......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الخميس، 29 مارس 2018

نظرات في التصوف

حقيقة التصوف تكاد تكون خافية عن كثير من المسلمين ، وقد طالها تشويه وتحريف ؛ مع أن التصوف جزء من الدين ، الطاعن فيه طاعن في ذات الدين ؛ باعتباره أحد مقاماته الواردة في حديث جبريل ، وفيه : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك". 

والعلم به مندرج ضمن الفقه في الدين المشار إليه في قوله تعالى :" فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ". 

فالطائفة المذكورة في الآية تشمل الفقهاء الذين استنبطوا لنا الأحكام المتعلقة بالظاهر من عبادات ومعاملات التي تسمى بالفقه، كما تشمل طائفة العلماء الذين استنبطوا لنا الأحكام المتعلقة بالباطن ، أي بأعمال القلوب ، من خشية وإخلاص ومراقبة ومجاهدة ومحاسبة ... و الطائفة الثانية هم أهل التصوف ، كالإمام الجنيد ونظرائه عليهم رحمة الله. وفي الحديث : " من يرد الله به خيرا يفقه في الدين ".

فكلمة الدين الواردة في الحديث والآية تشمل كلا من الأعمال الظاهرة ، التي أطلق عليها مصطلح " الفقه " . كما تشمل السلوك وأعمال القلوب التي أطلق عليها مصطلح " التصوف ".

ولذلك لا ينبغي بتر الفقه عن التصوف ، ولا التصوف عن الفقه ، وإلا أدى ذلك إلى الزلل ، على نحو ما قال الإمام الشافعي رحمه الله :


فقيهاً وصوفياً فكن ليسَ واحداً ** فَإني وَحَــــقِّ اللَّهِ إيَّــــــــاكَ أَنْصَحُ
فـــذلك قاسٍ لـم يذق قلبه تقى ** وهذا جهولٌ كيف ذو الجهل يصلحُ


وإذا كانت كتب الفقه قد درجت على ذكر الأحكام الفقهية ، مجردة عن القيم الروحية والإيمانية، فإن الناظر في القرآن العظيم والسنة المطهرة يجد أن ثمة ارتباطا وثيقا بين الأحكام الفقهية والقيم الروحية والإيمانية، وذلك ظاهر لم يتتبعه ويتأمله ، من ذلك - مثلا - سورة الطلاق ، فهي مسوقة لبيان أحكام الطلاق أصالة ، ولكنها بين تقرير حكم وآخر تذكر بالتقوى وتحث عليها ، والتقوى واقعة في مقدمة موضوعات علم التصوف ، وقد ذكرت في سورة الطلاق خمس مرات : "وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ " ، " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا" ، "وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا" ، " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا" ، " فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ".


ولذلك لا ينبغي أن يفصل الفقه والتصوف عن بعضهما ، وما لحق التصوف من تشوه مرده إلى عدم انضباطه بالشرع ، مما يقتضي توجيه الجهود إلى التأصيل إلى علم التصوف ، والسعي إلى ضبطه بالشرع ، كمال قال الجنيد رحمه الله : "فعلمنها هذا – التصوف – مشيد على الكتاب والسنة " وفي رواية : " مقيد بالكتاب والسنة ". ولذلك فأي سلوك يناقض الكتاب والسنة ، فليس بتصوف ، وإن زعم أربابه أنه كذلك ، فالتصوف ليس خزعبلات أو أوهاما أو طوافا بالقبور أواستغاثة بها ، بل التصوف علم من علوم الدين الإسلامي ، الطاعن فيه طاعن في الدين.
وغاية التصوف تزكية النفس وتطهيرها من عيوبها وغوائلها ... ولذلك لا ضير في أن نعرفه بأنه :" العلم بالأحكام الشرعية المتعلقة بالتزكية وأعمال القلوب".

وبتقييد التصوف بالكتاب والسنة تدرأ الشبهات عنه، وتتلاشى تلك السلوكات الملحقة به ، مما ليس مقيدا بالكتاب والسنة ، والتي جعلت بعض المسلمين – من غير المناوئين للتصوف – ينظرون إليه نظرة استغراب وتنكر ، وذلك مرده إلى سببين :

الأول: تلك السلوكات الصادرة عن بعض أدعياء التصوف ، التي قد يصل بعضها إلى حد الشرك ، وبعضها الآخر مدرج ضمن الخرافات والأوهام.

وأما الثاني: فمرده إلى تقصير أرباب التصوف في التأصيل له ، وإيضاح حقائقه بالأسلوب الذي يدركه الإنسان المعاصر ، وتصحيح المفاهيم الخاطئة المثارة حوله ، ككون ابن باديس قد كان من أولويات عمله محاربة الطرق الصوفيه ، والواقع أن ابن باديس إنما حارب أدعياء التصوف، الذين ساندوا الاستعمار وربما اعتبروه قضاء وقدرا لا مناص من الإذعان له ، أو اعتبروه ولي أمر تجب طاعته كما نص القرآن ... ولو كان أي منا مكان ابن باديس لما وسعه إلا أن يقف موقفه ، من إعلان الحرب على تلك الطوائف العميلة ، والمثبطة لعزائم الجزائريين ، والملوثة لعقولهم بالخرافة والشركيات ...

أما أرباب التصوف الأصيل المقيد بالكتاب والسنة ، فهم من حمل لواء الجهاد والمقاومة ، كالأميرعبد القادر ، وبو عامة ، والمقراني ، وبلحداد ، وغيرهم ... فهؤلاء ونظراؤهم ما كان لابن باديس أن يقف ضدهم ، بل كان يقفو أثرهم وينهل من معينهم ، وكان على علاقة طيبة بمشايخ التصوف عموما ، وبالطريقة الرحمانية خصوصا ، وكان يشتغل بتدريس "متن ابن عاشر" ، وهذا يعتبر ترسيخا منه للمرجعية الدينية المؤلفة من عقد الأشعري وفقه مالك وطريقة الجنيد السالك ، ولم يطعن في التصوف ولا في عقيدة الأشاعرة ، ولم يخرج أيا منهم من دائرة الكيان السني كما يفعله بعض مدعي السلفية ، بل كان رحمه الله يجلهم ويدرس كتبهم ، وكان أول من حقق ونشر كتاب :" العواصم من القواصم" لابن العربي الأشعري المالكي ، ولا يهم بعد هذا إن كان له آراء انتقد فيها علم الكلام.

وبعض مشايخ التصوف – هداهم الله – بدل أن يعملوا على تصحيح هذا المفهوم ، ظلوا منطوين على موقف سلبي من ابن باديس ، حتى وصفه بعضهم بـــ [ ابن بليس ] فكانت النتيجة وكان المآل أن أستغل مناوئوا التصوف هذه الثغرة ، لينفذوا من خلالها للطعن في التصوف ، ويوهموا عامة المسلمين بأنهم على منوال ابن باديس ، وهو منهم براء ويبعد عنهم كبعد الأرض عن السماء. 


وفي الملتقى الدولي السادس للتصوف المنعقد في غليزان في 26 مارس 2018م التقيت ببعض المشايخ وعرضت عليهم هذه الفكرة ، فاستحسنوها وأقروها ، غير أنني وددت لو أدرج ضمن التوصيات الختامية توجيه الجهود إلى التأصيل إلى التصوف ، وتنقية أجوائه من خلال تقييده بالكتاب والسنة كمال قال الجنيد ، وإيضاح حقائقه للعامة وألا يظل منحصرا أو محبوسا في أوساط علمية محدودة، ودرء الشبهات عنه وتصحيح المفاهيم الخاطئة المثارة حوله كموقف ابن باديس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق