......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الثلاثاء، 26 أبريل 2016

أصل اعتبار المآل وأثره في الفتوى وحفظ المرجعية الدينية والوحدة الوطنية

الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية
وزارة الشؤون  الدينية والأوقاف
مديرية الشؤون  الدينية والأوقاف
لــولاية ميلة
الملتقى الثاني للشيخ أحمد إدريس عبده
 المنعقد بتاريخ  2016/04/26 بولاية ميلة 

محـــــــــاضــــــرة بعـــــنوان:


أصل اعتبار المآل
وأثره في الفتوى وحفظ المرجعية الدينية والوحدة الوطنية
إعداد: العيد بن زطة

1437هــ / 2016 م

مقدمة
الحمد لله حق حمده ، والحمد لله  الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وصبحه أجمعين .

الجمع الكريم : أحييكم جميعا بتحية الإسلام ، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته  ،  و بعــد /

فإن الفتوى وظيفة شرعية جليلة ، أثرها عظيم وخطرها بعيد ، لأنها تعتبر نيابة عن الله تعالى ، في تبليغ أحكامه وفق مقصوده ، لذلك عرفها القرافي بأنها :" الإخبار عن حكم الله تعالى في إلزام أو إباحة"[1]. واعتبر ابن القيم  المفتي موقعا عن الله ، واعتبره الشاطبي قائما في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم ، في تبليغ الشريعة وتبيينها للناس ، ومعلوم أن الشارع أقـام تشريعاته على اعتبار مصلحة العباد في عاجلهم وعاقبة أمرهم ؛  ولأجل ذلك تعين أن يكون نظر المفتي في مصالح الخلق ملائما لما عهده وتحققه من أسلوب الشريعة وقوانينها في جلبها للمصالح ودرئها للمفاسد.
ومن أهم
 ما ينبغي أن يتسلح به المفتي – في هذا الجانب - أن يكون عارفا بالأصول الكلية التي قام عليها بنيان التشريع الإسلامي ، والتي من أهمها وفي مقدمتها أصل: "اعتبار المآل". وهو أصل عظيم ، صعب مورده ، حلو مذاقه ، محمود مآله.
وفي هذه المحاضرة بيان لحقيقته ، وحجيته ودلائل اعتباره ، وضرورة مراعاته في الفتوى ، وبعض تطبيقاته الفقهية ، وآثاره في الحفاظ على المرجعية الدينية والوحدة الوطنية ، وذلك في المطالــــــــب الأربعة الآتية:


المطلب الأول : حقيقته اعتبار المآل


وفيه ثلاثة فروع:
الفرع الأول : تعريف "اعتبار المآل" باعتباره مركبا إضافيا:

(الاعتبار) في اللغة يعني :"التَّدبرُ ، والنَّظرُ ، والاتعاظ ، والاعتداد بترتب الحكم "[2].      
وفي الاصطلاح:عرفه الطاهر بن بن عاشور - في التحرير والتنوير - بأنه : "النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها"[3].
وأما (المآل) فهو في اللغة : مِنْ آلَ الشَّيْءُ ، يَؤُولُ أَوْلاً ومَآلاً ، إذا صارَ وانتهى ورَجع ، وأغلب المعاجم اللغوية تَرُدُّ معنى المآل إلى المرجع والمصير والعاقبة[4]. وهو في الاصطلاح : عاقبةُ الفعلِ ونتيجته المُتَرَتِّبةُ عليه سواء كانت خيراً أم شراً، وسواء كانت مقصودةً أم غَيرَ مقصودةٍ [5].

الفرع الثاني : تعريف "اعتبار المآل" باعتباره لقبا:

على الرغم من اعتبار الفقهاء الأوائل لهذا الأصل في اجتهاداتهم ، واعتنائهم  بإحكام نصوصه والكشف عن دلائله ، إلا أنهم لم يعرفوه  - حسب علمي - تعريفا محددا ، وإنما عرفه المعاصرون بتعريفات كثيرة ومتنوعة ، أذكر منها : تعريف  الريسوني – في الاجتهاد - قال:
 "معناه النظر في ما يمكن أن تؤول إليه الأفعال والتصرفات والتكاليف موضوع الاجتهاد والإفتاء والتوجيه وإدخال ذلك في الحسبان عند الحكم والفتوى"[6].
وهذا التعريف كغيره من التعريفات التي تيسر لي الاطلاع عليها ، فهو لا يفي بالغرض المطلوب في الكشف عن حقيقة هذا الأصل ، بحيث أن الناظر في هذه التعريف لا يجد بيانا لكفية تطبيق هذا الأصل في عملية استنباط الحكم ، و لا قيودا محددة لضابطه وشروط إعماله
وقد بدي لي  أن أعرفه تعريفا ميسرا يضبط محترزاته بدقة ، ويعبر عن مضمونه بألفاظ موجزة ، وهو : 
"جعل الحكم مطابقا لقصد الشارع ؛ بمنع الإفعال المشروعة المؤدية إلى مفسدة غالبة قطعا أو ظنا ، والإذن في الأفعال الممنوعة المؤدية إلى مصلحة غالبة قطعا أو ظنا".

شرح التعريف:
(جعل الحكم مطابقا لقصد الشارع) أعني بذلك أن الغاية من الالتفات إلى هذا الأصل ، هي : أن يتحقق التطابق بين الحكم الذي يبينه المفتي من جهة ، وبين قصد الشارع في وضع الشريعة على اعتبار  مصلحة العباد من جهة ثانية ، وذلك أن الفعل قد  يكون مشروعا لتحقيق مصلحة ولكن له  مآل  إلى غير ما شُرع له ، أي أنه مؤدي إلى مفسدة راجحة ،  فيكون بذلك مناقضا لمقصود الشرع ، فيتعين على المفتي أن يرده إلى اعتداله ، ليتوافق مع مقصود الشرع ، وذلك معنى : (بمنع الإفعال المشروعة المؤدية إلى مفسدة غالبة ). 
ومن أمثلته : نكاح الكتابيات ، فهو مشروع بالنص القرآني ، وقد كرهه المالكية[7]، والشافعية[8] ، والحنابلة[9]، وقصر الحنفية الكراهة على الحربيات منهن فقط [10]. وذلك لما يترتب عنه من مآلات محظورة ، ذكر أهل العلم منها الكثير ، وأذكر منها مآلا واحدا ، وهو :
 تعرض الفتيات المسلمات للعنوسة ، وقد سئل الحسن البصري في زمانه ، أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ماله ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات[11].
وهذه الأمور التي بنى عليها العلماء حكم الكراهة، قد كانت احتمالية في عصرهم، أما اليوم فقد صارت أمورا واقعية ؛ حيث كثر المسلمات بشكل لا يسمح بالتزوج من غيرهن ، مما يجعل الإفتاء بمنع التزوج بالكتابيات في العصر الحاضر أقرب إلى روح الشريعة ومقاصد.

ومن ناحية أخرى قد يكون الفعل ممنوعا (منهيا عنه) لدرء مفسدة ، ولكننا إذا التزمنا بمنعه ، وأطلقنا القول بعدم مشروعيته لأدى ذلك إلى تفويت مصلحة راجحة ، وهنا يتعين على المفتي أن يأذن في ذلك الفعل الممنوع أي يقول بجوازه ؛ ليتوافق مع قصد الشارع ، المتمثل في تحصيل المصالح الغالبة ، وذلك معنى :(الإذن في الأفعال الممنوعة المؤدية إلى مصلحة غالبة ).

ومثال ذلك : الكذب: فعل محرم شرعا، إلا أنه قد يباح أو يستحب أو يجب بالنظر إلى مآله وحسب حجم المصلحة المجتبلة به أو المفسدة المستدفعة به ، ومن حالات إباحته  أن يكذب الزوج على زوجته لأجل إصلاحها وحسن معاشرتها، أويكذب الرجل للإصلاح بين الناس ، يقول سلطان العلماء "وهو – هنا- أولى بالجواز لعموم مصلحته"[12].
وقد يجب الكذب كما لو اختبأ عنده رجل معصوم هارب من ظالم يريد قتله أو قطع يده، أو اختبأت عنده امرأة يراد الاعتداء عليها ، وكذلك لو كانت عنده وديعة وأتى ظالم يريد أخذها. ففي كل ذلك يجب عليه الكذب ، وهو– هنا- أفضل من الصدق لتعلقه بمآل راجح على مفسدة الكذب ، وهو حفظ النفس والعضو والعرض والوديعة[13].

ومعنى (غالبة) في التعريف أي شترط لهذه العملية الاجتهادية  أن تكون مفسدة مآل  الفعل الممنوع راجحة على مصلحة الأصل ، وأن تكون مصلحة مآل الفعل المأذون فيه راجحة على مفسدة الأصل أيضا.

ومعنى (قطعا أو ظنا). أي يشترط كذلك أن تكون نتيجة الفعل - المتوقعة - مقطوعا أو مظنونا ظنا راجحا بحصولها ؛ إذ لا عبرة بما كانت نتيجة  حصوله مشكوكة أو موهومة. 

الفرع الثالث : تصنيف أصل "اعتبار المآل"

"اعتبار المآل" أصل مقاصدي باعتباره مبينا للأساس العام الذي قامت عليه الشريعة الإسلامية ، المتمثل في النظر  إلى ما تؤول إليه الأفعال من مصالح مجتلبة أو مفاسد مستدرئة ، وهذا أمر متفق عليه بين أهل العلم. 
ولكن يمكن  - والله أعلم - اعبتاره أصلا أصوليا أيضا ، باعتباره ركنا أساسيا في عملية الاستنباط و الاجتهاد ، إذ لا يصح تطبيق القواعد الأصولية المتعلقة بالأوامر والنواهي ، دون النظر إلى مآلاتها وما ينجم عنه ، وقد نبه الإمـام الشـاطبي ـ رحمه الله ـ على ضرورة الالتفات إلى المعاني والحكم في عملية الاستنباط والاجتهاد، حيث قال:"لا بد من الالتفات إلى معاني الأمر لا إلى مجرده"[الموافقات2 /149].
ثم أننا حينما نعرف القاعدة الأصولية ، نقول هي : "قضية كلية يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية"، وهذا التعريف ينطبق على أصل : "اعتبار آلمآل" ، وإلا فبم توصل الأئمة الأربعة إلى استنباط حكم الكراهة بالنسبة لنكاح الكتابيات ...


المطلب الثاني : حجية اعتبار المآل


اعتبار المآل أصل شرعي معتبر  باتفاق أهل العلم ، فيتعين على المجتهد مراعاته والنظر إليه  عند انتزاعه للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية .
لنظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً ، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة ، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام ؛ إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل...."[14].
ولقد ثبت يقينا – من خلال استقراء وتتبع موارد الأحكام - أن إرادة الشارع الحكيم اتجهت إلى اعتبار هذا الأصل العظيم ، ودلائل ذلك لا حصر لها ، منها :
1- قوله ـ سبحانه و تعالى ـ : "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم" [الأنعام: 108].
وجه الاستدلال : أن سب آلهة المشركين حمية لله ، و إهانة للأصنام ، وتوهينا لشأنها ، أمر مباح في الأصل بل هو عبادة ، ولكن الشارع الحكيم منعه ، لكونه وسيلة إلى سبهم لله جل جلاله ، ومفسدة مسبته تعالى  أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم ، فكان هذا كالتنبيه بل هو كالتصريح على منع الوسائل المؤدية إلى الفساد ،  وفيه – أيضا - إيماء للمجتهدين بأن ينحوا هذا النحو، ويقتفوا أثر هذا المسلك التشريعي في اجتهاداتهم الفقهية.
2- حديث عائشة – رضي الله عنها- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال لها: " لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا، وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم "[15].
وجه الاستلال: أن بناء البيت العتيق  على أسس إبراهيم – عليه السلام- مصلحة شرعية، وقد تركها النبي – صلى الله عليه وسلم- لما قد يترتب عليها من مفسدة عظيمة متوقعة ، وهي نفور الناس عن الإسلام ، أو ردتهم بسبب ذلك الفعل، لأن الإيمان لما يرسخ في قلوبهم بعد ، وفي ذلك دليل على اعتبار أصل النظر إلى مآلات الأفعال.

المطلب الثالث : القواعد المتفرعة عن اعتبار المآل


عندنا في المذهب المالكي أربعة أصول اجتهادية ، كلها متفرعة عن أصل اعتبار المآل ، كما ذكر الإمام الشاطبي في موافقاته ، وهي:
1- أصل ســــــد الذرائع:
وهو منع الوسائل التي ظاهرها المشروعية وتؤول الى مآل ممنوع غالبا أو كثيرا ، كما في منع سب آلهة المشركين ، وقد تقدم . ومن هذا المنطلق كره مالك إتباع رمضان بست من شوال ، حتى لا يعتقد الناس وجوبها مع طول الزمان ، كما كره أن تصام الأيام البيض لنفس العلة باطراد، وهي إيجاب ما لم يوجبه الشرع ، سدا لذريعة الزيادة في الدين ، لاسيما عند العوام ، فإن كان الشخص عالما بدين الله جاز له صيامها مع نفسه[16] ؛ إذ الحكم يدور مع علته عدما ووجودا.
فمالك رحمه الله قد صان بهذه الفتيا النص الشرعي من أن يؤول إلى مآل مناقض لمقصود الشرع ، وهو ما فعله الخليفتان من قبله أبوبكر وعمر رضي الله عنهما فقد روي أنهما كان لا يضحيان عن أهلهما لنفس العلة.
2- أصل الاستحســــــان:
وهو متعلق برتبة الحاجيات ، ومبدأ رفع الحرج ودرء المشقة وجلب التيسير ، وحقيقته : ترك الدليل العام - من عموم  لفظي أو قياس متعدي - في بعض مقتضياته درءا لمفاسد المشقة ورفعا للحرج عن الناس ، كما في مشروعية بيع السلم [17]. وخيار التعين على خلاف الأصل [18]، وكأجرة الحمام ، فالأصل العام عدم جوازها لأنها من جملة بيع المجهول المنهي عنه ، لأن مدة البقاء في الحمام مجهولة وكمية استهلاك الماء مجهولة أيضا ، ولكن جاز ذلك استحسانا – على خلاف الأصل - نظرا لحاجة الناس إليه.
3- أصل مراعاة الخلاف:
وهو مسلك وعر ، وقد استشكله كبار الفقهاء ، وعرفه ابن عرفة بقوله :"إعمال دليل( المخالف) في لازم مدلوله
الذي أعمل في نقيضه دليل آخر"[حدود ابن عرفة177] ، ويمثلون له بنكاح الشغار[19]، و هو باطل ويفســـخ
قبل الدخول وبعده عند المالكية ، ولكن يترتب عليه أثره رعيا للخلاف.

شرح التعريف

 في هذا التعريف الذي ذكره ابن عرفة عندنا: (دليل ومدلول ولازم مدلول).
لا نتكلم عن الدليل  فلا اشكال فيه، وإنما نتكلم عن مدلول الدليل ولازم مدلوله :

أولا : مدلول دليل المخالف :
    "وهو عدم فسخ نكاح الشغار بعد الدخول وثبوته بمهر المثل"  فهذا لا يُعمِل فيه المالكية دليل مخالفهم بل يُعمِلون فيه دليلَهم الذي يقتضي فسخ نكاح  الشغار قبل الدخول وبعده ، وهو ما عناه ابن عرفة بقـــوله :   "... الذي أعمل في نقيضه دليل آخر".
 يعني الذي اعمل في نقيض مدلوله دليل اخر ، و نقيض مدلول دليل المخالف هو فسخ نكاح الشغار بعد الدخول. 

ثانيا : لازم مدلول دليل المخالف :
   وهو أن يترتب على نكاح الشغار  أثره كالإرث والصداق وحرمة المصاهرة وفسخه بطلاق" وهذا هو الذي يُعمِل فيه المالكية دليل مخالفهم ، وهو ما عناه ابنعرفة بقوله :" إعمال دليلالمخالف في لازم مدلوله .."
    ولطالما أشكل علي هذا الأصل ، لا من حيث فهمه ، بل من حيث إدراك مراميه ، وذلك أن مرعاة الخلاف متفرع عن أصل عتبار المآل ، فغايته الأساسية هي درء المفاسد عن المكلفين ، إلا أن هذه الغاية لا تتحقق كاملة بإعمال دليل المخالف في لازم مدلوله ،فترتب اثر النكاح كما تقدم فيه درء مفسدة جزئية ، لكن فسخه بعد الدخول يعد مفسدة كبيرة لكل من الزوجين ، فأين درء المفسدة عن المكلف بإعمال هذا الأصل؟ ولهذا قلت كان ينبغي أن يعمل دليل المخالف في مدلوله ، المقتضي عدم فسخ نكاح الشغار بعد الدخول ، لتتحقق غاية درء المفسدة عن المكلف كاملة ، ويكون التعريف المختار – حيئذ – لهذا الأصل على النحو الآتي :
"الأخذ بالدليل المرجوح لرفع المفسدة الناشئة عن إعمال الدليل الراجح في الواقعة بعد وقوعها.

    ولكن هذا الذي تصورته لا يتفق مع ما قرره فقهاء المالكية من أن حقيقة هذا الأصل هي أن يُعمَل فيه دليلان:
     أحدهـما : راجـــح ويُعمـــــــل في مدلوله : (المقتضي فسخ نكاح الشغار بعد الدخول) 
    وثانيهما : مرجوح ويُعمل في لازم مدلوله: (المقتضي ترتب أثر نكـــــاح الشغار عليه) 
    وبعد مزيد من التروي والتأمل وجدت  حلا لهذا الإشكال القائم ، وجوابا لهذا الاعتراض المفترض ، وهو أن مفسدة فسخ نكاح الشغار بعد الدخول مغمورة في جنب مفاسد أخرى رابية عليها ، وذلك  أن إطلاق القول بصحة نكاح الشغار بعد الدخول يؤول إلى مآلات محظورة ، تتمثل في ما يلي:
     1-   ترك العمل بالدليل الراجح جملة وهو غير جائز.
     2-   التذرع بذلك إلى الطواطؤ  على إسقاط شـــــرط شــــــــرعي في النكاح وهو المهر.
     3-   التذرع بذلك أيضا إلى هدم حكم شرعي وهو نكاح الشغار المنصوص على بطلانه.  

         وتلك كلها مفاسد غالبة عند مناظرتها بمفسدة فسخ نكاح الشغار بعد الدخــــــــول.



     وبتجلية هذه الحقائق يتبين لنا ما يلي :
    1-    عبقرية فقهاء المذهب المالكي في صناعة الإفتاء.
    2-     فقههم الدقيق للموازنة بين المصالح والمفاســـد.
   3-     أن مراعاة الخلاف يعكس واقعية التشريع الإسلامي في جريانه على النهج الوسط الآخذ من الطرفين بقسط لا ميل فيه، والهادف إلى درء المفاسد الغالبة عن المكلفين.
   4-     أن مراعاة الخلاف حكمه الوجوب و لا يكون إلا بعد وقوع الواقعة ، وهذا فيصل التمييز بينه وبين الخـــروج من الخلاف ، فالخروج من الخلاف مستحب ويكون قبل الوقوع وبعده.
   5-   أن مراعاة الخلاف غير الإفتاء بعد الابتلاء ،  لأن حقيقة هذا الأخير  أنه عدول عن المذهب بالكلية إلى مذهب آخر ، كما في مسألة الرضاع ، فعندنا – بل وعند الجمهور - يحصل التحريم بمطلق الرضاع ، ودلينا هو الأصح والأرجح ، بناء على أن الشارع ربط الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة ، كما في ربط وجوب الغسل بالإيلاج لا بالإنزال، وربط إباحة الفطر بالسفرلا بالمشقة ، وكذلك ينبغي ربط التحريم بمطلق الرضاع لا بجزئية اللبن ؛ لأن جزئية اللبن المنتقلة من ثدي المرضع إلى جوف الصبي خفية مضطربة ، فلا يعلق الحكم الشرعي بها ، لكن إذا تم الزواج بين المتراضعين وطال أمده وولدت الأولاد ، فإنا نعدل عن الإفتاء بدليلنا الراجح إلى دليل الشافعي المرجوح ، القائل بأن التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات مشبعات ؛  لأن المرجوح قد ترجح  في الواقعة بعد وقوعها  ، بالنظر إلى ما يؤول إليه الإفتاء بالراجح من فساد كبير .

وبهذا التوجيه لا يكون من قبيل رعي الخلاف قول المالكية إذا طال أمد نكاح الشغار وولدت الأولاد ، فإننا نعدل عن دليلنا الراجح إلى دليل مخالفنا المرجوح ، القائل بعدم فسخه بعد الدخول ، وثبوته بصداق المثل ، فهذا إفتاء بعد الابتلاء  لا رعيا للخلاف ؛ لأن رعي الخلاف يشترط فيه عدم ترك الدليل الراجح بالكلية ، وهو لا ما يُتصور في هذه المسألة.

4- أصل المنع من الحيل:
وهو ترك مصلحة الأصل درءا لمفسدة المآل ، التي تؤدي إلى إبطال الأحكام الشرعية وهدم مقاصدها ، أو هو
بتعبير آخر منع الأفعال التي ظاهرها الجواز ولكنها تؤول إلى إبطال حكم شرعي ، كما في مسألة الواهب ماله
عند رأس الحول فرارا من الزكاة ، فعلى الرغم من مشروعية الهبة في الأصل ، إلا أننا نقول بمنعها – هاهنا 
بالنظر إلى مآلها الممنوع وهو التهرب من الزكاة.
فهذه الأصول الاجتهادية الأربعة ، وإن كانت مختلفة  في مسالكها ، فهي متفقة في غايتها ، المتمثلة أساسا في : (مراعاة اعبتار المآل ) طبعا وفق قواعد مقررة وضوابط محددة عند أهل العلم.


المطلب الرابع : أثر اعتبار المآل  في الفتوى وحفظ المرجعية الدينية
كل الأمثلة التي ذكرناها في المطالب المتقدمة  تعتبر آثارا فقهية لمراعاة أصل اعبتار المآل ، ونظيف إلى ذلك في هذ المطلب ، بعض المسائل مما يقوم دليلا على أثر هذا الأصل في الفتوى الشرعية ، وحفظ وحدة الأمة ومرجعيتها :

المسألة الأولى :
اتفق أهل العلم على أن الأصلَ عدمُ جواز إمامة المفضول عند وجود الإمام الفاضل ،  فإذا كانت تولية الفاضل مفضية إلى مآل محظور ، كتبديد أمور الأمة وفصم وحدتها الوطنية ، جاز حينئذ – وقد يجب – تولية المفضول على الرغم من وجود الفاضل ، ولقد حكى أبو المعالي الجويني – في غِياث الأمم - الاتفاق على هذا ، فقال رحمه الله :"الغرض من نصب الإمام استصلاح الأمة ، فإذا كان في تقديم الفاضل اختباطُها وفسادُها ، وفي تقديم المفضول ارتباطُها وسدادُها ، تعين إيثار ما فيه صلاح الخيلقة باتفاق أهل الحقيقة"[20]. فمقصود الجويني أن المقصد الشرعي من الإمامة هو صلاح الأمة فإذا كانت تولية الفاضل مناقضة لهذا القصد وجب العدول عنها إلى ما يحقق قصد الشارع وهو تولية المفضول ، ولهذا قلت في تعريف هذا الأصل بأنه : " جعل الحكم مطابقا لقصد الشارع ".
المسألة الثانية:
أجمع أهل العلم – كما حكى الونشريسي في ايضاح المسالك الى قواعد الامام مالك – على جواز صلاة أتباع المذاهب خلف بعضهم ، على الرغم من اختلافهم في الكثير من الفروع التي تخل بشروط صحة الصلاة ، ومن أمثلة ذلك أن المالكي إذا لم يعمم رأسه بالمسح في الوضوء بطل وضوؤه وفسدت صلاته ، ولكنه يصلي خلف الشافعي الذي يمسح بعض رأسه وصلاته صحيحة ، بل لا يجوز له أن يتخلف عن الصلاة خلفه ؛ حفظا لمصلحة وحدة الصف ، التي هي مطلب شرعي ، ومبنى هذه الفتيا على قاعدة مراعاة الخلاف المتفرعة عن أصل اعتبار المآل ،  وقد بين سلطان العلماء تعليلها فقال:"الجماعة للصلاة مطلوبة للشارع فلو قلنا بالامتناع عن الائتمام خلف من يخالف في المذهب لأدى ذلك إلى تعطيل الجماعات "[21]. ومن هنا ندرك مدى جهل من ملئوا الدنيا ضجيجا ؛ لأجل جزئيات هي أقل بكثير من شروط صحة الصلاة ، كالقنوت في الصبح ورفع اليدين في الدعاء وجلسة الاستراحة وقراءة القرآن جماعة ...  غير مراعين لما يترتب عن فتاويهم - التي هم ليسوا أهلا لها -  من مآلات محظورة تخل بمرجعية الأمة ، والأخلال بمرجعية الأمة مآله فصمُ وحدتها وتمزيق صفوفها.
المسألة الثالثة:
اتفق أهل العلم على أن تغيير المنكر فريضة شرعية ، ولكنه يمنع شرعا إذا غلب على الظن افضاؤه إلى مآل محظور ، كأن يترتب عليه منكر مساوٍ له أو أكبر منه من باب أولى .ومنه تحريم الخروج عن الحاكم المسلم وإن جار أو انحرف  في حكمه ، وذلك  بالنظر لما يؤدي إليه من مآلات محظورة [22].
المسألة الرابعة:
سبق وأن بينا بأن الزواج بالكتبايات مباح بالنص وقد كرهه الأئمة الأربعة بالنظر إلى مآله ، إلا أن  العلامة ابن باديس رحمه ذهب إلى أكثر من هذا ، فأفتى بحرمة زواج المسلم الجزائري بالفرنسية ، وبين بأن ذلك قد يؤدي به إلى الارتداد عن الدين , وعلل ذلك بكون النتيجة التي يؤدي إليها هذا الزواج ، هي الخروج عن حظيرة الإسلام ؛ لأن القانون الفرنسي يقضي بأن أبناءه منها يتبعون جنسية أمهم في خروج نسله عن حظيرة الإسلام ، فإن كان راضيا بذلك فهو مرتد عن الإسلام ... وإن كان غير راض لهم بذلك وإنما غلبته شهوته على الزواج ، فهو آثم بجنايته عليهم ...[23].
وفي ذات السياق أفتى رحمه الله بردة المتجنس بالجنسية الفرنسية ؛ سدا لذريعة الإدماج الرامية إلى طمس معالم الشخصية الوطنية ، وقال رحمه الله :"التجنس بجنسية غير إسلامية يقتضي رفض أحكام الشريعة الإسلامية (هو تعليل باعتبار المآل) ومن رفض حكما واحدا من أحكام الإسلام عدَّ مرتدا عن الإسلام بالإجماع، فالمتجنس مرتد بالإجماع[24].
فهذه الفتاوى - ونظائرها - مبناها على النظر في مآلات الأفعال ، فهي معللة بنتائجها ، ومقيدة بظروفها وزمانها ، وليست بمطردة في سائر الأحوال ، و لقد كان لها أثر عظيم على صعيد الوحدة الوطنية ، وحفظ الشخصية الجزائرية من الانصهار الذوبان.
و لعل مما ينبغي أن  يبرز فيها دور الفتوى في حفظ الوحدة الوطنية والمرجعية الدينية ، أن يقدر أرباب الفتوى نتائج ومآلات الترويج للأفكار الغريبة والدخيلة على ديننا وثقافتنا ووطننا ، وأن يكيفوها ويعطوها الأوصاف والأحكام المناسبة ، بالنظر إلى ما تؤول إليه من  مخاطر جسيمة ، تهدد  وحدتنا ومرجعيتنا وكياننا ، وأهمها ثلاث:
أ- الأفكار القائمة على أسس عقائدية تكفيرية أوتضليلية ، التي مآلها  - على الأرجح – استحلال دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم .

ب- الأفكار القائمة على أسس عقائدية طائفية ، التي مآلها – قطعا - تشويه تاريخ المسلمين وتشكيكهم في تراثهم ، وهدمُ بنيانهم العقائدي والثقافي ، وفصم وحدتهم الوطنية.
ج- الأفكار القائمة على اتجاهات تغربية ، التي  مآلها – حتما- التفكك الأسري ، وتغريب المجتمع الجزائري ، وسلخ الأمة عن هوتها وأصالتها وقيمها بضرب مكوناتها الأساسية ، وهي الأسرة .
فإذا لم يبرز دور الفتيا - لا سيما المؤسساتية - في حماية مرجعية الأمة ووحدتها من هذه الموبقات الثلاث التي أصبحت إلى الحقيقة أقرب منها إلى الاحتمال فلم يبق للفتوى من أهمية و لا من أثر يذكر.


الخاتمة
من خلال هذا العرض الموجز نستخلص نتائج هامة  ، منها:
1- (اعتبار المآل) أصل شرعي مقاصدي أصولي معتبر شرعا وهو ركن أساسي في عملية الاستنباط.
2- أن  المفتي لا  تنحصر مهمته في إعطاء الحكم الشرعي ، بل عليه أن يقدر مآلات الأفعال وأن ينظــر إلى عواقب حكمه وفتواه .
3- أن إعمال هذا الأصل يتطلب فقها دقيقا للموازنة بين  المصالح والمفاسد ، والإحاطة بمقاصدها التشريعية ، والإلمام بقواعدها المقيدة لإطلاقها ، والضابطة لإعمالها ، والتي تمكنه من  الترجيح بين المتعارضات ، وتقيه من الوقوع في الزلل عند بيانه للأحكام.
4- أن الغاية من الالتفات إلى هذا الأصل هي أن يتطابق الحكم الذي يبينه المفتي مع قصد الشارع في وضع الشريعة ، المتمثل في درء المفاسد عن المكلفين عاجلا وآجلا.
5- لقد كان للفتوى دورا عظيما في حفظ وحدة الأمة وثوابتها ومرجعيتها ، وينبغي أن يفعل هذا الدور في شكل مؤسساتي ليرتقي إلى مستوى مواجهة التحديات المعاصرة.
6- أن الإفتاء بدون مؤهلات علمية معتبرة ومن غير دراية  بالجوانب والظروف التي ينبغي أن تراعى في ساحة الإفتاء جريمة أخطر بكثير من التطبيب من غير طبيب.
     
والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده
والسلام







[1] الفروق 4/53.
[2] انظر: "المصباح المنير" للفيومي مادة (عبر). وانظر: "الهادي إلى لغة العرب" للكرمي مادة (عبر).
[3] الطاهر بن عاشور التحرير والتنوير ، الدار التونسية للنشر – تونس - سنة النشر: 1984 هـ ، ج 28/ص72
[4] انظر: "المصباح المنير" للفيومي مادة (آل). وانظر: "الهادي إلى لغة العرب" للكرمي مادة (آل).
[5] مستنتج من معناه اللغوي.
[6] الريسوني ، الاجتهاد: النص ، الواقع ، المصلحة.دار الفكر – مشق- ط 1/2000، ص 64
 [7]مالك بن أنس . المدونة الكبرى . تحقيق : زكرياء عميرات ط: دار الكتب العلمية – بيروت – {دت}2/306
[8] الشافعي . الأم. ط: دار المعرفة- بيروت- 1393 هـ 5/ 10  .
[9] ابن قدامة المقدسي. المغني في فقه الإمام أحمد. ط: دار الفكر – بيروت – 1405 هـ 6 / 415 .
[10] السرخسي . المبسوط .ط: دار الفكر- بيروت – ط 1 / 2000 م . 5 / 50 .
[11] نقلا عن ابن جرير الطبري.جامع البيان في تأويل القرآن . تحقيق احمد محمد شاكر. ط: مؤسسة الرسالة ط 1 / 1420 هـ . 9 / 591 .
[12] السيوطي . الأشباه والنظائر .. ص 88 .
[13] العز بن عبد السلام . قواعد الأحكام .. 1/ 15 .
[14]  الشاطبي، الموافقات، ص: 773.
[15]- متفق عليه.  أخرجه البخاري واللفظ. في كتاب الحج[3] باب فضل مكة وبنائها [514] رقم (1856) * ومسلم. في كتاب الحج[16] باب نقض الكعبة وبنائها [ 69] رقم [3305].
[16] ابن رشد. بداية المجتهد ونهاية المقتصد . ط: دار الكتب العلمية – بيروت – ط1/1993 م . 1/298.
[17] السلم:هو: " بيع شيء موصوف في الذمة بثمن عاجل ".والأصل فيه عدم الجواز، لأنه من بيع المعدوم المنهي عنه شرعا ، في الحديث: " لاتبع ما ليس عندك " في الحديث " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ".
[18] خيار التعيين: وصورته أن يذهب شخص إلى بائع الهواتف النقالة مثلا، ويختار من بين الهواتف المعروضة أكثر من واحد، ثم يتعاقد المشتري مع البائع على شراء واحد غير معين من تلك الهواتف، التي أخذها من البائع، على أن يكون له خيار التعيين، فإذا وقع اختياره على واحد منها أصبح العقد لازما، وانتهى الخيار.والأصل في هذه المعاملة عدم الجواز، لأنها من بيع المجهول الذي يفضي الغرر المنهي عنه شرعا.ولكنه أجيز لمسيس الحاجة إليه، وهي رفع الغبن عن المشتري، لاسيما بعد تعدد الصناعات، حيث أصبحت أصنافا بدرجات متفاوتة في الجودة، يصعب على غير الخبير بالمبيعات معرفتها.كما أن المرأة لا تستطيع الذهاب بنفسها إلى البائع لسبب أو لآخر، فلا تجد إلا أن توكل من يشتري لها ما تريد، على أن يكون لها خيار التعيين.[انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير . تحقيق عبد الله شاهين . ط: دار الكتب العلمية – بيروت –  1996 م  ج 3 / ص 166 * وانظر د/ عبد العزيز عزام . القواعد الفقهية . ص 171].
[19] الشغار مأخوذ من شغار الكلب إذا رفع رجله للبول ، ويقال شغرت المرأة إذا رفعت رجلها للنكاح ، وأما معناه في الشريعة [فهو أن ينكح الرجل وليته رجلا على أن ينكحه الآخر وليته ولا صداق بينهما إلا بضع هذه ببضع هذه].
[20] الجويني ، الغياثي غياث الأمم في التياث الظلم ، ج1/ص 167
[21] الونشريسي إيضاح المسالك ، ص 155.
[22] احمد بن تيمية . مجموع الفتاوى . مرجع سابق . 35/21.
[23]  البصائر عدد 79 بتاريخ 20/08/1937, جمادى الثاني 1356 هـ.
[24] البصائر : العدد 95، السنة 3، يناير 1938م

الأحد، 3 أبريل 2016

ثبوت الطلاق وابتداء العدة بين الفقه الإسلامي وقانون الأسرة الجزائري

لقد تحدثت في مقالين سابقين عن المادة [8] – من قانون الأسرة الجزائري - المتعلقة بتعدد الزوجات ، وعن المادة [11] المتعلقة بالولي في النكاح ، وقد رأينا كيف خالف فيهما المشرع الجزائري الفقهَ الإسلامي بمختلف مذاهبه.
ومن المواد التي جاءت مخالفة للفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه أيضا ، المادة:[49] المتعلقة  بثبوت الطلاق ، حيث اعتبرته ابتداء من صدور الحكم غير مراعية لوقت تلفظ الزوج بالطلاق ، مما أدى إلى تناقضات على عدة مستويات ، نبينها في ما يأتي :

 جاء في المادة 49 - من قانون الأسرة الجزائري المعدل -:
"لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد محاولة الصلح من طرف القاضي دون أن تتجاوز هذه المدة ثلاثة أشهر".
يُفهَم من هذه المادة حصر وسيلة إثبات الطلاق في الحكم الصادر من الجهة القضائية ، و هذا يعني تجريد الطلاق الذي قد يتلفظ به الزوج من كل قيمة قانونية ، وهذا يناقض الشريعة الإسلامية على مختلف مذاهبها الفقهية ، من أن الطلاق يثبت من حين  صدوره عن الزوج ، و أن ابتداء العدة في الطلاق عقيب الطلاق ، كما أن ابتداءها في الوفاة عقيب الوفاة ؛ فالعبرة في العدة  بطلاق الزوج ، لا بحكم المحكمة بالطلاق ، وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء[1] ، إلا أن المادة [49] جاءت مخالفة لهذا الاتفاق ، فنصت على أن الطلاق لا يثبت إلا بحكم بعد محاولة الصلح من طرف القاضي دون أن تتجاوز هذه المدة ثلاثة أشهر.

ويترتب عن تطبيق هذه المادة بروز ظاهرة ازدواجية العدة في حالة تلفظ الزوج بالطلاق وتأجيل رفع الدعوى أمام المحكمة لاستصدار حكم الطلاق .

v    فتبدأ العدة الشرعية من تاريخ الطلاق الصادر من قبل الزوج.
v    وتبدأ العدة القانونية من تاريخ صــــــــدور الحكم بالطـــــلاق.

وهنا يتجلى التناقض المحتمل بين الشريعة الإسلامية وقانون الأسرة على عدة مستويات.

فإذا افترضنا وقوع الطلاق من قبل الزوج بتاريخ: 2016/01/01م . وتم رفع الدعوى القضائية لاستصدار حكم الطلاق بتاريخ: 2016/4/25 (أي بعد فوات العدة الشرعية) فالقانون يتيح مجالا للصلح في أجل أقصاه ثلاثة أشهر بعد رفع الدعوى، فإذا عقد القاضي جلسة الصلح بين الزوجين يوم: 2016/05/25م وتم الصلح بينهما فإن الرجعة تتم بدون عقد جديد طبقا للمادة [50].

"من راجع زوجته أثناء محاولة الصلح لا يحتاج إلى عقد جديد، ومن راجعها بعد صدور الحكم بالطلاق يحتاج إلى عقد جديد"

وهذا ما لا يتفق والشريعة الإسلامية ؛ لبينونة الطلاق  بعد انقضاء العدة الشرعية ، فيحتاج الزوج في هذه الحالة إلى إبرام عقد شرعي جديد.

كما يمكن تصور تناقضات أخرى حسب الافتراض السابق ، منها- على سبيل المثال لا الحصر- :

v    يجوز خطبة المطلقة – بعد فوات عدتها الشرعية – شــــرعا ولا يجوز ذلك قانونا.

v  إذا توفي زوج المطلقة – بعد فوات العدة الشرعية – فلا ميراث لمطلقته شرعا ، ولكنها ترثه قانونا لعدم انفكاك الرابطة الزوجية قضائيا.

وكان ينبغي أن تربط جلسة الصلح الواردة في المادتين:[49] و [50] بفترة العدة الشرعية ، فتكون صياغة المادتين على النحو الآتي :

المادة 49: ((لا يثبت الطلاق إلا بحكم بعد محاولة الصلح من قبل القاضي خلال فترة العدة الشرعية)).

المادة 50: ((من راجع زوجته أثناء فترة العدة الشرعية في الطلاق الرجعي لا يحتاج إلى عقد   جديد، ويحتاج إلى عقد ومهر جديدين بعد فوات العدة أو صدور الحكم بالطلاق)).
أو كان ينبغي تفادي هذه  التناقضات بالنص على إصدار حكم الطلاق بأثر رجعي يعود إلى وقت تلفظ الزوج بالطلاق ، أما أن يبقى نص المادتين على ما هو عليه الآن فستترتب عنه تناقضات مصادمة للشريعة الإسلامية على مختلف مذاهبها الفقهية.

[1] انظــــر:
- الموسوعة الفقهية الكويتية ، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت ،الطبعة الأولى، دار الصفوة - مصر-ج 29 ص 326.
- الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ . تأليف الدكتور وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ . الناشر : دار الفكر - سوريَّة – دمشق . ج 9 / ص 612 وما بعدها.


- السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، محمد بن علي  الشوكاني ،  دار ابن حزم ، الطبعة الأولى ج2/ ص 397

السبت، 2 أبريل 2016

اتفاقية "سيداو" وتهديداتها للأسرة الجزائرية "الغاء الولي في النكاح نموذجا"


من المعلوم أن للأسرة مكانة عظيمة في المجتمع ؛ فالمجتمع إنما يتكون من الأسر ، والأسرة تتكون من الأفراد، كالبناء الذي يتكون من الأسس واللبنات، وبقدر قوة الأسس وقوة اللبنات وانتظامها يكون البناء صرحا شامخا، وحصنا راسخا، كذلك المجتمع الإنساني إنما يكون صالحا بصلاح أفراده  وأسره  التي يتكون منها ، فإذا صلحت الأسر صلح المجتمع ، وإذا فسدت الأسر فسد المجتمع ......

ولأجل ذلك اهتم الإسلام بالأسرة اهتماماً بالغا وجعلها الخلية الأولى في المجتمع ، و أحكم صياغة نظامها أحسن إحكام ، وأتقن تشريعاتها خير إتقان ، فلم يترك صغيرة ولا كبيرة من شؤونها إلا وبينها وشرع لها من الأحكام ما يحفظ كيانها من جانب الوجود أو العدم.

وعلى هذا النهج سار قانون الأسرة الجزائري الصادر عام 1984م ، فاهتم هو الآخر بشؤون الأسرة  وعرفها – في المادة [2] - بأنها:" الخلية الأساسية للمجتمع وتتكون من أشخاص تجمع بينهم صلة الزوجية وصلة القرابة ". وسن من القوانين ما يحفظ مصالحها ويدرأ مفاسدها  ، وقد جاءت نصوصه مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية على مختلف مذاهبها الفقهية ، فقد  ورد في ديباجة المشروع التمهيدي ما يلي[1]:  
"اعتمدت اللجنة في وضع هذه النصوص على المصادر الأساسية التالية:  - القرآن الكريم- السنة النبوية الثابتة ثبوتا مقبولا عند علماء الحديث- الإجماع- القياس- الاجتهاد- الفقه على المذاهب الأربعة وعلى غيرها في بعض المسائل..."
ونصت المادة 222 على ما يلي: ((كل ما لم يرد النص عليه في هذا القانون يرجع فيه إلى أحكام الشريعة الإسلامية))، فهذا النص يسمح للقاضي بالعودة إلى أحكام الشريعة الإسلامية – دون تحديد لمذهب فقهي معين – إذا عُرِضت عليه مسألة لم يرد بشأنها نص قانوني.
وقد ظل قانون الأسرة كذلك – منذ صدوره سنة 1984م إلى غاية سنة 2005م حيث أدخلت عليه بعض التعديلات، التي  عطلت مواد قانونية كانت مستمدة من الشريعة الإسلامية مباشرة .

و يعود فتح ملف تعديل قانون الأسرة بالدرجة الأولى إلى المنظمات النسوية، التي استطاعت تمرير مطالبها مستقوية بالمتغيرات الدولية ، التي كان من أبرزها إعادة النظر في مسألة حقوق الإنسان ، وخاصة حقوق المرأة والطفل ، وفقا لما نصت عليه الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي صادقت عليها الجزائر ، منها : "اتفاقية سيداو" أو "CEDAW " وهي عبارة عن اختصار للكلمات الآتية:


"Convention on the Elimination of All Forms of Discrimination Against Women"

وتعني باللغة العربية "اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة

"أو بتعبير آخر  المساواة الكاملة المطلقة بين الرجل و المــرأة "

و تسمى أيضا "اتفاقية بكين"،  وقد بدأت تنشط رسميا عام 1981 م ووقعت عليها الجزائر في 22 ماي 1996م ، و هي اتفاقية دولية هدفها الظاهري الاهتمام بقضايا المرأة في العالم والدفاع عنها ، وجعلها مثل الرجل في كل شيء ؟ إلا أنها تتضمن في باطنها تهديدا خطيرا  للأسرة المسلمة، وإفسادا  للفطرة الإنسانية عموما،  وما جاء فيها من بنود مصادم لنصوص الشريعة الإسلامية، وغريب عن ثقافة وأعراف مجتمعاتنا العربية والإسلامية،  ومن جملة بنودها:

-        تساوى المرأة مع الرجل في الميراث.

-        إباحة الإجهاض ما دام برضــا الزوجين .

-        إباحة الزنا ما دام برغبة وموافقة الفتاة.

-        للمرأة أن تزوج نفسها بنفسها دون موافقة أهلها.

-         للمرأة الحق في التخلص من زوجها لأي سبب بالخلع.

-        للمرأة السفر بلا محرم ودون إذن زوجها.

-        للمرأة أن تقيم حيث شاءت ولو في غير بيت الزوجية.

-        للمرأة رفض الأعمال المنزلية لأنها أعمال بغير أجر.



ونتيجة لمصادقة الجزائر على هذه الاتفاقية وغيرها من الاتفاقيات الدولية التي تؤكد على ضرورة إعادة النظر في حقوق المرأة، من خلال إعادة النظر في التشريعات الداخلية... أمر رئيس الجمهورية عبد العزيز بو تفليقة بإنشاء لجنة لمراجعة قانون الأسرة متكونة من 52 عضوا، تابعة لوزارة العدل برئاسة السيد: "محمد زغلول" (رئيس المحكمة العليا). حيث أدخلت على قانون الأسرة  بعض التعديلات، التي  عطلت مواد قانونية كانت مستمدة من الشريعة الإسلامية.
ومن ضمن التعديلات التي حاد فيها قانون الأسرة عن الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه - تمشيا مع ما نصت عليه اتفاقية سيداو - :  تعديل المادة[11] المتعلقة بالولي.

 جاء في المادة 11:(الأمر رقم 05 ـ 02 المؤرخ في 27 فبراير 2005):
"تعقد المرأة الراشدة زواجها بحضور وليها وهو أبوها أو أحد أقاربها أو أي شخص آخر تختاره. دون الإخلال بالمادة 7 من هذا القانون, يتولى زواج القصر أوليائهم وهو الأب, فأحد الاقارب الاولين والقاضي ولي لمن لا ولي له"
نلاحظ من خلال الجزء الأول من هذه المادة ، أن القاعدة القانونية أصبحت ضمنية وليست صريحة ، بمعنى أن إضافة عبارة " أو أي شخص آخر تختاره"، جعلت حضور الولي وعدمه سواء.
فما الفائدة من الحديث عن "الولي" ما دام مميعا إلى درجة أن المرأة التي تريد الزواج  في مقدورها جر أي شخص من الشارع وتقديمه لموظف مصلحة الحالة المدنية أو الموثق على أنه وليها  ؟  وقد كان نص  المادة قبل التعديل :" يتولى زواج المرأة وليها وهو أبوها فأحد أقاربها الأولين والقاضي ولي من لا ولي له".

وبهذا يكون قانون الأسرة المعدل  قد خالف الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه في هذه المسألة. 
فقد اتفق  الجمهور غير الحنفية على اشتراط الولي في النكاح ، فلا يصح الزواج إلا بولي، لقوله تعالى: "فلا تعضُلوهن أن ينكحن أزواجهن" [البقرة:232] قال الشافعي: هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى. ولقوله صلّى الله عليه وسلم : «لا نكاح إلا بولي» (أخرجه أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وهو لنفي الحقيقة الشرعية ، بدليل حديث عائشة: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» (أخرجه البيهقي في سننه الكبرى ج 7/  ص 105 حديث رقم: 13378) .
ولا يصح حمل الحديث الأول على نفي الكمال؛ لأن كلام الشارع محمول على الحقائق الشرعية ، أي لا نكاح  شرعي أو موجود في الشرع  إلا بولي.
والأحناف حينما صححوا النكاح بلفظ المرأة جعلوه موقوفا على إجازة الولي ، و الأولياء – عند جميع الفقهاء- هم قرابة المرأة: الأدنى فالأدنى[2]، الذين يلحقهم العار إذا تزوجت بغير كفء، وكان المزوج لها غيرهم[3].
أما أن يكون ولي المرأة " ... أي شخص آخر تختاره" فهذا ما لم يقل به أحد من أهل العلم ، فالحنفية  الذين صححوا النكاح بلفظ المرأة قد اشترطوا لصحة النكاح  ألا يكون العاقد ولياً أبعد مع وجود الولي الأقرب المقدم عليه : وهو شرط نفاذ عند الحنفية، فإن زوج الولي الأبعد مع وجود الأقرب منه، كان العقد موقوفاً على إجازة الولي الأقرب.
وهو شرط صحة عند الشافعية والحنابلة ، فلا يصح زواج الولي الأبعد مع وجود الأقرب ، إلا إذا كان هناك مانع كالجنون واختلال النظر بهرم أو خَبَل (فساد في العقل)، والصغر، والحجر بسفه، والعضل (أي المنع من الزواج بغير حق).
وقال المالكية: إن كان الولي الأقرب غير مجبر كالابن والأخ والجد والعم، كان العقد صحيحاً مكروهاً. وإن كان الأقرب ولياً مجبراً (وهو الأب) فسخ العقد أبداً، إلا إذا أجازه الولي الأقرب[4].....

واشتراط الولي في الزواج  إنما هو في مصلحة المرأة ؛ لان الزواج له مقاصد متعددة، والمرأة كثيرا ما تخضع لحكم العاطفة ، فلا تحسن الاختيار، فيفوتها حصول هذه المقاصد ، فمنعت من مباشرة العقد وجعل إلى وليها ، لتحصل على مقاصد الزواج على الوجه الأكمل .  وفي عدم  اعتبار الولي  ضياع  لتلك المصالح كلها ؛ كما أنه ذريعة   إلى التفكك الأسري وتغريب المجتمع الجزائري وخروج البنات عن طاعة أوليائهن... علاوة على مخالفته للفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه.

وقد جاء هذا التعديل نتيجة لاتفاقية سيداو كما أسلفنا،  ومن هنا ندرك مخاطر هذه الاتفاقية على مجتمعنا، فهي من جملة المخططات الهادفة إلى سلخ الأمة عن هوتها وأصالتها وقيمها بضرب مكوناتها الأساسية، وهي الأسرة التي تقوم – في الإسلام - على الطهر والعفاف والتماسك والاحترام المتبادل بين مكوناتها وأركانها، وقد تحفظت الجزائر على بعض مواد الاتفاقية، كالمادة 15 والمادة 16 وهما مادتان خطيرتان، إذا صادقت الجزائر عليهما مستقبلا فسيتتبعهما تعديلات في قانون الأسرة أيضا.. 

وأمام هذه المخاطر الواقعة والمتوقعة التي تهدد مجتمعاتنا يجب على المسلمين عموما وعلى أهل العلم خصوصا أن يقفوا صفا واحدا في وجه هذه المخططات الرهيبة، الرامية إلى طمس شخصية الجزائريين وتغريبهم بسلخهم عن قيمهم الأصيلة، وزعزعة بنيانهم العقائدي والثقافي والاجتماعي.



[1]  نقلا عن موقع الأستاذ سعيد بويزري . عنوان المقال :" قانون الأسرة الجزائري  ما له وما عليه"
[2] الآباء والابناء أولى من غيرهم ، ثم الاخوة لابوين، ثم الاخوة لاب ، أو لام، ثم أولاد البنين ، وأولاد البنات، ثم أولاد الاخوة، وأولاد الاخوات، ثم الاعمام، والاخوال، ثم هكذا من بعد هؤلاء.
[3] الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ . تأليف الدكتور وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ . الناشر : دار الفكر - سوريَّة – دمشق . ج 9 / ص 75
[4]   الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ . تأليف الدكتور وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ . الناشر : دار الفكر - سوريَّة – دمشق . ج 9 / ص 78