل داع يدعو إلى الفرقة والخلاف، ومن كل ناعق ينعق بالفتنة والفساد.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق