......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الأربعاء، 26 فبراير 2025

فدية الصيام

 أولا: تعريفها:

الفدية: من الافتداء: وهو ما يدفعه المكلف ليتخلص به من مكروه ما، وفدية الصيام هي: (ما يدفعه الصائم من عوض مالي لجبر الخلل الواقع في صومه). وتسمى: الكفارة الصغرى؛ مقارنة بالكفارة الكبرى التي تجب بإفساد الصوم عمدا.

ثانيا: أنواعها والمخاطبون بها:

الفدية نوعان، واجبة ومستحبة.

فأما الفدية الواجبة: فيؤمر بها صنفان، وهما:

الأول: من فرّط في قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر.

قضاء رمضان ليس واجبا عليه الفور، بل واجب على التراخي من رمضان إلى رمضان، فمن أخره حتى أدركه رمضان ثان، فإن أخره لعذر كمرض أو سفرأو جنون أو حمل أو رضاع.. فلا إثم عليه ولا فدية.

 أما إذا أخره تهاونا وتفريطا، فيأثم لتركه للواجب، وتلزمه الفدية أيضا، وإنما تلزمه الفدية إذا أمكنه القضاء في آخر أيام شعبان، بأن كان خاليا من الأعذار، وبقى من أيام شعبان بقدر ما عليه من أيام القضاء.

ومثال ذلككأن يكون عليه أربعة أيام، وقد بقي من شعبان أربعة أيام، وهو غير معذور ولم يقض.

أما إن اتصل عذره بآخر شعبان، بأن بقي من أيام شعبان  بقدر ما عليه من أيام القضاء، فمرض أو سافر، أو حاضت المرأة، فلا فدية عليه ولو كان قبل تلك الأيام متمكنا من القضاء؛ فسقوط الفدية لا يشترط فيه الخلو من الأعذار من رمضان إلى رمضان؛ لأن القضاء واجب على التراخي و ليس واجبا على الفور كما تقدم.

ومثال ذلكمن كان عليه أربعة أيام وحصل له عذر من الأعذار السابقة قبل رمضان الثاني بأربعة أيام، واستمر عذره حتى دخل رمضان، فلا فدية عليه، وإن كان طول عامه خاليا من الأعذار. وإن حصل له العذر قبل رمضان بيومين فيفدي عن اليومين الذين كان خاليا فيهما من الأعذار ولم يقض؛ لأنه مفرط، ولا يفدي عن اليومين اللذين حصل له العذر فيهما لعدم التفريط. 

واستدل المالكية لإيجاب الفدية على المفرط في قضاء رمضان بعدة أدلة، منها:

 -1 ما روي عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجُلٍ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ مَرِضٍ ثُمَّ صَحَّ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، قَالَ:  (يَصُومُ الَّذِي أَدْرَكَهُ، ثُمَّ يَصُومُ الشَّهْرَ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ، وَيُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا)[2].

 -2القياس على الحج اذا فات، قال القاضي عبد الوهاب: (لأنها عبادة على البدن تفعل مرة في السنة؛ فوجب إذا أخر قضاءها مفرطا حتى عاد وقتها أن يلزمه مع القضاء الكفارة؛ أصله: الحج إذا فاته)[1]. 

والثاني: المرضع

فيجوز لها الفطر إذا خافت الضرر على ولدها، بسبب نقصان لبنها نتيجة صيامها، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ).[3]


وإذا أفطرت لأجل ذلك وجب عليها القضاء إجماعا، كما تجب عليها الفدية في المشهور[4]. خلافا لأشهب في أنها تطعم استحبابا[5]. وخلافا لابن عبد الحكم واللخمي في أنها لا تطعم مطلقا[6].

ودليل إيجاب الفدية عليها مراعاة الخلاف، الواقع في تفسير قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِساكِينٍ). فهي عند المالكية منسوخة بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ). وعند غيرهم نزلت في الشيخ الكبير والمرضع والحامل وهي غير منسوخة، فراعى المالكية هذا الخلاف؛ فاستحبوا الفدية للشيخ الكبير لدوام عذره، وأسقطوها عن الحامل لأنها في حكم المريض الذي يرجى شفاؤه، وأوجبوها على المرضع احتياطا لأنها غير مريضة، بل أفطرت لعذر منفصل عنها، وهو الخوف على ولدها[7].

وأما الفدية المستحبة: فيؤمر بها ثلاثة أصناف:

1- الهَرِم الذي يشق عليه الصوم.

2- المريض مرضا مزمنا.

3- المستعطش: وهو من كان دائم العطش، بحيث لا يستطيع الصوم في سائر فصول السنة.

فكل هؤلاء يباح لهم الفطر ويسقط عنهم الصوم لعدم قدرتهم عليه، وتستحب لهم الفدية في المشهور[8]. خلافا لابن شاس وابن بشير في وجوب الفدية عليهم[9]. وخلافا للخمي وابن جزي في أنهم لا فدية عليهم مطلقا[10].

ودليل استحباب  الفدية في حق هؤلاء:

1- قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِساكِينٍ) [11].

فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية: (كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا)[12].

ويلحق بهما كل ذي عذر دائم كالمريض مرضا مزمنا والمستعطش.

-2  ما جاء في الموطأ أن مالكا رحمه الله بلغه: (أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَبِرَ حَتَّى كَانَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ فَكَانَ يَفْتَدِي، قَالَ مَالِكٌ: وَلاَ أَرَى ذلِكَ وَاجِباً، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ إِنْ كَانَ قَوِيّاً عَلَيْهِ) .[13].

ثالثا: مقدارها:

فدية الصيام بنوعيها: الواجبة والمستحبة: (مد) من القوت الغالب لأهل البلدة، وَلَا تَتَكَرَّر بِتَكَرُّر السنين، فلو لم يقض أيام رمضان حتى مرت سنوات عديدة فليس عليه إلا فدية واحدة.

 والأصل في تحديد مقدار الفدية بمد:

-1 ما روي عن سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: (أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يُعْطُونَ فِي طَعَامِ الْمِسْكِينِ مُدًّا مُدًّا..)[14] والمراد بالناس: الصحابة.

2- ما رواه البيهقي عَنْ نَافِعٍ: (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كَانَ يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ بِإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ..)[15].

والآثار في ذلك كثيرة، وقد قدر العلماء وزن المد بنصف كيلو غرام من القوت الغالب لأهل البلد وهو الدقيق عندنا كما هو معلوم، ثم نظروا إلى قيمته بالنقود فكانت 40دج خلال العام المنصرم 1445هــ  

وقد تزيد وقد تنقص حسب زيادة ثمن الدقيق أو نقصانه، شأنها في ذلك كشأن تقدير قيمة زكاة الفطر المقدرة شرعا بأربعة أمداد، فكانت قيمتها بالنقود خلال العام المنصرم 120دج فتكون قيمة المد الواحد 40 دج كما ذكرنا.

والمعتبر في الإطعام إنما هو مادته الخام أو قيمتها، فلا ينبغي أن يستشكله بعض الناس، فيتوهمون أنه الغذاء والعشاء أو إشباع المسكين، فإذا تطوع المكفر  فأعطى لكل مسكين 100دج أو أكثر فله أجره وثوابه، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : (حَيْثُمَا أَخْرَجَ مُدًّا بِمُدٍّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْزَأَهُ وَمَنْ زَادَ فَلَهُ ثَوَابُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى)[16].

رابعا: مصرفها ووقت إخراجها:

تختلف الفدية الواجبة عن الفدية المستحبة:

- فأما الواجبة فيشترط فيها تعدد المساكين، فلا يجزئ أن يعطي مدين لمسكين واحد مثلا، إلا إذا تعدد موجب الفدية، كأن أفطرت المرضع وفرطت في القضاء حتى أدركها رمضان الثاني، فإنها تخرج فديتين، إحداهما: عن فطرها، والثانية: عن تفريطها في القضاء، ويجوز حينئذ أن تعطي هتين الفديتين لمسكين واحد؛ لتعدد موجبهما.


كما يشترط في الفدية الواجبة أن يخرجها بعد دخول زمن الوجوب، قال النفراوي: (لَا يُجْزِئُ الْإِطْعَامُ إلَّا بَعْدَ الْوُجُوبِ)[17].

وزمن وجوب الفدية بالنسبة للمفرط في القضاء، هو دخول رمضان الثاني، فإن أخرجها بعد زمن الوجوب، أي بعد دخول رمضان، وقبل الشروع في القضاء أجزأه ذلك، ولكن المستحب أن يخرجها عند شروعه في القضاء، فكلما شرع في قضاء يوم أخرج فديته، ويجوز أن يخرجها بعد قضائه، أو يؤخر إخراج الفدية كلها حتى يقضي جميع ما عليه من أيام، قال خليل: (مَعَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ).

وزمن وجوب الفدية بالنسبة للمرضع يدخل بمجرد الفطر، فلو أطعمت قبل أن تفطر لم يجزها، وإن أطعمت مع القضاء أو بعده أجزأها وأحرزت المستحب، وإن أطعمت بعد الفطر وقبل القضاء أجزأها مع فوات المستحب[19].

وأما الفدية المستحبة فلا يشترط فيها تعدد المساكين، بل يجوز دفعها لمسكين واحد، كما يجوز إخراجها قبل زمن وجوبها، كأن يخرجها قبيل رمضان.

والله أعلم

الهوامش

1- رواه الدارقطني في سننه رقم 2345

-2 شرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب 223
-3
رواه البيهقي في السنن الكبرى رقم 8080

4- انظر: التوضيح لخليل 2/ 448

5- انظر: مناهج التحصيل .. لأبي الحسن الرجراجي 2/ 116

6- انظر: مناهج التحصيل .. لأبي الحسن الرجراجي 2/ 116 والتبصرة للخمي 2/ 158 – 159

7- انظر: الفقه المالكي وأدلته للحبيب بن طاهر 2 / 144

8- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 1/ 516 و شرح ابن ناجي على متن الرسالة 1/ 282.

9- انظر: التوضيح لخليل 2/ 449.

10- التبصرة للخمي 2/ 756. والقوانين الفقهية لابن جزي.

11- البقرة 184

12- رواه أبو داود في سننه رقم 2318

13- الموطأ للإمام مالك حديث رقم 1088

14- رواه سعيد بن منصور في التفسير برقم: 789

15- رواه النسائي في السنن الكبرى رقم 19973

16- حاشية العدوي على الخرشي 3 / 58  

17- الفواكه الدواني للنفراوي 1/ 310.

18- شرح زروق على متن الرسالة 1/ 454

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق