......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الأربعاء، 11 أبريل 2018

في ضحايا تحطم طائرة البليدة

في ضحايا تحطم طائرة البليدة

الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد/


أيها الإخوة الكرام :  إن هذه الدنيا لا تستقر على حال ، بل هي دار امتحان وتمحيص وابتلاء ، كما قال جل وعلا : " 
الذي خلق الموت الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ".

ولله در القائل:

ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيـــــــق إلي عذبها وعذابها
فلم أرها إلا غــــرورا باطــلا *** كما لاح في ظهر الفلاة سرابُها

ولذلك ينبغي للمؤمن أن يوطن نفسه فيها على البلاء والمحن ، وقد علمنا ربنا وخالقنا كيف نستقبل مصائب الدنيا ومحنها ، فقال الله سبحانه وتعالى : " وبشر الصابرين الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ألئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وألئك هم المهتدون

وكلمة" : إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ " هي كلمة تدعو إلى التفاؤل والتسلية عن المصاب ، وتهدف إلى رفع الروح المعنوية ، واستقرار الحالة النفسية ،  فهي حصن للمسلم من الوقوع في عدم الرضا بقضاء الله وقدره  .

وهي كلمة اعتراف وإقرار من المصاب بأنّه هو وما أُصيب فيه وما فقده من ماله أو أهله .. لله سبحانه وتعالى ، وما دام الأمر كذلك ، وما دام أننا وما نملك وما نحب ملك لله ، فليفعل الله بنا ما يشاء وليأخذ منا ما يشاء ، ولترضى النفس ولتطمئن الروح  فإنّا لله وانا إليه راجعون.

وهي كلمة جالبة لعظيم الثواب في العاجلة والآجلة ، وقد بشر الله أصحابها فقال : "وبشر الصابرين .....". وروى مسلم ، في " صحيحه " ، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما من عبد تصيبه مصيبة ، فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم اؤجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيرا منها . إلا أجره الله في مصيبته ، وأخلف له خيرا منها".

وبهذه الكلمة  نستقبل اليوم - وتستقبل امتنا كلها - هذه المصيبة العظيمة، التي حلت بوطننا وبأمتنا ، على إثر تحطم طائرتنا العسكرية ، بالبليدة ، ولقد مات في هذا الحادث المؤلم 257  من أبنائنا وبناتنا ، إنه لحادث مؤلم حقا ، تتفطر له القلوب ، وتدمع لأجله العيون ... فمن هؤلاء من كان يؤمل مستقبلا زاهرا .. ومنهم من كان ينتظره أولاده وزوجته .. ومنهم من كانت تنتظره أمه .. ومنهم من كانت تنتظره خطيبته .. ومنهم ومنهم ... وهكذا هو حال الدنيا  كما قال الشاعر:

تُؤَمِّلُ في الدُّنْيا طـــويلاً ولا تدري **  إذا حَنَّ لَيْلٌ هَـــــلْ تَعْيشُ إلى الفَجْرِ  
فكم مِنْ صَحِيْحٍ مَاتَ مِنْ غَير عِلَّة ٍ ** و كم من عليل عاش دهراً إلى دهر
وَكَمْ مِنْ فَتى ً يُمْسِي وَيُصْبِحُ آمِنا **  وَقَدْ نُسِجَتْ أَكْفَانُهُ وَهْــــوَ لاَ يَدْرِي

لذلك ينبغي أن لا نمر على هذا الحادث المؤلم مرور الكرام ، بل ينبغي ان نعتبر ونستفيد منه ؛ فلا نأمن الدنيا ولا نرضى بها ولا نركن إليها ولا نطمئن بها ، ولا نغفل عن صروفها وتقلباتها المفاجئة ، لئلا نكون ممن قال الله فيهم : " إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ". لذلك فإن المؤمن يجب أن يكون متذكِّرًا لهذا الموت، وأن يكون مستعدًّا له بصالح الأعمال .. فإن الموت يأتي بغتة .. 

فالغفلة عن تقلبات الدهر وعدم الاستفادة من حوادثه المتوالية هي صفة من صفات المنافقين ، أعاذني الله وإياكم من النفاق ، قال الله تعالى :" أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ".
كما ينبغي أن نستفيد من هذا الحادث بأن نعمل ونحتاط ألا يتكرر مرة أخرى ، وأن نتحلى  بروح المسؤولية ، فإن سيدنا عمر رضي الله عنه ، خشي أن يحاسبه الله على بغلة عثرت لأنه لم يسو لها الطريق ، حقيقة أن الأمور تسير بقضاء الله وقدره ، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ،  ولكن الله تعالى يلوم أيضا على التفريط  ، فقد قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".
والمراد بالعجز في الحديث: : التقصير والتهاون في الأمور ، والمراد بالكيس : الاحتياط والحزم والأخذ بالأسباب واتخاذ التدابير اللازمة.

ولذلك ينبغي الاحتياط لمثل هذه الكوارث قبل وقوعها كإبعاد الطائرات التي يحتمل أن تؤدي إلى مثل هذه الحوادث ، وفي الحديث :" دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". فإذا كنا - مثلا - نملك طائرات أكثر حداثة .. بحيث تشعر ركابها بالأمن والرفاهية .. فلا ينبغي العدول عنها إلى طائرات قديمة مريبة ، لئلا تتكرر مثل هذه المصائب مرة اخرى.
أيها الإخوة الكرام إنه لحادث مؤلم حقا تفطرت له قلوبنا وذرفت منه عيوننا .. ولكننا لا نملك أمام صادمة هذا الحادث وآلامه وأحزانه  إلا أن نقول كما علمنا ربنا تبارك وتعالى : " إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ".

ومن الإيمان: أن نشعر بآلام إخواننا المصابين وأن نشاركهم في أحزانهم ؛ فنحن كالجسد الواحد كما جاء في الحديث : " مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى."

ومن الإيمان :أيضا أن نحسن الوفاء لضحايانا من قواتنا المسلحة ، المرابطة على الثغور ، الحافظة لأمن هدا الوطن من شرقه إلى غربه ، ومن جنوبه إلى شماله .. فمن الواجب علينا أن نخصهم بدعواتنا في صلواتنا وخلواتنا وسرنا وعلانيتنا ، فلولاهم لكنا قد طردنا من بيوتنا ، ولستبيحت حرمانتا ، ولاجتاحت ساحتنا تلك المجموعة الدموية الهمجية - من الدواعش وأشباههم -  التى صنعتها المخابرات الصهيوغربية ، لتشوه بها حقائق هذا الدين ، حتى توقف المد الإسلامي المتنامي في الأقطار الغربية ،ولتقسم الأمة الإسلامية إلى طوائف متناحرة ، عسكريا أو فكريا ؟؟؟  

لذلك ينبغي أن نكون متفطنين ، وأن نكون سندا لقواتنا المسلحة ، وأن نحسنا الوفاء لهم أحياء وأمواتا ، وقد روى الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنًّ امرأةً سوداءَ كانت تَقُمُّ المسجدَ ففقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فسأل عنها ؟ فقالوا: ماتت ، قال: (أفلا كنتم آذنتموني؟!) قال فكأنهم صغَّرُوا أمرَها ، فقال: (دُلُّوني على قبرها) فدَلُّوه، فصلى عليها، ثم قال: (إن هذه القبور مملوءةٌ ظُلمةً على أهلِها، وإن الله -عز وجل- ينَوِّرُها لهم بصلاتي عليهم".

هكذا كان وفاؤه صلى الله عليه وسلم – لامرأة كانت تقوم بهمة بسيطة [ وهي نظافة المسجد ] ، فكيف لا نكون نحن أوفياء لمن كانوا يقومون بجلائل المهمات ، ويتحملون عظيم المسؤوليات ، من حماية ثغور الوطن وتخومه .. وكيف لا نكون أوفياء لمن كانوا يضحون بحياتهم من أجلنا .. وقد رأينا كيف أن قائد الطائرة المكنكوبة قد حافظ على أرواح مواطنيه في آخر لحظات حياته ؛ حيث غير مسارها لئلا تتسبب في هلاك أحد من المارة أو السكان ، مجسدا بذلك مقولة أجداده وأسلافه من ثوار الجزائر:

واقض ياموت في ما أنت قاض *** أنا راض إن عاش شعبي سعيدا  

فأعطى بذلك رسالة بعيدة المدى لكل شباب الجزائر ، بأن يكونوا أوفياء لأمتهم ووطنهم ، مهما كانت الظروف قاسية ، فرحم الله الفقيد البطل .. ورحم الله جميع رفقائه .. ونعزي أهالي الضحايا .. بل نعزي أنفسنا .. وشعبنا وجزائرنا قاطبة .. في هذا المصاب الجلل .. وعزاؤنا جميعا أن أبناءنا هؤلاء قد حباهم ربهم بأعظم مكرمة ، وهي الشهادة .. " وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ".  
والمقرر في الفقه الإسلامي أن للعسكريين أجر المرابطين منذ أن تسجل أسماؤهم في الديوان العسكري العام ، عاملين  كانوا أو متعاقدين أو احتياطيين ؛ لأن العسكري الاحتياطي إنما جيء به للتدرب على فنون القتال ؛ ليكون على أهبة الاستعداد لرد ألأخطار عن وطنه وأمته.

وإذا ثبت هذا فإن المرابط إدا مات في رباطه فهو عداد الشهداء إن شاء الله ، وهكذا نتحسب ضحايانا  في هذا الحادث المؤلم ،  هذا ظننا ، وهو رجاؤنا  .. وإضافة إلى ذلك فإن أبناءنا هؤلاء قد ماتوا بالحريق ، وقد ثبت أن  من مات حرقا فهو شهيد ؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :".. وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ ..".  

أيها الإخوة الكرام : إننا بعد أداء صلاة الجمعة إن شاء الله سنقيم صلاة الغائب على أرواح ضحايا هذا الحادث المؤلم ، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أصحابه يوم مات النجاشي ملك الحبشة رحمه الله ، فنعاه لهم ، وصفهم وصلى عليه صلاة الجنازة ،  فاستفاد جمهور الفقهاء من هذا الحديث مشروعية الصلاة على الغائب ، وقالوا هو دليل عام فيعمل به على عمومه ،  وهو ما اختاره أرباب الفتوى في هذا البلد ،  والأصل في صلاة الجنازة أنها دعاء ؛ فألحوا في الدعاء وأخلصوا فيه ، وسلوا الله تعالى أن يرحم هؤلاء الضحايا ، وأن يغفر لهم ويعفو عنهم ، ويقيهم من فتنة القبر وعذابه ، وأن يسكنهم فسيح جنانه ...   

اللهم اغفر لهؤلاء الضحايا جميعا ، وارحمهم بواسع رحمتك ، وأسكنهم فسيح جناتك ، واجعل قبورهم رياضا من رياض الجنة ، وألهم ذويهم الصبر وأعظم أجرهم وأحسن عزاءهم وقو إيمانهم واربط على قلوبهم ، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى اله وصحبه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

هناك تعليق واحد: