سأل سائل عن صاحب دراجة كان يسير في طريق مزدوج، حاملا معه شخصا آخر، ومتجاوزا حد السرعة المحدد في إشارة المرور، فدار أمامه صاحب سيارة مخالفا هو الآخر نظام قوانين السير؛ فاصطدم به صاحب الدراجة؛ فهلك الراكب الذي معه؛ فعلى من تجب الدية والكفارة؟
الجواب
قانون السير في
الطرقات الداخلية والخارجية معتبر شرعا، فهو مندرج ضمن المصالح المرسلة، ولا تُحفظ
الأنفس من الإهدار إلا بالتزامه؛ و(ما لا يتم الواجب
إلا به فهو واجب) فتمنع مخالفته شرعا كما هي ممنوعة قانونا.
وهذا الحادث قد
اجتمعت فيه المباشرة والتسبب، فسائق الدراجة مباشر للقتل؛ باعتباره مسيرا لها
ودافعا للراكب معه بواسطتها، وسائق السيارة متسبب في ذلك، وكلاهما مفرّطٌ ومتعدٍّ؛ لمخالفتهما نظام قانون
السير.
فالأول خالفه بتجاوز
حد السرعة المبين في إشارة المرور، ولو كان ملتزما بحد السرعة لكانت الصدمة أخف. والثاني
خالفه بدورانه أمام صاحب الدراجة بطريقة خاطئة، مما تسبب في سد الطريق عليه ثم الاصطدام
به.
والقاعدة الفقهية
المتبعة في مثل هذه الحوادث هي: (إذَا اجْتَمَعَ الْمُبَاشِرُ
والْمُتَسَبِّبُ أُضِيفَ الْحُكْمُ إِلَى الْمُبَاشِرِ)[1].
وهي قاعدة مجمع عليها، ومستمدة من أدلة عديدة، منها: ما أخرجه الدارقطني والبيهقي
أن رجلا بصيرا كان يقود أعمى، فسقط البصير في بئر فوقع عليه الأعمى فقتله، فَقَضَى
عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (بِعَقْلِ الْبَصِيرِ
عَلَى الْأَعْمَى)[2].
ووجه
الاستدلال: أن عمر
رضي الله عنه ضمّن المباشر للقتل، وهو غير متعمد بل هو معذور لكونه أعمى.
ولكن هذه
القاعدة ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بأن لا
يكون المتسبب متعديا،
وأن لا يكون فعله مؤثرا تأثيرا قويا في إحداث النتيجة.
قال الزحيلي: (يلزم المباشر بالضمان أو المسؤولية إذا كان هو المؤثر
الأقوى في إحداث العدوان، وكان دور السبب ضعيفاً لا يعمل بانفراده في الهلاك)[3].
وجاء
في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن بدار السلام -
تانزانيا - سنة 1993م ما يلي :
(إذا اجتمع المباشر مع
المتسبب كانت المسؤولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعدياً
والمباشر غير متعد.
إذا
اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحد منهما تبعة ما تلف من الآخر
من نفس أو مال.
إذا
اجتمع سببان مختلفان كل واحد منهما مؤثر في الضرر، فعلى كل واحد من المتسببين
المسئولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحد
منهما فالتبعة عليهما على السواء)[4].
والنتيجة
المستخلصة من خلال ما تقدم أن اجتماع
المباشر والمتسبب تعتريه أربعة احتمالات:
1- إذا
كان كل واحدٍ منهما متعديا فالضمان عليهما
معا.
2- إذا لم يكن أحدٌ منهما متعدياً فالضمان على المباشر.
3- إذا كان المباشر متعديا والمتسبب غير متعدٍ فالضمان على المباشر.
4- إذا كان المتسبب متعدٍيا والمباشر غير متعدٍ، فالضمان على المتسبب.
وبناء على ذلك
ففي مسألتنا:
1- تجب الدية
على كليهما بنسبة تعدي كل واحد منهما، اعتمادا على التقرير الرسمي الصادر عن إدارة
المرور، المحدد لنسبة الخطإ وتقاسم المسؤوليات.
- فإن كانت
نسبة خطإ كل واحد منهما 50% فعلى كل منهما نصف الدية، وكذلك إذا لم تعرف نسبة خطأ كل واحد منهما.
- وإذا كانت
نسبة خطإ أحدهما 33% ونسبة الآخر 67% مثلا، فعلى
الأول ثلث الدية وعلى الثاني ثلثاها.
2- تجب على كل
واحد منهما كفارة، لأن الكفارة لا تتجزأ، وهي صيام شهرين متتابعين؛ لعدم وجود الرق
في عصرنا، ويصومهما بالهلال
إن
ابتدأ
الصوم
في
أول
الشهر،
فإن
ابتدأه
في
أثناء
شهر
صام
الشهر
الذي
بعده
بالهلال
ثلاثين
أو
تسعا
وعشرين
يوما،
ثم
يكمل
بعده
ما
بقي
له
من
الشهر
الأول
ثلاثين
يوما،
ويجب
عليه
أن
ينوي
الكفارة
والتتابع
معا؛
لأن
الكفارة
والتتابع
واجبان،
والواجب
لا
بد
له
من
نية،
ودليل
وجوب
التتابع
في
صوم
الكفارة
قولُه تعالى
:
(فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)[5].
فإن عجز عن الصيام
انتظر القدرة عليه وإلا سقطت عنه، ولا ينتقل إلى الإطعام[6]؛ لأن الشارع لم يذكر غير الصيام، ولو كان الإطعام واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة، ولا يقاس على الظهار؛ لأن المتبع في
الكفارات النص لا القياس[7].
والله أعلم
[1] - الفروق للقرافي المالكي
2/ 208 . الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي1 / 466. المنثور في القواعد
للزركشي الشافعي2 / 655. تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب الحنبلي 2 / 597.
[2] - سنن الدارقطني ح رقم 3154. والسنن
الكبرى للبيهقي ح رقم 16402
[3] - الفقه الإسلامي
وأدلته للزحيلي 7 ص 5644
[4] - الفقه الإسلامي
وأدلته للزحيلي 7 ص 5217
[5] النساء
92
[6] التاج والإكليل للمواق 8 / 351
[7] - الموسوعة الفقهية الكويتية 36 / 344
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق