......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

من أسباب قوة المؤمن


مقدمة
الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .  
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين"(التوبة: 119) 
أما بعد / فيا أيها الإخوة الكرام : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" [أخرجه مسلم وابن ماجة وأحمد]
القوة المرادة : هي قوة الإيمان ؛ لأن القوة من دون إيمان قوة ظالمة لا خير فيها ، فالإيمان هو الذي يسير القوة إلى الوجه الصحيح ، ويستخدمها في مجالات الخير.
و الإنسان في هذه الحياة الدنيا   تعترض طريقه عقبات عديدة ، ومعوقات كثيرة، و تصرفه عن غايته صوارف مختلفة ، فكان  بحاجة ماسة إلى القوة ، التي تشد أزره وتأخذ بيده ، وتذلل له العقبات ، وتقهر أمامه الصعوبات ، وتنير له الطريق،  قال تعالى: "يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً"  [سورة النساء28] . و لو خلقه الله قوياً لاستغنى بقوته عن الله ، وحينما يستغني الإنسان بقوته عن الله يشقى باستغنائه ، فخلقه الله ضعيفا ليفتقر إلى الله في ضعفه فيسعد بافتقاره ،  فالإنسان في طبيعته ضعيف مفتقر – دوما - إلى قوة تدعمه ، و تحميه و تنصره، و تنير الطريق أمامه ..
ومن هنا فخطابنا اليوم هو بحث عن أسباب القوة الإيمانية ، لأن القوة العارية عن الإيمان قوة حيوانية لا خير فيها .
السبب الأول: الإيمان بالله والتوكل عليه
المؤمن قوي ؛ لأنه يستمد قوته من الله العلي الكبير القوي العزيز الغني ، الذي يؤمن به ويتوكل عليه ويعتقد أنه معه حيث كان ، وإذا كنت مع القوي فأنت قوي، وإذا كنت مع العزيز فأنت عزيز، وإذا كنت مع الغني فأنت غني، أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، دخل على رستم قادة جيوش الفرس ، قال له رستم : من أنت، وما أنتم ؟..قال ربعي: نحن قوم بعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.. هدا رجل قوي يقف على أرض صلبة ، غير حائر ولا مضطرب ؛ لأنه عرف الله وتوكل عليه ، وفي الأثر : " لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال "
وقال تعالى في شأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – وقد أحاطت بهم جيوش الكافرين من كل جانب - :"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ" ] 174 سورة آل عمران [. فإذا أصابك  الخوف فافزع إلى " حسبي الله ونعم الوكيل " ترددها بلسانك وتعتقدها بجنانك ، فلن يمسسك سوء بإدن الله تعالى .
إذن : هذا أحد مصادر قوة المؤمن، فهو مع الحق الثابت الذي لا تزيده الأيام إلا رسوخاً وشموخاً ،
السبب الثاني: الإيمان بالخلود
من عوامل قوة المؤمن أنه يؤمن بالخلود، فالموت تذوقه النفس، لكن النفس لا تموت، قال تعالى: " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[سورة آل عمران185]
خُـلِقَ  الـنّاسُ  لـلبَقَاءِ فضَلّتْ      أُمّــةٌ  يَـحْـسَبُونَهُمْ  لـلنّفادِ
إنّـما يُـنْقَلُونَ مِـنْ دارِ أعْـما      لٍ إلــى دارِ شِـقْوَةٍ أو رَشَـادِ
فالمؤمن يستمد قوته من الخلود الذي يوقن به، فحياته ليست هذه الأيام المعدودة في الأماكن المحدودة، إنما هي حياة الأبد، فهو  ينتقل من دار إلى دار، ومن ثم فليس عنده فزع من الموت، ليس عنده فزع الخروج من الدنيا ؛ لأنه مؤمن بالخلود ، إنه يؤمن بحياة طيبة بعد الموت ، كما قال تعالى: " يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي" [سورة الفجر24].  
          وما الموت إلا رحلة غير أنها       من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي                                            
 ولأجل هذا كان المسلمون الأوائل يستبسلون في الجهاد ، غير عابئين بالموت ، و لا شاعرين بالخوف .
السبب الثالث: الإيمان بالقدر
فالإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن، كل شيء بقضاء من الله وقدر. والمؤمن يستمد قوته من القدر الذي يؤمن به ، فهو يعلم أن ما أصابه من مصيبة بإذن الله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه ، وشعاره السرمدي: " قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " [سورة التوبة51]
و يعتقد المؤمن أن رزقه مقسوم ، وأن أجله محدود ، قال عليه الصلاة والسلام: "إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله عباد الله، وأجملوا في الطلب، واستجملوا مهنكم"[أخرجه ابن أبي شيبه عن عبد الله بن مسعود، وأخرج ابن مردويه عن الحسن ].
الرزق مقسوم، والأجل محدود، فلا يستطيع أحد كائناً من كان أن يحول بينك وبين ما قسم الله لك من رزق ، ولا يستطيع أحد كائناً من كان أن ينتقص ما كتب الله لك من أجل ، فلم الخوف إذن :  هذه العقيدة تعطينا ثقةً لا حدود لها ، وتمنحنا قوةً لا تقهرها قوة البشر، وقد كان الرجل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، يذهب مع رسول الله مجاهداً، فيعترض سبيله المثبطون ويخوفونه من ترك أولاده، فيقول : علينا أن نطيع الله  كما أمرنا ، وعلى الله أن يرزقنا كما وعدنا ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا على الله رزقها"  ]سورة هود38[. وكلمة (على) إذا جاءت مع لفظ الجلالة تفيد أن الله ألزم نفسه برزق العباد تفضلا منه ومنة لأنه تعالى لا يجب عليه عقلا فعل شيء.
وكان المعوقون، والخاذلون يذهبون إلى زوجته، زوجة هذا الصحابي فيثيرون مخاوفها على رزقها، ورزق عيالها، إذا ذهب زوجها مع رسول الله، فتجيبهم بثقة واطمئنان: زوجي أعرفه أكّاَلاً، ولا أعرفه رزاقاً، فإذا ذهب الأكال بقي الرزاق.
فالاعتقاد بالقضاء والقدر يورث الجرأة والإقدام والشجاعة والبسالة والثبات، واحتمال المكاره، ومقارعة الأهوال ويجعل صاحبه قوياً.
الخاتمة
والنتيجة : أيها الإخوة الكرام: أنك إذا كنت مع الله - تتوكل عليه وتؤمن بقضائه وقدره وتصدق بوعده- فأنت الغني ،                   و أنت العزيز، وأنت القوي ، فليس بينك وبين أن تكون قوياً إلا أن تعرف الله وتطيعه  فيما أمر، و تتوكل عليه ، وتقوي صلتك به ،ِ يقول الله تعالى : " نَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ ...." [سورة المعارج 22 ]
الهلوع: إذا مسه الشر كان جزوعاً، وإذا مسه الخير كان منوعاً ،  إلا المصلين…..المصلي ليس هلوعاً، ولا جزوعاً، ولا منوعاً ؛ لأنه استمد القوة من الله ، من دون أن تتصل بالله فأنت ضعيف ، وأنت هلوع ، وأنت جزوع ، وأنت منوع ، هذا شأن الإنسان ، أي إنسان في أي مكان وزمان ، إن الإنسان قبل أن يعرف الله ، قبل أن يتصل بالله ،  قبل أن يستمد القوة من الله ، فهو خُلق هلوعاً ، شديد الخوف تخور قواه لأدنى تهديد ، ينهار لأدنى ضغط ، إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين ، هؤلاء الذين اتصلوا بالله عز وجل استمدوا منه القوة ، استمدوا منه الشجاعة، والثبات. والحمد لله رب العالمين . 

الأربعاء، 11 ديسمبر 2013

جدول كيفية قضاء المسبوق في الصلاة حسب المذهب المالكي


على المسبوق أن يحرم فورا ويدخل مع الإمام كيفما وجده،  قائما أو راكعا أو ساجد أو جالسا، فإن وجده قائما أو جالسا كبر تكبيرة الإحرام فقط، وإن وجده راكعا أو ساجدا كبر تكبيرة الإحرام قائما ثم كبر تكبيرة أخري ينحني بها للركوع أو السجود، ثم إذا سلم الإمام قام المسبوق قاضيا لأقواله بانيا في أفعاله.

واختلف في المسبوق في صلاة الصبح، فقيل يقنت إذا أتى بالركعة الفائتة، وقيل: لا يقنت وهو المعتمد . انظر:منح الجليل لعليش1/387

وفي الجدول الآتي بيان لكيفية القضاء والبناء في سائر الصلوات

الصلاة
الركعة المدركة
الركعة الفائتة
كيفية القيام
كيفية القضاء
الظهر

أو

العصر
3
1
يقوم بدون تكبير
يأتي بركعة بالفاتحة والسورة
2
2
يقوم بالتكبير
يأتي بركعتين بالفاتحة والسورة
1
3
يقوم بدون تكبير
يأتي بركعة بالفاتحة والسورة ثم يجلس للتشهد ثم يقوم فيأتي بركعتين أولاهما بالفاتحة والسورة والثانية بالفاتحة فقط
لا شيء : كأن يدرك الإمام قد رفع رأسه من ركوع الركعة الأخيرة
4
يقوم بالتكبير
فيقضي ركعاته كما لو كان يصلي وحده


المغرب
2
1
يقوم بالتكبير
يأتي بركعة بالفاتحة والسورة (جهرا)
1
2
يقوم بدون التكبير
يأتي بركعة بالفاتحة والسورة (جهرا) ثم يجلس للتشهد ثم يقوم فيأتي بركعة بالفاتحة والسورة (جهرا) .
لا شيء : كأن يدرك الإمام قد رفع رأسه من ركوع الركعة الأخيرة
3
يقوم بالتكبير
فيقضي ركعاته كما لو كان يصلي وحده



العشاء
3
1
يقوم بدون تكبير
يأتي بركعة بالفاتحة والسورة (جهرا)
2
2
يقوم بالتكبير
يأتي بركعتين بالفاتحة والسورة (جهرا) لا يتشهد بينهما
1
3
يقوم بدون تكبير
يأتي بركعة بالفاتحة والسورة (جهرا) ثم يجلس للتشهد ثم يقوم فيأتي بركعتين أولاهما (جهرا) بالفاتحة والسورة . والثانية بالفاتحة فقط.
لا شيء : كأن يدرك الإمام قد رفع رأسه من ركوع الركعة الأخيرة
4
يقوم بالتكبير
فيقضي ركعاته كما لو كان يصلي وحده

الصبح
1
1
يقوم بدون التكبير
يأتي بركعة بالفاتحة والسورة (جهرا) ثم يأتي بدعاء القنوت
لا شيء : كأن يدرك الإمام قد رفع رأسه من ركوع الركعة الأخيرة
2
يقوم بالتكبير
فيقضي ركعاته كما لو كان يصلي وحده
وإذا ترتب على الإمام سجود سهو فإن كان سجودا قبليا سجده المسبوق معه ، وإن كان سجودا بعديا أخره حتي يقضي ما فاته ويسجده بعد سلامه ، فإن كان المسبوق لم يدرك مع الإمام ركعة  فلا يسجد معه قبليا و لا بعديا .
قال ابن عاشر رحمه الله ملخصا ما قد سبق بيانه:

وَأَحْرَمَ المَسْبوقُ فَوْرًا وَدَخَـــلْ             
مَعَ الإمَــــامِ كَيــْفَــــمَا كَانَ العَمَل
مُكَبِّرَا إنْ سَاجِـــدًا أو رَاكِعًــــا             
ألــفَـــاهُ لا في جَــلْسَـــــة وَتَابَعـــَا
إِنْ سَلَّمَ الإمَـــامُ قَـامَ قَاضِـــــيًا             
أقْـــوَالُهُ وفي الفِعَـــــالِ بَـــــانيَـــا
كَبَّرَ إِنْ حَصَـــّلَ شَفْــعًا أو أقَلّ             
مِنْ رَكْعَةِ ِ وَالسَّهْوَ إذْ ذاكَ احْتَمـَلْ
وَيَسْجُدْ المَسْبوقُ قَبْلِيَّ الإمــام             
 مَعَهُ وَبَعْديًا قَضى بَعْدَ السَّــــــلام
أدْرَكَ ذاكَ السَّهْــوَ أولا قَيـَّدُوا              
مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ رَكْعَةً لا يَسْجُــــــدُ


الخميس، 14 نوفمبر 2013

لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا



الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً وبعد . 
 أيها الإخوة المؤمنون : لا زلنا في شهر الله المحرم ، المليء بالذكريات الجميلة ، التي تطمئن بها القلوب ، وتنشرح لها الصدور ، وتهنأ بها النفوس ، وتستمتع في رحابها البصائر والعقول،  ومن تلك الذكريات : ذكرى هجرة الحبيب المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وعنوان الخطاب لهذا اليوم هـــو:" لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا " ( التوبة:40 ) . 
 و هو جزء من آية في سورة التوبة يخبرنا فيها ربنا عز وجل بقول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي بكر الصديق وهما في غار ثور خلال رحلة الهجرة المباركة ، وكانت قريشا قد أعدت جائزة مقدارها مائة من الإبل لمن يأتي بمحمد حيا أو ميتا ، ولما  أحاط المشركون بالنبي وأبي بكر وهما في غار ثور ، قال أبو بكر: " لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا "  فأجابه صلى الله عليه وسلم قائلا  " مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا )" رواه البخاري في صحيحه رقم (3380) . وأنزل الله تعالى في ذلك : " إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم" (التوبة 23) .  فلله ما أروعها من كلمات ! تلك التي عبر بها صلى الله عليه وسلم في أصعب المواقف وأشدها خطرا ! " لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا "  فما دام الله معنا فمن علينا ؟ وما دام الله معنا فلن نغلب ، ولن نهزم، ولن نضل، ولن نضيع ، ولن نيأس أبدا ؛ لأن الله معنا.
ومعية الله لخلقه تنقسم إلى قسمين: عامة ، وخاصة:
فالمعية العامة هي: التي تقتضي الإحاطة بجميع الخلق من مؤمنوكافر ، وبَر وفاجر، في العلم  والقدرة، والتدبير والسلطان ، وغير ذلك من معاني الربوبية ،  قال الله تعالى:  " يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" (سورة الحديد4   (، فهذه معية علم وإحاطة ، فهو سبحانه وتعالى رقيب علينا ، شهيد على أعمالنا أينما كنا ... ويقول تعالى : " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ"( المجادلة7) .   
 وهذه المعية توجب لمن آمن بها كمال المراقبة لله عزّ وجل ، ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم:"أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت"(أخرجه الطبراني في المعجم الكبير) . ولله در القائل :
                                    
إذا ما خلوْتَ الدّهرَ يوْماً فلا تَقُلْ خَلَوْتَ ولكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
ولاَ تحْسَبَنَّ اللهَ يغفِلُ ساعـــــــة وَلا أنَ مَا يخفَى عَلَيْهِ يغيب
 وأما المعية الخاصة فهي: التي تقتضي النصر والتأييد لمن أضيفت له ، وهي مختصة بمن يستحق ذلك من أنبياء الله وأوليائه المؤمنين المتقين ، يقول الله  تعالى " : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ" (غافر:51) ، فكما نصر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، وأيَّده وأعانه ، فكذلك ينصر ويؤيد ويعين كل متبع للنبي صلى الله عليه وسلم ، فهو سبحانه مع الصابرين ، والمحسنين ، والصادقين ، والمتقين ، ومع كل مؤمن بالله ، مخلص له في عبادته ، متبع لرسوله عليه الصلاة والسلام قال تعالى:  "إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)"النحل:6) ، وقال تعالى : " وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ " (البقرة:)194).
وهذه المعية توجب لمن آمن بها كمال القوة و الثبات والشجاعة ، فهذا نبي الله موسى عليه السلام حينما تقابل أتباعه مع جند فرعون وقال أصحابه:  " إِنَّا لَمُدْرَكُونَ" (الشعراء:61 رد عليهم موسى عليه السلام مستشعراً تلك المعية:   " قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ" (الشعراء:62). لذا ينبغي المؤمن أن يكون قوياً بإيمانه ، واثقاً من  وعد الله ونصره وتأييده ، ولله در القائل :
فاشدد يديك بحبل الله معتصماً            فإنه الركن إن خانتك أركان
فإذا تكاثف همك ، وكثر غمك ، وتضاعف حزنك ، فتذكر قوله تعالى : " لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ".
وإذا ركبك الدين ، وأصابك الفقر، و هزَّتك الأزمات، وطوَّقتك الحوادث، وحلَّت بك الكربات ؛ فتذكر قوله تعالى : " لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ".
وإذا مكر بك الماكرون ، وتكالب عليك الحاقدون والحاسدون ، فتذكر قوله تعالى : " لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ".
فإن الحبيب المصطفى حينما قال لصاحبه : "لا تحزن إن الله معنا "  انقلب الحزن سروراً ، والهم فرحاً ، والغم راحة ، والكرب فرجاً ، والهزيمة نصراً عزيزاً . 
فمع معية الله النار لا تحرق إبراهيم -- والسكين لا تقطع إسماعيل -- والبحر لا يغرق موسى -- والحوت لا تأكل يونس -- والعنكبوت والحمامة يحميان محمدا ، ويردان المشركين خائبين خاسئين ، ولله در الإمام البصيري إذ يقول :
ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على        خيــر البرية لم تنسج ولم تحم
     عناية الله أغنت عـن مضــاعفـــة         من الدروع وعن عال من الأطم
فكونوا مع الله يكن الله معكم -- وأنصروا الله ينصركم -- واذكروا الله يذكركم --  اللهم كن معنا حيث كنا ، وكن لنا ولا تكن علينا ، وانصرنا ولا تنصر علينا ، وصل اللهم وسلم على سيدنا ونبينا ومولانا محمد ، وعلى آله وصحبه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .