......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

السبت، 27 فبراير 2016

أمنيات الأموات


مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد /

فإن لكل إنسان في هذه الحياة أمنيات كثيرة ومتعددة ، وهي تتفاوت وتختلف من شخص لآخر ، فلو سألت أي إنسان ما أمنيتك في هذه الحياة ؟

·   فإن كان من وسط فقير، وعاين الفقر وأحس بألمه واكتوى به ، تمنى أن يعيش غنيا ، وأن يملك العقارات والسيارات؛ ليعيش منعما كما يتنعم غالب الناس. 
·   أما لو قابلت مريضا طرحه المرض على الفراش، فشل حركته، وقيد حريته، ومنعه حتى من لذة الطعام والمنام، وسألته عن أمنيته؟ لرأيته يتمنى أن يعافى من مرضه، ولو أن يفتدي بماله كله.
·    ولو سألت بعض الأغنياء عن أمنياتهم، لرأيتهم يتمنون مزيدا من الغنى، ليكونوا أغنى من فلان وعلان، وهكذا فالمقل لا يقنع ، والمكثر لا يشبع ، وأماني الدنيا لا تنتهي. 

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال - فيما رواه أنس رضي الله عنه -:

"لو أن لابن آدم واديا من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" [أخرجه البخاري].

أي لا يزال ابن آدم حريصاً على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره.
ومع هذه الأماني المتباينة لهؤلاء الناس، فإن الجميع تراهم يسعون ويكدحون طوال حياتهم، لتحويل أحلامهم وأمنياتهم إلى واقع، وقد يوفقهم الله تعالى إلى تحقيقها متى بذلوا أسباب ذلك. 

ولكن هناك فئة من الناس لا يمكنهم تحقيق أمنياتهم ، ولا يُنظر في طلباتهم ، فمن هم هؤلاء يا ترى؟ ولماذا لا تُحقق أمنياتهم ؟ وهل يمكننا مساعدتهم أو التخفيف عنهم ؟

أيها الإخوة:

هؤلاء هم الأموات الذين  أصبحوا رهائن ذنوبهم  ، وصاروا غرباء في سفر لا ينتظرون العودة منه ،   فماذا يتمنى الأموات يا ترى؟ ومن يا ترى يستطيع أن يُحدِّثنا عن أمنياتهم ، وقد انقطع عنا خبرهم ...؟ 

فلنتحدث قليلا عن هذه الفئة المنسية ، لنعرف أمنيات أناس أصبح بصرهم حديدا، فقد عاينوا الجنة والنار، ورأوا ملائكة الله ، وأصبح الغيب لديهم شهادة، وعرفوا حقيقة الدنيا والآخرة، وأيقنوا وهم في برزخهم ؛ أنهم سيبعثون ليوم عظيم، فهل يتمنون العودة إلى هذه الدنيا ليتمتعوا بالحياة ويحسوا بلذتها وطعمها ؟ أو ليملكوا مزيدا من العقارات ويجوبوا الأرض سياحة ولهوا  ....؟

إن أمنية الكثير من الناس في هذه الحياة لا تزيد على وظيفةٍ مرموقة ، وزوجة جميلة، ومركبٍ هنيءٍ ، وبيتٍ واسعٍ، وأملاكٍ وعقاراتٍ ، وتمشياتٍ وسهراتٍ ، وحضور ولائم وحفلات ....

أما الأموات، فماذا يريدون من دنيا رحلوا عنها ، وانخدعوا بها، وعرفوا حقيقتها ، وخلفوها وراء ظهورهم بلا رجعة ؟ فلنقرأ ما ذكره لنا كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن أمنيات الموتى الصالحين منهم والطالحين.

أولا : أمنيات الصالحين

1.  المؤمن يتمنى أن يصل إلى قبره بسرعة:

فإذا مات العبد المؤمن وحمل على الأعناق ، نادى أن يقدموه ويسرعوا به إلى القبر ليلقى
النعيم المقيم ، تلك هي أمنية العبد الصالح بعد موته ، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إذا وضعت الجنازة فاحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها أين يذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق"[البخاري] .

2.  إذا أُقبِر تمنى قيام الساعة:

فإن العبد الصالح إذا أدخل في قبره وبُشر بالجنة ، ورأى منزلته فيها، فإنه لا يتمنى أن يعود
إلى الدنيا، بل يتمنى أن تقوم الساعة ، ليدخل في ذلك النعيم المقيم الذي ينتظره، لقد ذكر لنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبد المؤمن إذا أجاب عن أسئلة الملكين وهو في قبره:

 "....نادى مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة، فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي...." [البخاري] .

هذه أمنية العبد  الصالح وهو في قبره ؛ يتمنى أن تقوم الساعة.

وهذا بخلاف الكافر أو المنافق فعلى الرغم من شدة العذاب الذي يلاقيه في قبره، فإنه يدعو رب ألا تقم الساعة ، فيقول :"رب لا تقم الساعة" ؛ لأنه يعلم أن ما بعد القبر هو أشد منه وأفظع.

3. يتمنى أن يبشر أهله :

فإذا بُشِر العبد الصالح في قبره بالجنة ، فإنه يتمنى أن يعود إلى أهله ؛ ليبشرهم بنجاته من
النار وفوزه بالجنة ، إذ روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال:
"إذا رأى المؤمن ما فسح له في قبره، فيقول: دعوني أبشر أهلي"

وفي رواية :

" فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي ، فيقال له: اسكن".[أخرجه أحمد في مسنده] .

ولقد قص الله عز وجل علينا قصة صاحب (يـس) الذي كان حريصا على هداية قومه، إلا أنهم قتلوه وهو يدعوهم إلى الإيمان بالله ورسله ، فلما عاين كرامة الله عز وجل له وفوزه بالجنة، تمنى أن يعلم قومه بذلك كي يؤمنوا ، فقال تعالى في شأنه :

"قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ" [يس27]

 أي تمنى أن لو قومه الذين حاربوا دين الله، ورفضوا الاستجابة لأوامر الله؛ أن يعلموا ماذا أعطاه الله من نعيم وثواب جزيل....

4.   الشهيد يتمنى أن يعود ليستشهد مرة أخرى:

فعلى الرغم من عظم منزلة الشهيد  -  فإنه يتمنى أن يعود إلى الدنيا ؛    ليستمر في جهاد
أعداء الله ، فيقاتل ويُقتل ولو عشر مرات ؛ لما يرى من ثواب الجهاد وكرامة المجاهدين عند
الله عز وجل، اسمع ما نقله لنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم عن أمنية كل من مات
شهيدا في سبيل الله عز وجل.

روى أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد؛ يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة".[أخرجه البخاري].


ثانيا : أمنيات الطالحين

أما المقصر في جنب الله  ، الذي تمر عليه ساعات أيامه وهو في لهو وغفلة ... يُسوِّف التوبة ويأمل في مزيد من العمر .... فإذا مات تحسر على ما فاته ، وتمنى على الله أمانيَّ لا تغنيه شيئا ، فماذا عسى أن يتمنى هذا المقصر إذا أصبح في عداد الموتى ؟ 

1)   الصلاة ولو ركعتين:

يتمنى الميت المقصر لو تعاد له الحياة، ليصلي ولو ركعتين اثنتين فقط ، فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبرٍ فقال: "من صاحب هذا القبر؟" فقالوا: فلان، فقال: "ركعتان أحب إلى هذا من بقية دنياكم"[أخرجه الطبراني في الأوسط].
 وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم: "ركعتان خفيفتان مما تحقرون وتنفلون، يزيدها هذا في عمله، أحب إليه من بقية دنياكم""[أخرجه أخرجه ابن المبارك].

فغاية أمنية الميت المقصر؛ أن يُمدَّ له في أجله ، ليركع ركعتين يزيد فيها من حسناته، وليتدارك ما فات من أيام عمره في غير طاعة، ألم تسمع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول لنا معشر الأحياء: "الصلاة خير موضوع، فمن استطاع أن يستكثر فليكثر" [أخرجه أخرجه الطبراني في الأوسط].

لقد عاين ذلك الميت وهو في قبره ثواب الصلاة ، ورأى بأم عينه فائدة الصلاة، فتأسف أشد الأسف على أيام أمضاها في غير طاعة ، على ساعات مضت في لهو وغفلة ، لم يجنِ منها الآن سوى الحسرة والندامة ، وها نحن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل لنا أمنية ذلك الميت وهو في قبره، يتمنى أن يصلي ، يتمنى أن يعود إلى الدنيا لدقائق معدودة، ليركع ركعتين فقط لا غير، لا يريد من الدنيا إلا ركعتين، يا سبحان الله، لأنهما الآن أصبحتا عنده تعدل الدنيا بما فيها ، وماذا عسى أن تساوي الدنيا عنده ، وقد خلفها وراء ظهره وارتهن بعمله ؟

اغتنم في الفراغ فضل ركوع  *** فعسى أن يكونَ موتك بغتة

كم صحيح رأيتَ من غير سُقم  *** ذهبتْ نفسه الصحيحة فلتة

فغاية أمنية الموتى في قبورهم حياة ساعة، بل دقيقة، يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعمل صالح.....

 أما نحن أهل الدنيا فمفرطون في أوقاتنا؛ بل في حياتنا، نبحث عما يقتل أوقاتنا، لتذهب أعمارنا سدى في غير طاعة، ومنا من يقطعها بالمعاصي، ولا ندري ماذا تخبئ لنا قبورنا من نعيم أو مآس، نسمع المنادي ينادي إلى الصلاة، ولكن لا حياة لمن تنادي؟؟

2- الصدقة
 
يتمنى الموتى الرجوع إلى الدنيا ولو لدقائق معدودة، ليقدموا صدقة لله عز وجل، ولقد نقل الله لنا أمنيتهم هذه في قوله تعالى: 

" َأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " [المنافقون:11]. 

لقد اقتنعوا - ولكن بعد فوات الأوان - أن الصدقة من أحب الأعمال إلى الله عز وجل، وأنها تطفئ غضب الرب جل وعلا، وأن العبد سيُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفق ه، فتمنوا الرجعة ليقدموا صدقتهم بعد أن منعوها الفقير، وصرفوها على شهواتهم وسياحتهم، : 

"فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ".

تمنى الرجعة لأنه عرف أن الصدقة تباهي سائر الأعمال وتفضلهم ، فقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"ذُكر لي أن الأعمال تباهى فتقول الصدقة: أنا أفضلكم".

تمنى الرجوع إلى الدنيا فقط ليتصدق، لعله علم عِظَم ثوابها، أو عظم عقاب المفرط فيها، إنها أمنية مليئة بالحسرة والأسف، ولكنها جاءت متأخرة.


3-  العمل الصالح  بصفة عامة
 
أما الأمنية الثالثة التي يتمناها هؤلاء الموتى؛ فهي العودة إلى الدنيا ولو للحظات معدودة، ليكونوا صالحين ، ليعملوا أي عمل صالح ، ليصلحوا ما أفسدوا، ويطيعوا الله عز وجل في كل ما عصوا، ليذكروا الله تعالى ولو مرة، يتمنون النطق ولو بتسبيحة واحدة ، ولو بتهليلة واحدة، فلا يؤذن لهم، ولا تُحقق أمنياتهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، قال الله عز وجل في شأنهم:

"حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ"[المؤمنون: 100].

هذا هو حال المقصر مع الله تعالى إذا وافته المنية ، يقول :

" رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ "

 ويقول :
" لوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ "

تلك أماني الأموات ... يتمنو العودة إلى الحياة ؛ ليستدركوا ما فات ... ولكن هيهات هيهات ؟؟

‌فها نحن نملك الآن نعمة الحياة ، فها اغتنمناها في مرضات الله ؟؟ قبل أن يفوت الأوان ، فنتمنى – حينئذ - ما يتمناه بعض الموتى الآن في قبورهم ؟؟ 

قال إبراهيم بن يزيد العبدي رحمه الله تعالى: أتاني رياح القيسي فقال:

 "يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نُحدثُ بقربهم عهدا، فانطلقت معه فأتى المقابر، فجلسنا إلى بعض تلك القبور، فقال: يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيا لو مُنِّ ؟ (أي لو قيل له تمنى) قلت: أن يُردَّ - والله - إلى الدنيا، فيستمتعْ من طاعة الله وُيصلح، قال: ها نحن في الدنيا، فلنطع الله ولنصلح، ثم نهض فجدَّ واجتهد، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات رحمه الله تعالى" .

وقال إبراهيم التيمي:

"مثَّلتُ نفسي في النار، آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أُردَّ إلى الدنيا فأعمل صالحا، قال: فقلت: أنتِ في الأمنية فاعملي".

الخاتمة

فيا إخوة الإيمان نحن اليوم في دار العمل ، والآخرة دار الجزاء ، فمن لم يعمل هنا ندم هناك، وكل يوم تعيشونه فهو غنيمة، فإياكم وإياي  والتهاون فيه ، فإن غاية أمنية الموتى في قبورهم؛ حياة ساعة، يستدركون فيها ما فاتهم من عمل صالح، ولا سبيل لهم إلى ذلك البتة، لانتهاء فرصتهم في الحياة .

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين  وصحبه أجمعين
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


الثلاثاء، 16 فبراير 2016

دلالات يوم الشهيد " بين الماضي والحاضر والمستقبل "

الحمد لله الذي أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، الحمد لله الذي من علينا بالحرية والسيادة والانتصار ، بعد قرن وربع من القهر و الاستعمار ، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصطفى المختار ، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار ، وصحابته الأخيار ، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما بقي الليل والنهار .
أما بعد / فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار .

أيها الإخوة الكرام : إن الجهاد والاستشهاد في سبيل الله صفقة رابحة :

البائع فيها هو المؤمن  -- والمَبيع هو بذل النفس والمال في سبيل الله -- والمشتري هو الله جل جلاله -- والثمن هو الجنة ، وذلك معنى قوله تعالى :
"إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"[التوبة111].

تلك حقيقة الجهاد والشهادة في سبيل الله ، فإن المجاهدين والشهداء قد باعوا أنفسهم لله ، والله تعالى قبل منهم ذلك تفضلا منه ومِنَّة ، وقوله : "يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون أي  سواء قَتَلوا أو قُتِلوا ، أو اجتمع لهم هذا وهذا ، فقد وجبت لهم الجنة في كلتا الحالتين ؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم :" تَضَمَّنَ الله لِمَنْ خَرَجَ في سَبيلِهِ ، لا يُخْرِجُهُ إِلاَّ جِهَادٌ في سَبيلِي ، وَإيمَانٌ بِي ، وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي ، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ ، أَوْ أُرْجِعَهُ إِلَى مَنْزِلهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنْ أجْرٍ أَوْ غَنيمَةٍ ...".

وهذه وقفة موجزة مع رموز البلاد و أسودها "الشهداء الأبرار" الذين حباهم ربهم بأعظم مكرمة ، وتوجهم بأشرف وسام ، واصطفاهم من بين خلقه ؛ ليستخلصهم لنفسه ويخصهم بقربه  ...فقال جل ثناؤه:

" وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ"[آلعمران140]..

فتأمل  قوله تعالى: "وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء" ؛لتعلم أن الشهادة هي اختيار من الله واصطفاء ، ويا سعادة من اختاره ربه واجتباه؟ 

حقيقة أننا - في هذا الوطن المبارك - اتخذنا  الثامن عشر من شهر فيفري ذكرى للشهيد ، وأكرم بها من ذكرى ؟ إلا أن الشهيد ـ في الحقيقة ـ ليس له يوم مخصص يُذكر فيه ، فذكراه ينبغي أن تكون حاضرة في قلوبنا على مدار الشهور والأيام ؛ لأن ذكرى الشهيد هي قرآن يتعبد المؤمنون بلاوته في كل حين :

" وَ لَا تَحْسِبَنَّ الذِينَ قُتِلوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلَ اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " [آلعمران169].

نعم أيها الإخوة : إن الشهداء أحياء بنص القرآن ، عند ربهم يرزقون في جنات النعيم  ، لهم فيها ما لا عين رأت و لا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ؛ لذلك لا يجوز أن نطلق عليهم اسم الأموات ، وقد نهانا القرآن عن ذلك ، فقال تعالى:

" وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ "[البقرة154]..

 فالشهداء ليسوا أمواتا ، الشهداء شهدوا أن الله حق  وأن وعده حق .. وشهدوا أن دين الله حق فلابد من حفظه و حمايته من أي خطر يهدد أركانه   ، فإذا اقتضت حماية الدين  بذل الدم و الروح لم يتردد الشهيد – حينها -  في بذل نفسه في سبيل الله  ؛ لذلك سمي شهيدا ؛ فهو قد  شهد ببذل دمه أن دين الله أعظم من أن يتراجع الإنسان عن حفظه ببذل المال والنفس..

وما أبعد المسافة بين هذا الذي ضحى بكل شيء في سبيل ربه ؟ وبين كثير من المسلمين الذين يبخل أحدهم بملغ زهيد يقدمه إلى أرملة أو يتيم أو يضعه في مسجد كهذا  ؟ وما أكثر الذين يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل ؟ فترى أحدهم لأجل شهوته .. أو مصلحته الشخصية .. أوحظوظه النفسية .. يدوس على المبادئ والقيم والأخلاق .. يتعامل بالربا ويقدم الرشا .. يكذب ويفتري ، يشهد الزور ويسيئ الجوار ، يخون العهود والأوطان ....؟؟

لذلك فإن الشهداء ليسوا أمواتا ، إنما الأموات  أموات القلوب والهمم ، إنما الأموات أموات الرجولة والقِيَم ... فها هو  جيل اليوم لا يُفكر في الشهادة  و لا يرغب فيها إطلاقا ، و لا يدرك مكانة الشهيد ؟ وماله عند الله من التكريم والثواب العظيم  ؟ فمن منا اليوم يتمنى الشهاده ويسأل الله – صادقا – أن يبلغه إياها ؟ مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فتح باب الشهادة  للرجل والمرأة ، للكبير والصغير ، للمجاهد وللقاعد ، فقال عليه الصلاة والسلام:

"من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه"[رواه مسلم].

وأين نحن – اليوم - من آبائنا وأجدادنا و أسلافنا الذين كانوا يتسابقون إلى ميدان الشهادة ، ويحرصون عليها أكثر من حرصهم على الحياة؟

في غزوة بدر يروى عامر بن سعد عن أبيه قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للخروج إلى بدر يتوارى- يختفي بين صفوف المقاتلين -  فقلت: ما لك يا أخي؟ فقال: إني أخاف أن يراني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستصغرني فيردني ، وأنا أحب الخروج ، لعل الله يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستصغره فقال: ارجع، فبكى عمير، فأكبر النبي فيه هذا الشعور الإيماني ، وأذن له في الخروج على الرغم من صغر سنه ونحافة جسمه ، فقد قال أخوه سعد بن أبي وقاص : كنت أعقد له حمائل سيفه من صغره ونحافة جسمه . إلا أنه كان ذا همةٍ تعلو قمم الجبال ، فكان أول شهيد من شهداء بدر ، استشهد وهو ابن ستة عشر سنة.

هذا نموذج من نماذج لا حصر لها قدمها أسلافنا في ميادين التضحية والفداء ،  فأين شباب اليوم من شباب الأمس ؟ وماذا قدم شبابنا اليوم من تضحيات لإعزاز الإسلام والتمكين له ؟ وماذا قدموا لأمتهم ووطنهم ؟ وهل هم في مستوى إعزاز هذا الدين وإغاضة أعدائه ؟؟؟

أيها الإخوة : ما أخال الإجابة عنكم بخافية ؟

وهل تنتظرون نصرا وأمجادا ؟ أو تقدما وازدهارا ؟ أو عزة وكرامة ؟ أو تضحية وإقداما ؟

ممن اشتغل بتسريح الشعور ودهنها وارتدى الملابس التي هي أقرب للأنوثة منها إلى الرجولة  ؟ أوممن أدمن  على المخدرات ومواقع الإباحية والخلاعة ؟ أوممن امتهن الإجرام والحِرابة ، أو ممن تنكر للتاريخ والأصالة ...؟ طبعا  لسنا نعمم ، ففي شبابنا بقية خير ، وأكرم بها من بقية ؟ ولكن ما ذكرناه حاصل  لا ينكره ناكر أو يجحده جاحد ؟  

ومعاذ الله أن نذكر ذلك بدافع التتبع للعيوب والزلات ؟ أو التشفي من ذوي الغفلة والعثرات ...؟ كلا ؟ فما ذلك من شيمنا و لا من أخلاق ديننا ... وإنما هو تشخيص لبعض العلل القاتلة ، التي ينبغي أن تتظافر جهودنا لعلاجها ودرئها في مهدها ... وهي صيحة تقتضيها الغيرة على فلذات أكبادنا ؛ من أجل إيقاض العقول الغافلة ، وهز النفوس الجامدة ؛ عسى أن نعود إلى قيمنا وأخلاقنا وأصالتنا ، ونسير على النهج الذي رسمه شهداؤنا بدمائهم الطاهرة الزكية ؛ ليعود إلينا من أمجادنا ما قد ذهب ، وكما قال ابن باديس رحمه الله:

" وَاهْـزُزْ نـفـوسَ الجَـامِدينَ فَرُبَّـمَـا حَـيّ الْـخَـشَـبْ "


وهل يرضينا – ونحن نتحدث عن جيل الشهداء - أن نرى الجيل الذي ضحى من أجله الشهداء بالأمس ، يتحطم بعضه اليوم أمام أعيننا عقائديا وخلقيا وثقافيا وفكريا ... ؟  كلا ثم كلا ؟

لســت أرضــى لأمــــــةً أنبتتني --  خُلقا شائها ً وقـــــدرا ً ضئيلا
لست أرضى تحاســدا ً أو شِقاقا --  لست أرضى تخاذلا أو خمولا
أنا أبغي لها الكرامــة والمجــــد --  وسيـــــــفا على العدا مسلولا
علمتني الحياة إن عشت لنفسي --  أعيـــــش حقيــــــرا هـــزيلا

أيها الإخوة الكرام : نحن اليوم لم نطلب من جيل الاستقلال أن يقوم بمثل ما قام به:

1)           "عمير بن أبي وقاص" وقد تقدمت قصته .

2)       أو ما قام به بطل الجزائر الشهيد ياسف عمر المعروف ب" عمر الصغير " ذلكم الطفل الذي أرعب فرنسا وعملاءها ، وأسهم في إنقاذ مجاهدين فدائيين ، كانت الثورة ستصاب بخسارة فادحة لو قبض على أحدهم ، لولا بسالة هذا الطفل الذي كان مثالا للبطولة والتضحية والفداء ، وآثر الشهادة في سبيل الله مع حسيبة بن بو علي وعلي لابوانت وبو حمدي محمود  رحمهم الله جميعا.

3)    أو ما قام به البطل الشهيد "ديدوش مراد" الذي كان من أوائل قادة الثورة ، واستشهد وعمره لم يتجاوز 28 سنة وقال رحمه : "إذا ما استشهدنا دافعوا عن أرواحنا.. نحن خُلقنا من أجل أن نموت ، ولكن ستخلفنا أجيال لاستكمال المسيرة ".

4)     أو ما قام به البطل الشهيد "أحمد زبانة" الذي كان أول شهيد يعدم بالمقصلة ، واستشهد وهو في سن  30 من عمره ،  وكان عمره عند اندلاع ثورة التحرير الوطنية - التي كان من بين مفجريها - 28 سنة فقط ، وقال متحديا جلاديه : "سننزع منكم حريتنا عاجلا أم آجلا".

5)    أوما قام به كلٌ من لا لة فاطمة نسومر ، وحسيبة بن بوعلي ، وسي الحواس ، والعقيد عميروش ، ومصطفى بن بوالعيد ، والعربي بن مهيدي ، وزغيود يوسف ... ونظراؤهم كثير... وإن تعدوا شهداء الجزائر لا تحصوهم ، الذين كان شعارهم جميعا :

واقـــض يا موت في ما أنت قاض ..... أنا راض إن عاش شعبي سعيدا
أنا إن مت فالجزائر تحــــــــــــــيا .....  حــــــــــرة مســــــتقلة لن تبيدا

ولقد وفى الشهداء بهذا العهد الذي قطعوه على أنفسهم ، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وواجب على أجيال اليوم والغد أن توفي بعهد الشهداء .

 لكن – كما قلت لكم أيها الإخوة -  أننا لم نطلب من شباب اليوم أن يقوم بمثل ما قام به هؤلاء الأسود الأشاوس من تضحيات وفداء – وإن كان ذلك واجبا علينا متى اقتضته ضرورة حفظ الدين والوطن -  وإنما المطلوب منا  في هذه المرحلة الحاسمة :

1)  أن نحافظ على عقيدتنا وقيمنا وأخلاقنا وأصالتنا ... لأن سر قوتنا إنما  يكمن في التمسك بهذا الدين ، الذي تمسك به آباؤبنا و أجدادنا  ؛ فكانوا رجالا ... رجالا لا يقبلون الضيم ، ولا يعطون الدنية من دينهم وثورتهم ووطنيتهم أبدا ؛ وبذلك استحقوا النصر والتمكين ، وأننا متى تنكرنا لديننا أو انحرفنا عن أصالتنا وقيمنا ..  كنا عرضة للهزائم والزوال والاندثار...

2)  أن نحافظ  على أمانة الشهداء ، من خلال المحافظة على لحمة الجزائر ووحدتها وتماسكها،  والوقوف في وجه أي مشروع يهدف الى تمزيق الجزائر أو تفتيتها الى طوائف وشيع متناحرة.

3) أن نثبت وجودنا في ميدان البحث العلمي ، والاكتشاف والاختراع في ميدان التكنولوجيا؛ للالتحاق بركب الدول المتطورة ، وليس ذلك مستحيلا مع هذه الألفية ، التي أصبح فيها ميدان التسابق مفتوحا للجميع.


4)   وأن نعمل على تقوية عوامل الاعتزاز بالانتماء لهذا البلد الأبي ، الذي ما ركع في حياته إلا لله ، وتشريفه في المحافل الدولية بالانجازات العلمية وبراعات الاختراع ، وتمثيله خير تمثيل بسلوك حضاري راق.

5)   وأن نحيي روح الاخلاص في العمل والتفاني فيه ، بتقديم أقصى ما يمكن تقديمه ، في مختلف الميادين.
وبذلك نكون خير خلف لخير سلف

قُـــلِ اعْمَلــــُوا فَسَيَـــــرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُـــولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"
[التوبة105]

اللهم لك الحمد على نعمة الحرية والسيادة والانتصار ، ولك الحمد على نعمة العافية والأمن والاستقرار. اللهم ارحم شهداءنا الأبرار ، وتقبلهم بأحسن ما تتقبل به عبادك الصالحين ، وجازهم عنا خير الجزاء ، وأمِنا اللهم في أوطاننا ، ووفق ولاة أمورنا إلى ما تحبه وترضاه ، ووحد بين صفوفنا ، واهد شبابنا وحسن أخلاقنا ويسر أرزاقنا ، واجمع كلمتنا على الحق والدين ،  وانصرنا على من عادانا ، ومن أرادنا بخير فوقه لكل خير ، ومن أرادنا بسوء فاشغله بنفسه واجعل تدبيره في نحره ، وصل اللهم و سلم وبارك على سيدنا ونبينا و مولانا محمد وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.