سائل يقول : دفعت المهر لزوجتي وقدمت لها بعض الهدايا ، وأنا لم أعقد العقد الشرعي [الفاتحة] ولا العقد البلدي ؟ ثم طلقتها ، فما مصير المهر والهدايا ؟
الجواب:
هذه المرأة تسمى في الفقه والعرف والقانون مخطوبة لا زوجة؛ فالخِطبة وعد بالزواج وليست زواجا، وإنما تعتبر المرأة زوجة بالعقد - شرعيا كان أو مدنيا - ولا ينعقد الزواج إلا بأركانه الأربعة المعلومة، التي نص عليها سيدي خليل بقوله: (وَرُكْنُهُ: وَلِيٌّ، وَصَدَاقٌ، وَمَحَلٌّ، وَصِيغَةٌ).
ولا يُنظر إلى ما يقال في الخطبة من ألفاظ ؛ كأعطني أوزوجني ابنتك.. وما أشبه ذلك، وإنما ينظر إلى معناه هل هو خطبة أو عقد؛ عملا بالقاعدة الفقهية: (العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني.(
وقد تعارف مجتمعنا على أن الزواج لا يتم بمجرد التخاطب، بل بالتعاقد، والعرف معتبر شرعا في مثل هذه القضايا، وقد قعد الفقهاء: (المعروف عرفا كالمشروط شرطا).
ولذلك لما سُئل العلامة أَبُو سَالِمٍ إبْرَاهِيمُ الْكِئْلَالِيُّ:
(عَمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ تَوْجِيهِ الرَّجُلِ مَنْ يَخْطُبُ امْرَأَةً لِنَفْسِهِ، أَوْ لِوَلَدِهِ فَيُجِيبُهُ أَهْلُهَا بِالْقَبُولِ وَيَتَوَاعَدُونَ الْعَقْدَ لَيْلَةَ الْبِنَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ لَهَا حِنَّاءً وَحَوَائِجَ فِي الْمَوَاسِمِ وَيُوَلُّونَ النِّسَاءَ عِنْدَ الْخِطْبَةِ وَيَسْمَعُ النَّاسُ وَالْجِيرَانُ أَنَّ فُلَانًا تَزَوَّجَ فُلَانَةَ وَيَزِيدُ أَهْلُ فَاسَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ فِي الْمَسْجِدِ لِذَلِكَ ثُمَّ يَطْرَأُ مَوْتٌ، أَوْ نِزَاعٌ)؟
أَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ:
(إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِأَنَّ الْخِطْبَةَ وَإِجَابَتَهَا بِالْقَبُولِ إنَّمَا هُمَا تَوْطِئَةٌ لِلْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ لَيْلَةَ الْبِنَاءِ، وَأَنَّهُ لَا إلْزَامَ بِمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَاتٌ عَلَى مَيْلِ كُلٍّ لِصَاحِبِهِ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِذَلِكَ وَعَدَمِ تَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ)[1]
وبناء على ما تقدم فإن التخاطب وما يصحبه من الهدايا أو تعجيل المهر لا تترتب عليه أحكام الزواج، كالتوارث، وثبوت المهر للمرأة...
وإذا عُجل المهر قبل العقد ثم لم يتم الزواج، فإن ذلك لا
يسمى طلاقا، لا شرعا ولا عرفا ولا قانونا، وإنما هو عدول عن الخِطبة، فيجب على المرأة أن ترد
لك المهر المقدَّم كاملًا؛ لأنها لا تستحقه كاملا إلا بالدخول، ولا تستحق نصفه إلا
بالعقد، وأخذه يغير عقد ولا دخول أكل لأموال الناس بالباطل.
فإن كان المهر قد استُهلك ردَّت مثله أو قيمته، وإذا اشترت المخطوبة بمقدار مهرها أو بعضه جهازًا، فلها الخيار بين إعادة المهر٬ أو تسليم ما يساويه من الجهاز كلًّا أو بعضًا وقت الشراء مع الباقي من المهر.
أما الهدايا فلا ترد لك منها شيئا ما دام العدول من طرفك، وعليك أن ترد إليها ما أهدته لك أو قيمته.
وإن لحقها ضرر مادي أو معنوي بسبب عدولك عن الخطبة، فعليك أن تعوضها عنه، حسب ما يقدره إمام المسلمين وجماعتهم، من أعيان الصلح وأهل العلم والخبرة، أو القاضي إن رفع الأمر إليه.
والله تعالى أعلى وأعلم
-----------------
انظر: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، للعلامة المالكي محمد عليش 421/1
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق