......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الجمعة، 17 يونيو 2016

رمضان مدرسة تطبيقية للبناء الإنساني المتكامل


الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد /
فإن شهر يعد مدرسة تطبيقية لبناء الإنسان بناء متكاملا ، وبناء الإنسان يعني تزكيته ، يعني تربيته ، يعني اعداده ، وتنشئته التنشئة الصالحة ، التي تجعل منه فردا مستقيما في أفكاره وسلوكه ، نافعا لنفسه ونافعا لمجتمعه ووطنه ... ومهمة بناء الإنسان ليست سهلة ، فهي تتطلب جهدا مستمرا ورعاية متواصلة ، وتحتاج الى صبر وتأني ، فلا أحد يستطيع بناء منزل في يومين ، أو تأليف كتاب في يومين ...وبناء انسان أعظم بكثير من بناء منزل او تأليف كتاب.
ولتحقيق هذه الغاية السامية ، وتيسيرها على المسلم ، شرع الله لنا صيام رمضان المعظم وندبنا إلى قيامه ، ليكون محطة إيمانية لبناء الإنسان ، بناء إيمانيا ، وروحيا ، وخلقيا ، واجتماعيا ، وبدنيا...
-   فقوله تعالى :(كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ، يتضمن اشارة الى البناء الروحي والإيماني وما ينبغي ان يكون عليه المسلم في علاقته مع الله .
-   وقوله صلى الله عليه وسلم :" وَالصِّيَامُ جُنَّة ٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ " . [رواه الشيخان]. فيه إشارة إلى البناء الخلقي والسلوكي للمسلم وما ينبغي أن يتحلى به من خلق في تعامله مع الآخرين.
-   وقوله صلى الله عليه وسلم:(من فطر صائما كان له مثل أجره..) [رواه الترمذي]. فيه دعوة الى البناء الاجتماعي وما ينبغي ان يكون عليه مجتمع الإيمان من تآزر وتضامن وتكافل بين سائر افراده.
-   وما وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :(صوموا تصحوا).[رواه الطبرانيوهو ضعيف ولكن معناه صحيح ، وفيه إشارة إلى البناء الصحي والوقاية الصحية من الضرر ، التي ينبغي أن يعتني بها المسلم ؛ ليحافظ على قوته البدنية ، لأن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).
وإذن : فرمضان يعتبر مدرسة تطبيقية لاعداد الانسان وبنائه بناء متكاملا ، فهو مدرسة روحية ..وخلقية ..واجتماعية ..وصحية. يتمرن فيها المسلم على مختلف انواع الطاعات والعبادات ، التي تجعل منه انسانا صالحا في نفسه .. نافعا لغيره .. قويا في ايمانه واخلاقه وشخصيته وبدنه ...

ومن أهم ما يتعلمه المسلم في مدرسة رمضان ، تعلما تطبيقيا لا نظريا:

- 1الصبر:

فالصيام يعلمنا الصبر ، والصبر جزاؤه الجنة ، و(انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب). والصائم أعظم الناس صبرا ، فهو يدع طعامه وشرابه وشهوته ، طيلة نهار رمضان ، وفي الزمن الحار ، وإذا صبر على ذلك سهل عليه بعدئذ ان يصبر على كل طاعة يؤديها ابتغاء مرضات الله ، وسهل عليه ان يصبر على المحن والشدائد ، وسهل عليه ان يصبر عن فعل المعاصي والمحرمات.

2- المراقبة الدائمة لله .

والصيام يعلمنا أيضا المراقبة الدائمة لله تعالى ، تلك الرقابة أو المراقبة التي عبر عنها الإمام أحمد بقوله:
اذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل .. خلوت ولكـن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ســــــاعة ..  ولا ان ما تخفي عليه يغـيب
ألم تر ان اليوم اســــرع ذاهـب ..  وأن غدا للناظـرين قــــريب
فالصائم قد يكون وحده مختفيا عن الأنظار ؛ بحيث لا يراه احد ، أمامه طعامه وشرابه ، ولكنه لا يأكل ولا يشرب ، لانه يعلم أن الله تعالى مطلع عليه ويراه ، هذا معنى المراقبة ، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي : "الصيام لي وأنا أجزي به " . أي ان الصوم سر بين العبد وربه . وإذا تمرنا على هذه المراقبة من خلا صيامنا تعودنا عليها بعدئذ في سائر أحوالنا وكافة أوقاتنا.

- 3الشعور بالفقراء والمحتاجين.

كما يعلمنا الصيام الشعور بحاجات إخواننا الفقراء ، ويولد فينا الإحساس بمعاناتهم ، وذلك أننا حينما نجوع نتذكر الجائعين ، وحينما نشتهي اللحم في نهار رمضان نحس بالفقراء الذين يشتهون اللحم في سائر ايام العام ...فيدفعنا ذلك الى العطف عليهم ومساعدتهم بالقدر المستطاع ، و "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا".

- 4 تيسير العبادات

كما ان قيام رمضان والوقوف ساعة كاملة او اكثر في صلاة التراويح ، من شأنه أن يهون علينا ما دون ذلك من أداء الصلوات المفروضة او المسنونة ... التي لا يستغرق اداؤها دقائق معدودات ، وهذا يعتبر نوعا من الرياضة البدنية التي يتعلمها المسلم من مدرسة رمضان.

- 5 المواظبة على قراءة القرآن

وأخيرا : فإن شهر رمضان يدربنا على المواظبة على قراءة القرآن ، فإذا كنا في كل يوم من ايام رمضان نقرأ حزبين على الأقل ، فإن هذا من شأنه ان يرسخ فينا الرغبة المستمرة في تلاوة القران العظيم ، بأن يكون لنا ورد مستمر في سائر العام ...فنكون بذلك من اهل الله تعالى ، كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن لله اهلين أهل القرآن هم أهل الله وخاصته".
ويكفيك عزا وشرفا ان تكون من أهل الله تعالى ، وإذا كان أحدنا يدافع عن أهله وسهر على رعايتهم ، فإن الله تعالى أشد دفاعا وأعظم رعاية لأهله ، وهم أهل القرآن العظيم ، ولذلك قال العلماء : ( إذا لم يكن أهل القرآن أولياء الله فليس لله ولي).
فهكذا نرى - أيها الإخوة - أن رمضان يعد مدرسة تطبيقية للتربية الروحية والخلقية والاحتماعية والصحية .... فهو شهر البناء المتكامل للإنسان ، وهذا ما ينبغي ان نلتفت إليه من المعاني والحكم التي اشتمل عليها هذا الشهر الفضيل ، لئلا نكون ممن عناهم المصطفى بقوله : (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب)[رواه النسائي وابن ماجه]
والحمد لله رب العالمين


الاثنين، 13 يونيو 2016

جائزات الصيام وبعض الامور التي لا يترتب عليها قضاء

أولا : جائزات الصيام

1 تجوز الحقنة في الإحليل وهو : ( ثقب الذكر)  ولو كانت الحقنة بمائع ؛ لأن ذلك لا يصل عادة إلى المعدة ، وكذلك كل حقنة غير مغذية و لا مقوية فيجوز استعمالها و لا تفسد الصـــــوم .

أما إذا كانت الحقنة للتغذية فهي مفسدة للصوم ويجب القضاء على من استعملها نهارا.

وكذلك حقنة ( الأنسولين ) يجوز استعمالها نهارا ولا تبطل الصيام  ؛لأنها ليست للتغذية و لا للتقوية ، وإنما هي لتنظيم السكريات في الدم . والله أعلم .

واختلف أهل العلم في الحقنة الشرجية (عن طريق الدبر أو فرج المرأة) فذهب الأئمة الأربعة إلى أنها مفسدة للصوم ؛ وحجتهم أنها تصل إلى المعدة.

وذهب الظاهرية وبعض المالكية وابن تيمية إلى أن الحقنة الشرجية لا تفطر الصائم .

والقول المختار في هذه المسألة : هو أن يسأل الطبيب هل هذه الحقنة تشتمل على مواد غذائية أم لا ؟ فإن كانت مشتملة على مواد غذائية فهي مفطـــرة ، وإن كانت مشتملة على أدوية  لا غذاء فيها فلا تفسد الصوم ،والله أعلم .

وفي سائر الأحوال ينبغي ألا يلجأ المريض إلى استعمال الحقن في نهار رمضان ، إلا إذا تعذر استعمالها ليلا ؛ كأن يكون مرضه يقتضي استعمالها نهارا .

 2 يجوز  دهن الجراح بالأدوية سواء كان ذلك في البطن أوالجنب أو غيرهما ؛ إذ لا يصل شيء من ذلك إلى محل الأكل والشرب (المعدة).

3 يجوز السواك سائر النهار ، بل هو مستحب عند المقتضى الشرعي كالوضوء ، فإن كان الاستياك بعود رطب يتحلل منه شيء فهو مكروه.

4 تجوز المضمضة من غير مبالغة للعطش أو الحر، وكذلك الانغماس في الماء للتبرد.

 5 يجوز الإصباح بالجنابة إن أصبح بها لعذر ، أما إن قصد الإصباح جنبا فهو خلاف الأولى. ومثل الجنب الحائض تطهر قبل الفجر ، ثم تأخر الغسل إلى ما بعده لعذر ، فصيامها صحيح ، قياسا على الجنب ، وهي أولى منه بالجواز  ؛ لأن عذرها ليس بيدها.  والله أعلم.

 6 الحجامة جائزة بلا كراهة لمن لم يخش زيادة مرض بسببها ، وغلب على ظنه أنها لن تضعفه عن الصيام ،  و قد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ) (صحيح البخاري رقم 1938).

 
وإنما تكره الحجامة لمن كان مريضا وخشي زيادة مرض بسببها ، أو كان صحيحا وخشي أن تضعفه عن الصوم .(راجع مكروهات الصيام(
ويقاس على الحجامة التبرع بالدم ، فلا يبطل الصوم هو الآخر (ويشترط فيه ما يشترط في الحجامة) فكل منهما إخراج للدم ، إلا أن الهدف منه في الحجامة هو التداوي ، وفي التبرع بالدم هو مساعدة الآخرين ، وهي مصلحة عظيمة النفع . والله أعلم.

ثانيا: بعض الامور التي لا تفسد الصوم و لا قضاء فيها.

-1 القيء غلبة إذا لم يزدرد منه شيئا ولو كثر ، لقوله صلى الله عليه وسلم "مَن ذَرَعَهُ القيءُ، فلا قضاء عليه, ومَن استقاء، فعليه القضاء"(رواه الترمذي وغيره)

2 دخول الذباب إلى الجوف غلبة ، وكذلك غبار الطريق ؛ لصعوبة الاحتراز  منه ، ولأنه (لا تكيف إلا بمقدور). وهذه الأمور ليس في قدرة المكلف أن يحترز منها.

 3 غبار  الدقيق أو الجبس أو غبار الكيل وما أشبه ذلك ...وهذا  خاص بعمال تلك المهن دون غيرهم ، كالطحان والناخل والمغربل والحامل ....   ومثل هؤلاء من يقوم بحفر الأرض لحاجة ، كحفر قبر ونحوه ...فلا شيء عليه إن وصل الغبار إلى جوفه ؛ لصعوبة الاحتراز منه ، ولأن (المشقة تجلب التيسير)

أما غير العامل  فعليه القضاء إن وصل شيء من ذلك إلى جوفه.

4 لفظ المأكول والمشروب من فمه عند سماع أذان الفجر ، ومثله النزع من الجماع ،  فلا قضاء عليه إن كف عن ذلك فورا.

 
أما إذا تأول إباحة الفطر بذلك فاستمر في الأكل أو الشرب أو الجماع فعليه القضاء ، ولا تلزمه كفارة لأنه  تأول  تأويلا قريبا لا بعيدا.

 
5 ابتلاع البلغم أو النخامة لا يفسد الصوم و لا يترتب عليه قضاء ولو ابتلعها عمدا ، لكن على خلاف بين فقهاء المالكية ، فقد ذكر خليل بن اسحاق بأنها مفطرة ، وخالفه كثير من المالكية ، فرأوا أن تعمد ابتلاع النخامة أو البلغم لا يفطر ، قال النفراوي:

"
وكذلك البلغم يَخْرُجُ مِنْ الصَّدْرِ إلَى طَرَفِ اللِّسَانِ وَيَبْلَعُهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِهِ، وَمِثْلُهُ النُّخَامَةُ وَلَوْ وَصَلَتْ إلَى طَرَفِ اللِّسَانِ وَتَعَمَّدَ ابْتِلَاعَهَا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، خِلَافًا لِخَلِيلٍ فِي إيجَابِهِ الْقَضَاءَ عَلَى مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ طَرْحِهِ، وَمِمَّا لَا قَضَاءَ فِيهِ بِالْأَوْلَى الرِّيقُ يَتَعَمَّدُ جَمْعَهُ فِي فِيهِ وَيَبْلَعُهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ وَأَظُنُّهُ الراجح". (الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ج1/ص 309)

وقال الدردير في شرحه على مختصر خليل مستدركا عليه ما اختاره في حكم ابتلاع البلغم"لكن المعتمد في البلغم أنه لا يفطر مطلقا ولو وصل إلى طرف اللسان للمشقة". (الشرح الكبير للشيخ أحمد الدردير على مختصر خليل/ ج1/ص 525)

ولابن عثيمين – وهو فقيه حنبلي – كلام جميل في المسألة ، حث قال رحمه الله:
"
والمهم أن يدع الإنسان النخامة ولا يحاول أن يجذبها إلى فمه من أسفل حلقه،  ولكن إذا خرجت إلى الفم فليخرجها، سواء كان صائماً أم غير صائم، أما التفطير فيحتاج إلى دليل يكون حجة للإنسان أمام الله عز وجل في إفساد الصوم".
(مجموع فتاوى ابن عثيمين / فتوى رقم327/ص355-356).

6 ومن الأمور التي لاتفسد الصوم ولا يجب فيها قضاء الاحتلام في نهار رمضان.


مستحبات الصيام

المستحبات جمع مستحب ، وهو : (ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه) ، ولا ينبغي أن يرغب مؤمن عن فعل ما فيه ثواب ، فغاية المؤمن تحصيل الثواب والنجاة من العقاب ..
ومستحبات الصيام في المذهب المالكي أحد عشر عشر(11) وهي:
- 1 يستحب الاجتهاد في العبادة.
ويشمل ذلك المحافظة على الفرائض والاكثار من النوافل ليلا ونهارا ، وتعمير أوقاته بذكر الله تعالى والصلاة على الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ... خصوصا في العشر الأواخر من رمضان ، اقتداء بخير الخلق الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ومع ذلك فقد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: (كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله))رواه البخاري رقم2024 ).
 - 2يستحب الإكثار من تلاوة القرآن.
فرمضان هو شهر القرآن الكريم ، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر من قراءة القرآن، وكان جبريل - عليه السلام - يدارسه القرآن كله في رمضان ، وكان السلف يتفرغون في رمضان لقراءة القرآن ولا يشتغلون عنه بما سواه...
- 3 يستحب الإكثار من الدعاء لا سيما عند الإفطار.
جاء في سنن ابن ماجة أن النبي صلي الله عليه وسلم قال :" إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " (رواه ابن ماجه). ومن الأدعية الثابتة عن النبي صلي الله عليه وسلم عند الإفطار :" ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله " . (رواه أبو داود) ومنها أيضا:" اللهم لك صمت وعلي رزقك أفطرت " (رواه أبوداود ).
وليسأل ربه ما يشاء من خير الدنيا والآخرة ..لنفسه وأهله ووطنه والمسلمين عامة...
- 4 يستحب الجود والكرم والإكثار من الصدقة
اقتداء بخير البرية عليه الصلاة والسلام ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ....... فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ". أي أسرع من الريح المرسلة في سرعتها وعمومها ومنفعتها.
وبإمكان الواحد منا أن يصوم رمضان مرتين ، وذلك بأن يفطر معه صائما ، ففي الحديث : "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا" (رواه الترمذي في سننه). ولا يشترط أن يأخذه معه إلى بيته ، بل يحصل له ذلك الأجر بأن يشتري له ما يفطر به ، أو يعطيه قيمة ذلك نقودا ، والله أعلم .
- 5 يستحب السحور.
و لا خلاف في استحبابه ، و لا إثم على من تركه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تسحروا فإن في السحور بركة " (رواه الشيخان) . وإنما كان السحرور بركة ؛ لأنه يقوي الصائم ويعطيه نشاطا وحيوية ، ويهون عليه الصيام ، ويتحقق السحور ولو بجرعة ماء ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين "(رواه أحمد). ويبدأ وقته من منتصف الليل إلى طلوع الفجر.
- 6 ويستحب تأخير السحور
 لما روي عن عمرو بن ميمون قال:" كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعجل الناس إفطارا وأبطأهم سحورا" (رواه البيهقي بسند صحيح ).
و لحديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: تسحرنا مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية. (رواه البخاري ومسلم).
- 7 يستحب تعجيل الفطر.
وذلك بعد غروب الشمس وقبل صلاة المغرب بشرط ألا يشتغل بالأكل ويؤخر الصلاة عن وقتها ، قال صلي الله عليه وسلم : " لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر" (رواه البخاري ومسلم ).
- 8 يستحب أن يفطر على تمرات.
ويستحب أن تكون وترا ، 3 أو 5 أو 7 ......فإن لم يجد فعلى شربة ماء ، والإفطار على التمر بالإضافة إلى استحبابه ، فهو يشتمل على فوائد طبية عظيمة النفع ...
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: (كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفطر على رُطَبَاتٍ قبل أن يصلِّي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حَسا حسوات من ماء) (رواه ابو داود وغيره ).
- 9 يستحب حفظ الجوارح عن الأفعال والأقوال التي لا إثم فيها.
كفضول الكلام والنظر ..أما الأفعال والأقوال المحرمة فيجب الكف عنها ، كالكذب والغيبة والنميمة .. وأن يغض من بصره عن النظر إلى المحظورات ، مثل مشاهدة الصور الخليعة في الصحف والمجلات ، أو على شاشات التلفاز أو الهواتف ... وأن يتجنب – أيضا – الاستماع إلى الأغاني المحرمة ...
امتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم:" إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب و المحارم ودع عنك أذى الجار وليكن عليك وقار وسكينة ولا يكن يوم صومك ويوم فطرك سواء "(أخرجه البيهقي في شعب الإيمان).
و قال صلى الله عليه وسلم قال: " ليس الصيام من الاكل والشرب إنما الصيام من اللغو، والرفث فإن سابك أحد، أو جهل عليك، فقل إني صائم إني صائم ". (رواه ابن خزيمة وابن حبان ).
فقولك لمن سابك أو جهل عليك : (إني صائم إني صائم) معناه أني لا أستطيع أن أنزل إلى مستواك ؛ لأن صيامي يمنعني من ذلك ، وفيه تذكير للمعتدي بما ينبغي أن يكون عليه من الآداب ......
ولا معنى للصيام مع السلوكات السيئة ، وقد جاء في الحديث : " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " (رواه البخاري ).
أي ليس لله إرادة في قبول صيامه ، فصيامه مردود غير مقبول.
- 10 يستحب الاعتمار لمن قدر عليه.
لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (عمرة في رمضان تعدل حجة) (رواه البخاري ).
- 11 يستحب الحرص على قيام رمضان
اقتداء بخير الخلق عليه الصلاة والسلام ، الذي قام من الليل حتى تورمت قدماه ، وقال صلى الله عليه وسلم :"من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".
وأفضل القيام ما كان في آخر الليل ، وينبغي أن يكون القائم خاشعا متبتلا ، مستكينا متضرعا وألا يجهر بقراءته ولا يخافت بها.
ويستحسن أن تكون الأضواء خافتة ، فهو ادعى للسكينة والخشوع والصفاء الروحي ... وأن يقرأ من حفظه لا من المصحف ، ولا يشترط ختم القرآن ، بل يكفيه أن يقرأ ما تيسر منه.
ومن القيام صلاة التراويح التي تؤدى جماعة في المساجد ، اقتداء بسنة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ، الذي جمع الناس على إمام واحد في صلاة القيام ، من اجل ان يتقوى الناس على أدائها ، إذ لو ترك أمرها للأفراد يؤدونها في بيوتهم - كما كان ذلك في عهد النبوة - لربما تقاعسوا عنها ، ثم تركوها مع طول الزمن ، فالمؤمن ضعيف بنفسه قوي بإخوانه ، فهذا هو مستند عمر رضي الله عنه في جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح.
والقيام في البيت أفضل لمن قوي عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم :" فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ"(رواه البخاري ومسلم) . ولان الحكم يدور مع علته عدما ووجودا.
وفي كتاب الأم للإمام الشافعي:
" ...وسألت مالكا عن قيام الرجل في رمضان أمع الناس أحب إليك أم في بيته ؟ فقال: إن كان يقوى في بيته فهو أحب إلي، وليس كل الناس يقوى على ذلك، وقد كان ابن هرمز ينصرف فيقوم بأهله، وكان ربيعة وعدد غير واحد من علمائهم ينصرف ولا يقوم مع الناس، قال مالك: وأنا أفعل مثل ذلك". انتهى
فإذا صلى مع الإمام صلاة التراويح فالمستحسن أن لا ينصرف حتى ينتهي الإمام من صلاة الوتر ليحصل له أجر قيام الليل كله ، ففي الحديث : " من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة" (أخرجه الترمذي، وأبو داود، والنسائي ).
فإذا صلى بعد ذلك في بيته فزيادة الخير خير ، ولكن عليه ألا يجهد نفسه خشية السآمة والملل ؛ فهما آفتان عظيمتان فلنتقهما ، و لنأخذ من الأعمال ما نطيق.
والله اعلم.


السبت، 11 يونيو 2016

مكروهات الصيام وما يتعلق بها من أحكام

المكروه في اللغة : ضد المحبوب .

وفي الاصطلاح الشرعي هو: "ما طلب الشَّارِعُ تركه طلباً غيرَ جَازِمٍ" ، أو هو : "ما يثاب تاركه امتثالا ولا يعاقب فاعله". والمكروهات من جملة الشبهات التي من حام حولها يوشك أن يقع في الحرام.


ومكروهات الصيام في المذهب المالكي أحد عشر (11) , و هي كالآتي:


1- يكره تذوق شيء له طعم  ، كالملح ، أو العسل، أو الخل ... فيكره ذلك ولو  لصانع الطعام ، وعلة الكراهة: هي الخوف من أن يسبق منه شيء إلى حلقه.فإذا ذاق شيئا مما له طعم  وجب عليه أن يمجه ويطرحه فورا ، فإن وصل شيء من ذلك إلى حلقه غلبة فعليه القضاء ، وإن وصل عمداً فعليه الكفارة.


2- يكره مضغ العلك، فإن كان له طعم ووصل إلى الحلق فهو مبطل للصوم ، ومنه مضغ التمر من أجل إعطائه للطفل ، فإن سبق منه شيء إلى الحلق فعليه القضاء ، وإن تعمد ذلك – أي تعمد أيصاله إلى الحلق -  فعليه القضاء والكفارة معا.


3- يكره مداواة الأسنان نهاراً ، لما قد يترتب عليها من سيلان دم ونحوه ، فإن خاف الضرر إن هو أخر المداواة إلى الليل فلا تكره نهاراً ، بل يجب عليه التداوي إن خاف هلاكاً أو شديد الأذى ، ولا يبطل صومه إلا إذا ابتلع دما أو شيئا من الدواء.


4- يكره للنساء غزل الكتان الذي له طعم ورائحة تصل إلى الحلق ، إلا إذا اضطرت المرأة  للغزل فلا كراهة ، وأما الكتان الذي لا طعم له و لا رائحة فلا يكره غزله نهارا.


5- يكره حصاد الزرع إذا كان يؤدي للفطر، ما لم يكن عمال الحصاد  مضطرين لذلك ، كالحاجة إلى اكتساب النقود ويجدون بديلا عن الاشتغال بالحصاد فلا كراهة حينئذ ، بل يباح لهم الفطر إن شق عليهم الصوم مع الحصاد.

  أما صاحب  الزرع فله الاشتغال بزرعه ولو أدى إلى الفطر، لأن صاحب  المال مضطر إلى حفظه ، وحفظ المال مقصد شرعي.


6- تكره مقدمات الجماع  ،كالقبلة والفكر والنظر ، إن علمت السلامة من نزول المني أو المذي ، فإن علم أو ظن أو شك عدم السلامة من ذلك حرمت تلك المقدمات كلها ؛ فإذا فعلها ولم يحصل له إمذاء ولا إمناء فصومه صحيح و لا قضاء عليه.
وكذا تحرم مقدمات الجماع المذكورة إذا كان القصد منها اللذة ، أما إن كانت بدون قصد اللذة ، كقبلة الوداع أو الرحمة فلا حرمة فبها ولا كراهة.


والفرق بين المقدمات المحرمة والمكروهة:


أ‌-     إذا نزل المذي أو المني بسبب المقدمة الحرمة ، فعليه القضاء والكفارة اتفاقاً.


ب‌- وإذا أمذى أو أمنى بسبب المقدمة المكروهة ، فقيل: لا كفارة عليه إلا إذا تابع واستمر في المقدمة المكروهة حتى أنزل.

وقيل: عليه القضاء والكفارة مطلقاً إن تابع أو لم يتابع ، وهو قول الإمام مالك رحمه الله.

والمعتمد في المذهب : أن هناك فرق بين اللمس والقبلة والمباشرة ، وبين النظر والفكر.
 فالإنزال بسبب الثلاثة الأولى موجب للكفارة مطلقاً ( تابع أو لم يتابع).

وأما الإنزال بسسب الأخيرين (أي النظر والفكر) فلا كفارة فيه إلا إن تابع وتمادى. والله أعلم.


7- يكره التطيب نهاراً ، أو شم الطيب لأنه من جملة شهوة الأنف ، ولأن الطيب أيضاً محرك لشهوة الفرج ، فتلك علة الكراهة.


8- تكره الحجامة والفصد لمن كان مريضا وشك في السلامة من زيادة المرض الذي قد يؤدي به إلى الفطر. فإن علم السلامة من زيادة المرض جاز له ذلك بلا كراهة. وأيضا لا كراهة لمن كان صحيحاً لا يتأذى بالحجامة أو الفصد. أما إن علم المريض  – يقينا - أن الحجامة أو الفصد ستزيد في مرضه فيحرم عليه ذلك. وكذلك لو علم السليم أن الحجامة أو الفصد سيضعفه عن الصوم فيحرم عليه ذلك ؛ لئلا يدخل على نفسه ما يؤدي به الى فساد صومه ، ومن القواعد الفقهية :"وسيلة الحرام حرام".

9- يكره الاستياك بعود رطب يتحلل منه شيء، أما إن كان الاستياك بشيء لا يتحلل فلا كراهة بالاستياك طوال النهار ؛ لأنه مستحب عند المقتضى الشرعي وهو الوضوء.

ويقاس على ذلك معجون الأسنان ، فهو أشد كراهة ؛ لتحلله واحتوائه على طعم يصل الى الحلق.

10- ويكره صَوْم سِت من شَوَّال إِذا وَصلهَا بالعيد مظْهرا لَهَا ، وعلة الكرهة : حتى لا يعتقد الناس وجوبها مع طول الزمان ، كما كره مالك أن تصام الأيام البيض لنفس العلة باطراد ، وهي إيجاب ما لم يوجبه الشرع ، سدا لذريعة الزيادة في الدين ، لاسيما عند العوام ، فإن كان الشخص عالما بدين الله جاز له صيامها مع نفسه ؛ إذ الحكم يدور مع علته عدما ووجودا.


11- يكره التطوع بالصيام قبل صَوْم وَاجِب عَلَيْهِ غير معِين  ، كقضاء رَمَضَان ، أو كصوم كفَّارَة مترتبة عليه.

 فَإِن كَانَ الصَّوْم الْوَاجِب معينا بِيَوْم كالنذر الْمعِين حرم عليه التَّطَوُّع بالصيام في اليوم المعين.


 والله أعلم