......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الاثنين، 20 يناير 2014

مظاهرات 11 ديسمبر1960م / ونقل عاصمة اليهود إلى القدس / وحفاوة استقبال الرئيس الفرنسي على أرض الشهداء ...؟



الخطبة الأولى

الحمد لله القوي الجبار، المنتقم القهار، مذل الجبابرة ، قاصم الأكاسرة ، مهلك القياصرة ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، والصلاة والسلام على قائد المجاهدين ، محب الاستشهاديين ، ومبغض الخائنين والمنافقين ، وعلى آله وصحبه الطيبين المجاهدين.

في هذه الأجواء المغمورة بالخشوع والتذلل والانكسار لرب العالمين ، نستنزل من رحمات الله الصيبة ، وصلواته الزكية الطيبة ، لشهدائنا الأبرار ما يكون كفاء لبطولتهم في الدفاع عن شرف الحياة ، وحرمات الدين وعزة الإسلام ، و كرامة الإنسان وحقوق الوطن.

أيها الأخوة الكرام : يقول الله تعالى : "وذكرهم بأيام الله ".مما ينبغي أن نتذكره ونذكر به: تلك الأيام العظيمة ، التي تصدى فيها المسلمون للهجمات الصليبية على أرض الجزائر وشعبها ، تلكم الأيام التي صنع فيها أبناء هذا الوطن الطاهر أمجادا خالدة ، و تاريخا بطوليا لم تشهد الدنيا مثله في العصر الحديث ، وقدموا خلالها  قوافل من الشهداء  لم يقدم  قبلها و لا بعدها مثلها أبدا ! وفي هذا الأسبوع قد حلت علينا إحدى الذكريات الخالدة لذلكم التاريخ الطويل المجيد ، وهي :

ذكرى مظاهرات الحادي عشر من ديسمبر عام 1960 م

التي أظهر فيها الشعب الجزائري مظهرا آخر من مظاهر بطولاته وتضحياته ، وإنجازاته التاريخية العظيمة .

وقصة تلك المظاهرات : أن شعبنا كان يعيش تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الغاشم ، لأزيد من قرن و ربع قرن ، و لما رفع رأسه و طالب بحقه في الحياة والحرية ، كان الجواب الفرنسي القمع و الاضطهاد و التقتيل و التشريد... لأبناء هذا الوطن ، فأدرك الشعب حينئذ أن ما أخذ بالقوة لا يمكن استرجاعه إلا بالقوة ، فرفع راية الجهاد ، و دوت صيحات الله أكبر في مختلف ربوع البلاد ، وزئر المجاهدون الأشاوس فاهتزت أركان الدولة الغادرة  .

وجاء الجنرال ديغول بسياسة استعمارية جديدة أراد من خلالها خنق الثورة التحريرية ، وعزلها عن الشعب في الداخل ، وعزلها أيضا عن الخارج من جهة ، و الإبقاء على الجزائر جزءا من فرنسا من جهة أخرى ، وذلك في إطار فكرة "
الجزائر جزائرية" ، مخالفا بذلك فكرة المعمرين الفرنسيين الذين مازالوا يحملون فكرة "الجزائر فرنسية" ، فخرج المعمرون في مظاهرات مناهضة لسياسة ديغول و ذلك في 10 ديسمبر 1960م. 

 في ظل هذه الأجواء المشحونة خرج الشعب الجزائري في مظاهرات شعبية هائلة ، رافعا شعار "
الجزائر مسلمة مستقلة" ، بدلا من شعار ديغول "الجزائر جزائرية" و شعار المعمرين "الجزائر فرنسية" ، وذلك عبر أرجاء البلاد كلها ، و التف الشعب حول الثورة مطالبا بالاستقلال الكامل . و تصدت السلطات الاستعمارية بوحشية لا مثيل لها لهذه المظاهرات ، فمارست كل أشكال القمع والتقتيل الجماعي ، وإرهاب أبناء الشعب المناضل  المكافح ، و قد دامت هذه المظاهرات أكثر من أسبوع في أكثر من مدينة .

أيها الأخوة الكرام : لقد كان لهذه الهبة الشعبية الكبيرة نتائج على عدّة أصعدة :

1)    
إذ بينت هذه المظاهرات مدى و حشية المستعمر؛ وفضحت ممارساته القمعية أمام أنظار العالم كله.

2)  
وعبرت أيضا عن مدى تشبث الشعب الجزائري بالحرية ، و مبدأ تقرير المصير للشعوب ، فأدرج بسبب تلك المظاهرات ملف القضية الجزائرية في الأمم المتحدة ، و كسب نداء الحرية تأييد أغلب شعوب العالم ، الأمر الذي جعل فرنسا تجلس مكرهة إلى طاولة المفاوضات و ترضخ لشروط الثورة المقدسة.  

3)  
إن مظاهرات 11 ديسمبر 1960 هي ذكرى خالدة في سجل إنجازات هذا الشعب العظيم ، الذي جاهد في سبيل الله ، و صنع أعظم ثورة ، و أكبر ملحمة جهادية في العصر الحديث:

أيها الأخوة الكرام : 

إن ثورة التحرير المباركة بجميع أحداثها و صورها و مشاهدها ، ومنها مظاهرات 11 ديسمبر 1960 لترشدنا إلى أن قوة الأيمان و الثقة بالله في النصر لن تقف أمامها أي قوة في العالم ؟  فإن الاستعمار الفرنسي الصليبي، الذي سرق البسمة من شفاه الجزائريين لعقود طويلة ، و أراد أن يسلخ شعبا بأكمله من هويته ، و يطمس دينه و لغته و ثقافته ... بعدما أغتصب حريته ، قد تلاشت قوته المادية أمام صمود شعبنا ، وأمام تضحيات الجاهدين الشجعان. وإرادة الله أقوى وأجل : ﴿
ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز﴾.

لكن ثمن النصر كان باهضا ، فمليون و نصف مليون من الشهداء أو يزيدون ، و ملايين المشردين و الأيتام و الأرامل ... ، لكن جاء - بعد ذلك - الذي في سبيله يهون كل شيء ، جاء النصر .. وجاءت الحرية .. و جاء الاستقلال  .. وجاءت السيادة .. وعادت الجزائر إلى حاضرة الإسلام والعروبة .. وخرج الجزائريون مرددين ذلك الشعار الخالد .. الذي يعبر عن طبيعة ثورتنا وربانيتها .. قائلين : " يا محمد مبارك عليك الجزائر عادت اليك ". وهو شعار له أكثر من دلالة في نفوسنا ، فهو من أبرز مظاهر تعلق الجزائرين بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، وقد كانوا بدأوا ثورتهم يوم الاثنين ؛ تيامنا بالمولد النبوي الشريف ، بل قيل أن أن ذلك اليوم صادف 12 ربيع الأول ، الموافق للفاتح نوفمبر... فبدأوها بذكرى ميلاد رسول الله وختموها - يوم الاستقلال -بقولهم : " يا محمد مبارك عليك الجزائر عادت  اليك ". 

وكما عادت الجزائر إلى محمد عليه الصلاة والسلام ؛ ستعود إليه فلسطين الحبيبة بإذن الله تعالى ، مهما تآمر عليها الغرب ومهما خذلها العرب ... ولعل "دونال ترامب" يظن أن الفرصة باتت مواتية لتثبيت أركان الدولة اليهودية على الأرض المقدسة ؛ لذلك قام بنقل عاصمتها إلى القدس ؟؟مستغلا الظروف التي يمر بها العالم الإسلامي، ووتأجج الصراع  بين الأشقاء العرب فيما بينهم ،وبين السنة والشيعة من جهة ثانية ، وتصنيف المقاومة الفلسطينة ضمن الحركات الإرهابية بتواطؤ من بعض العرب للأسف الشديد .

ولكنه واهم هو من سار على شاكلته ؛  لأن فلسطين ارض اسلامية ، وستبقى كذلك ... والشعب الفلسطيني يعيش على أرضه ، ولأن الظلم مهما طال أمده لا بد أن يعود على مبتغيه بالوباء والوخم، 
ولأن دولة الباطل لا محالة زائلة .... والذين كتب الله أن يجففوا منابع قوة الدولة الغادرة ، كما جفت بحيرة ساة حين بروز الأنوار المحمدية ، ويجعلوا زخرف حضارتها حصيدا كأن لم يغن بالأمس .... هم غير هؤلاء الفرقاء المتشاكسين من العرب المتخاذلين ، بل هم عباد أولوا إيمان وتُقى  ، يستمدون قوتهم من قوة الله ... وقد أضافهم الله إليه إضاقة تشريف وتكريم ، فقال جل ثناؤه: "فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا" ، وهؤلاء حتى وإن دارت عليهم الكرة يوما ما ، إلا أنهم - لا محالة - عائدون ؛ لِيَسُوءُوا وجوه الكافرين والخائنين ، فتلك سنة الله التي لا يمكن أن تتخلف ، لأن إخبار الحق جل جلاله محال أن يوجد في الواقع خلافه.


ولذلك لا ينبغي لأهل الحق ودعاته أن يفشلوا أمام ما يرونه من تناقضات وتخاذلات ؛ بل ينبغي ألا يزيدهم ذلك إلا إيمانا وتسليما ، فتلك ما هي إلا تصفية وتمحيص اقتضتها سنة الباري جل في عليائه :" وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ" . ولا بد أن يفاجأ أعداء الله  بالمفاجأة الصادمة ، التي ستأتيهم من حيث لم يحتسبوا ، كما أتت الذين من قبلهم ؛ لأن التاريخ لا بد أن يعيد نفسه. "وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ".

وإن الجزائر كانت و لا تزال وستبقى مع فلسطين ظالمة أو مظلمة 

والحمد لله رب العالمين

                                                الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى وآله وصحبه الشرفاء ، وبعد /

فإننا في كل مناسبة من مناسبات تاريخ ثورتنا وجهادنا  ... نذكر بعهد الشهداء الأبرار ، الذين قدموا أرواحهم فداء لعقيدتهم وشعبهم ووطنهم ، وبذلوا في سبيل ذلك دماءهم الطاهرة الزكية ؛ وكان فضلهم علينا عظيما ، والله تعالى يقول : ((ولا تنسوا الفضل بينكم )) ، ولا يمكن لحر أصيل من سلالة ماجد ... أن ينسى أو يتناسى فضل من أكرمه وأحسن إليه ، فكيف إذا كان ذلكم المحسن قد ضحى بحياته من أجل سعادتنا وحريتنا !!!  وهو ما فعله الشهداء الأبرارمن أجلنا ، القائلون بلسان الحال والمقال:
واقض يا موت في ما أنت قاض  **  أنا راض إن عاش شعبي سعيدا
أنا إن مت فالجزائر تحــــــــــــيا  **  حـــــــرة مســــــتقلـــة لن تبيدا

والوفاء للشهداء يقتضي توقيرهم وإجلالهم والدعاء لهم ، والمحافظة على عهدهم وأمانتهم ... ومن الوفاء للشهداء الأبرار ألا نوالي أو نبر أعداءهم وسالبي حياتهم ، فإن القرآن ينهانا عن ذلك ، يقول الله تبارك وتعالى : " إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ".

والاستعمار الفرنسي الغاشم قاتلنا في الدين ، ولم يكتف بإخراجنا من ديارنا ، بل دمرها فوق رؤوسنا ، وسفك دماءنا ، وانتهك أعراضنا ، وتفنن في إذلال رجالنا ونسائنا ، ولحد الساعة لم يعتذر عن جرائمه في حق شعبنا ، بل لا يزال يحتفظ في متاحفه بجماجم بعض شهدائنا ، ولذلك فمن اللؤم والنذالة أن تقوم طائفة من الرعاع والهمج باستقبال الرئيس الفرنسي على أرض الشهداء ، وفي مناسبة مظاهرات ديسمبر ، بالزغاريد والهتافات المعبرة له عن الولاء والمحبة والتبجيل ... من أين جاءنا هؤلاء ؟ هل هم من سلالة الشهداء ؟ وما ذا يرجون من هذا الكافر أن يمنحهم ؟ فإن كان لهم حاجة فليطلبوها بعزة الأنفس ؛ فإن الأرزاق تجري بالمقادير ، وتراب الجزائر وحصباؤها أحب إلى قلوب الأمجاد الأحرار من لؤلؤ فرنسا ومرجانها ... نعم إن للدول معاهدات ومراسيم دبلوماسية معلومة قائمة على الاحترام المتبادل بين الدولتين ... أما أن تخرج قطعان من الشعب رجالا ونساء بهذا الترحاب الهائل ... ورمي الورود على من كان يسفك دماءنا وينتهك حرماتنا ... فهذا أمر غير مقبول ، والقائمون بهذا السلوك لا يمثلون الشعب الجزائري ، فهو سلوك غريب كل الغرابة عن مجتمعنا الجزائري الأصيل .. بل هو خانة للشهداء ... وتجرد عن كل قيم الشرف والكرامة ... ثم أن مثل هذه المظاهر المخزية لها إخلال بدين المرء وعقيدته ، فقد قال جل جلاله :"بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا". نعم ، فمن كان يريد العزة  أو الكرامة ... فليطلبها عند الله ، لا عند ماكرون أو غيره.

اللهم وصل وسلم وبارك على البشير النذير ، والسراج المنير ، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار ، خصوصا على أجلهم قدرا وأرفعهم ذكرا ، ذوي المقام العلي والقدر الجلي ، ساداتنا وأئمتنا الفضلاء ، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى الستة الباقين من العشرة المبشرين بالجنة ، وعلى الحسنين الأحسنين أبي محمد الحسن وأبي عبد الله الحسين ، وعلى أمهما الزهراء وخديجة الكبرى وعائشة الرضى ، وبقية أزواج النبي المصطفى ، وعلى الصحابة أجمعين  ، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

اللهم كما نصرت بيتك الحرام وطهرته من أبرهة وجنوده الظالمين ... وأرسلت عليهم طيرا أبابيل وجعلتهم عبرة للمعتبرين .. وأنزلت فيهم سورة تتلى الى يوم الدين..انصر المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين .. بجند من جنودك يا ذا القوة المتين ... وطهر القدس من رجس اليهود والخائنين .. 

وارحم اللهم شهداءنا الأبرار وسائر شهداء المسلمين ، واجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين ، واخذل الكفرة والمشركين ، وأصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين ، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين ، وامدد بنصرك وتأييدك وحسنك توفيقك ملوك ورؤساء المسلمين ، ولم شعثنا واجمع شملنا ووحد كلتنا ، وانصرنا على من خالفنا ، واحفظ بلادنا وأصلح أزواجنا وذرياتنا ، واشف مرضانا وعاف مبتلانا ، وارحم موتانا ، واغفر اللهم لوالدينا ولمن علمنا ولمن أحسن إلينا ، ولسائر المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات ، إنك سميع قريب مجيب الدعوات .



الخميس، 16 يناير 2014

التدين الصحيح والتدين المغشوش


التدين الصحيح والتدين المغشوش
محامد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد /

مقدمة
أيها الإخوة: من الحقائق التي ساء فيها فهم بعض الناس : "حقيقة التدين" ، فحسبه بعضهم مجرد أداء للشعائر التعبدية المعهودة ، من صلاة وصيام وحج...والدليل على هذا الفهم السائد لدى كثير من مسلمي اليوم  ، هو ما يلاحظ في الواقع من فصل للتدين عن الأخلاق الفاضلة :
 فتجد أحدهم يصلي ويحج ويصوم ... وربما ارتدى قميصا أبيض ، و ربما أرخى الشعر على وجهه ، لكنه يطعن في العباد ويسخر منهم ، ويغتابهم  ويسعى بينهم بالنميمة ، وإذا حدث كذب في أقواله ،  وإذا تاجر غش في تجارته ، وإذا عاد إلى أهله أساء معاملتهم ،  وإذا أؤتمن خان ، وإذا خاصم فجر ، وإذا عبد الله راءى في عبادته ، وإذا تصدق منَّ وآذى ، وقلبه مليء بالأحقاد والحسد ، وإذاسمع ريبة فرح بها.......
وهذا الطراز من البشر يوجد بكثرة في هذه الأزمنة  ، ولو فهموا حقيقة التدين ، وأدركوا قيمة الأخلاق ومكانتها من الدين ؛ لما ففلوا ما فعلوه ، ولحرصوا على التحلي بمكارم الأخـــــــلاق أكثر من حرصهم على التدين المجرد عنها.
لا دين لمن لا خلق له
والحق – أيها الإخوة الكرام – أنه لن يكون التدين صحيحا ما لم يكن محفوفا بسياج من الخلق القويم ، فهناك تلازم ضروري بين التدين الصحيح والخلق القويم ، فلا انفصال لأحدهما عن الآخر ؛ ولأجل ذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم  إرساء البناء الأخلاقي من أولويات دعوته ، فقال:"إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق " رواه أحمد عن أبي هريرة.
 وحينما مدحه ربه إنما مدحه بأخلاقه ، فقال تبارك وتعالى : " وإنك لعلى خلق عظيم". ما مدحه بعلمه مع أنه صلى الله عليه وسلم سيد العارفين ، و لا مدحه بكثرة صلاته مع أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه ؛ لأنه لا قيمة للعلم و لا للعبادة بغير خلق كريم  ، وقد جاءت النصوص الشرعية متضافرة للدلالة على تقرير هذه الحقيقة ، نذكر منها:
1-    ما روي عن أنس بن مالك قال:  ما خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم إلا قال: "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" أحمد .
2-    وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم ": الحياء والإيمان قرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" الأدب المفرد عن ابن عمر.
فالأمانة ، والوفاء بالعهد ، والحياء ، هذه أخلاق فاضلة ، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان والدين عمن لا يتصف بها ، فما قيمة التدين – إذن – بغير التحلي بمكارم الأخلاق ؟
3-   وقال صلى الله عليه وسلم :" إن أحسن الناس إسلاماً أحسنهم خلقاً، وإن أكملهم إيماناً أحسنهم خلقاً، وإن من أحبّ العباد إلى الله أحسنهم خلقاً، وإن من أقرب المؤمنين مجلساً مني يوم القيامة أحسنهم خلقاً" رواه الطبراني عن جابر بن سمرة..
4-   عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال": مَا مِنْ شَيءٍ أَثْقَلُ فِي الميزانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ".حديث صحيح، أخرجه أبو داود.
حسن الخُلق أوزن من قيام الليل ، وأثقل من إنفاق المال ، فهو أثقل في الميزان يوم القيامة من أي شيء.
العلاقة بين أركان الإسلام ومكارم الأخلاق
أيها الإخوة: وإذا نظرنا إلى العبادات التي شرعت فى الإسلام ، واعتبرت أركانا له ، نجد إنما شرعت للارتقاء بالمسلم إلى الكمال الخلق الخلقي ، وأن يظل مستمسكا بكارم الأخلاق ؟ مهما تغيرت أمامه الظروف.. فهي عبارة عن تمارين لتعويد المسلمين  على الحياة الفاضلة  ، فهي تشبه التمارين الرياضية ، التى يمارسها الإنسان ? ملتمسا من المداومة عليها عافية البدن وسلامة الحياة.
والقرآن الكريم والسنة المطهرة يكشفان عن هذه الحقائق بوضوح:
* فالصلاة الواجبة: - التي تعتبر عماد الدين -  عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها ? فقال: "وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر". فحقيقة الصلاة – إذن - أنها وسيلة لتحقيق مكارم الأخلاق ، فهي تحجز صاحبها  عن اقتراف الرذائل ، وتطهره من سوء الأقوال والفِعال ، وقد جاء فى الحديث القدسي: "إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ? ولم يستطل على خلقي ، ولم يبت مصرا على معصيتي ? وقطع النهار في ذكرى ? ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ? ورحم المصاب"[ رواه البزار في مسند ابن عباس برقم 4823 ، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة].
فالتواضع للخالق وخلقه ، وعدم الإصرار على المعاصي ، والإكثار من ذكر الله ، والرحمة بالمستضعفين عموما ، تلك أخلاق فاضلة ، والصلاة التي لا تثمر هذه الأخلاق فهي رد على صاحبها.
* والزكاة المفروضة: - التي تعتبر ثالث أركان الإسلام -  ? هى الأخرى وسيلة لغرس مشاعر الحنان والرأفة ، وتقوية
علاقات التعارف والألفة بين الأغنياء والفقراء ، وقد  أبان الشارع الحكمة من إيتائها ? فقال: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ". ففي الزكاة – إذن - تطهير للأنفس من رذائل الشح والبخل ، وتعويد على الجود والعطاء وهما من أنبل الأخلاق.
وإذا خالط الزكاة ما يشينها من الأخلاق استحالت إلى معصية ، تنتهي بصاحبها إلى البوار ، قال تعالى : " أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ".
فالمتصدق الذي يتبع صدقته بالمن والأذى مأزور غير مأجور ، وقد جافي الحديث :"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"[صحيح مسلم برقم 106]

وما يقال في الصلاة والزكاة ، يقال كذلك في الصيام والحج:
* ففي الصيام يقول النبي "من لم يدع قول الزور ? والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه". [رواه البخاري  6057].
* وفي الحج يقول الله تبارك وتعالى"الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق و لا جدال في الحج "

وبعد هذا العرض الموجز لبعض العبادات التي اشتهر بها الإسلام ? وعُرِفت على أنها أركانه الأصيلة ? نصل إلى نتيجة هامة ، وهي :  إن هذه العبادات وإن تباينت فى جوهرها ومظهرها ? إلا أنها تلتقي عند حقيقة واحدة ، وهي تلك الغاية التي رسمها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: "إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق ".


الإفلاس الديني سببه سوء الخلق
أيها الإخوة : الانفصال بين  العبادات والأخلاق ، يعني  الانفصال بين الدنيا والآخرة ،  ولسنا نقلل من شأن العــبادة، كلا ، فكن حريصا على عبادتك ، أدها على الوجه الأتم ، ولكن اعتقد اعتقاداً جازماً أن الإساءة إلى الناس وفساد الأخلاق – بصفة عامة - مما يفسد عبادتك.

مثلا :  لو كان عندك لبن أو عسل ، ثم أضفت له  شيئا قذرا لألقيت بذلك اللبن أو العسل كله في القمامة ، وكذلك عبادتك إذا أضفت لها الأخلاق السيئة ،  وفيما يلي جملة من النصوص الشرعية التي تقرر هذه الحقيقة:
1-  روى الإمام البخاري عَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ شَرِّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة، من تركه الناس اتِّقاء شره".
2-  عن أبي شريح رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمَن جاره بوائقه" أخرجه البخاري.
 فمهما عبدت الله ، ولك جار تتفنن في إيقاع الأذى به ، فالنبي عليه الصلاة والسلام ينفي عنك الإيمان ثلاث مرات.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رجل: يا رسول الله "إن فلانة  تذكر من كثرة صلاتها وصدقتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ، قال: هي في النار ". رواه أحمد في مسنده ورجاله ثقات.
 فلم تغن عنها عباداتها شيئا مع سوء أخلاقها ، فهي تؤذي جيرانها بلسانها ، فالإساءة تفسد الأعمال كما تفسد النجاسة اللبن والعسل.
3-  و روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما المفلس؟" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال:" إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا و ضرب هذا فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أُخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار".

فانظروا إلى هذا المسكين : كيف جاء بعبادات كثيرة ، ولكنه خسرها بسبب سوء خلقه ، ولأجل ذلك قال ربنا :" مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ".

قال:" مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ" ، ولم يقل من عمل حسنة ؛ لأنه قد يعملها ، ولكن لا يجيء بها يوم القيامة ؟ أين ذهبت ؟ لقد ضيعها بسوء خلقه كما أسلفنا .

الخاتمة

وفي الختام نتوصل - أيها الإخوة -  إلى نتيجة هامة ، وهي :

أن التدين الصحيح ينبغي أن يتجلى  في علاقة المسلم مع ربه ، وفي علاقته مع الناس ، ابتداء بأسرته و جيرانه ، ومجتمعه وأمته ، ومع الإنسانية كلها ، بل ويتجلى التدين الصحيح حتى في علاقة المسلم مع الحيوان ومع الكون بالبيئة فلا يقطع شجرة من غير مصلحة شرعية ، ولا يذبح طائرا عبثا ..

أما التدين المغشوش ، فهـــو تزويق في الظاهر ، وفســـاد في الباطن ، إذ لو كان الباطن سليما لأثمر التدين سلوكا حسنا في والواقع ، فالتدين المغشوش نوع من النفاق العملي الذي قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم : " أربعة من كن فيه كان منافقا خالصا وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم إذا حدّث كذب وإذا أؤتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر". هذا النفاق هو نفسه التدين المغشوش.

ومع التدين المغشوش فلا تنفع كثرة العبادة ؛ لأنه يفسده كما يفسد النفط اللبن ، ورحم الله الشيخ الغزالي إذ يقول:

"التدين المغشوش أشد وأنكي على الأمة الإسلامية من الكفر والإلحاد الصريح "

 




الاثنين، 13 يناير 2014

المبحث التاسع : " المسح على الخفين والجبيرة "


المطلب الأول: المسح على الخفين

أولا: تعريف المسح على الخفين: [1]

الخف مفرد خفاف ، ومثناه : خفان رفعا ، وخفين نصبا وجرا.
والمراد به :ما يستر القدمين من جلد مخروز ، ويمكن متابعة المشي عليه.
ومعنى المسح على الخفين: إمرار اليد المبلولة بالماء عليهما ، بدلا من غسل الرجلين في الوضوء ، لذكر أو أنثى ، في حضر أو سفر ، ولو كان سفر معصية.

ثانيا : حكم المسح الخفين:

المسح على الخفين رخصة جائزة ، بدليل قوله تعالى : " وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين " ، فقد قَرَأَها  ابْنُ عَبَّاسٍ و أَنَسٌ وَعَلْقَمَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ:(وأرجلِكم) ، والقراءة بالخفض محمولة على المسح على الخفين.
وقد ثبت بالنقل المتواتر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – مسح الخفين ، ومن ذلك :
ما رواه البخاري عن المغيرة بن شعبة رضي اللَّه عَنهُ عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم "أنه خرج لحاجته، فأتبعه المغيرة بإداوة[2] فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين"[3].

ثالثا: شروط جواز المسح على الخفين:

أ‌-       شروط الماسح:
1-    أن يلبسه على طهارة كاملة ، فإن لبسه محدثاً ، ثم أراد الوضوء والمسح عليه فلا يجوز.
2-    أن تكون الطهارة التي لبس بعدها الخف مائية لا ترابية ، فلا يصح أن يلبسه بعد التيمم.
3-  أن لا يقصد بلبسه لمجرد الرفاهية  أو التنعم ، أو لمجرد النوم به ، أو لكونه حاكماً .... بل ينبغي أن يقصد به  إتباع السنة ، أو اتقاء حرٍ أو برد أو عقرب وشبهها.
4-  أن لا يكون عاصياً بلبسه ، كالرجل المحرم بحج أو عمرة ، لوجوب تجرده من المخيط ، ومثله الغاصب فلا يصح المسح على خف مغصوب.

ب‌-   شروط الممسوح:
1-    أن يكون الخفان مصنوعين من جلد ، فإن كانا من كتان أو قطن فلا يصح المسح عليهما.
2-    أن يكونا طاهرين، أي صنعا من جلد طاهر لا من جلد ميتة ولو دبغ.
3-    أن يكونا مخروزين لا ملصوقين أو منسوجين.
4-  أن يكونا ساترين للقدمَيْن مع الكعبين، فإن كان الخف مثقوبا قدر ثلث القدم فأكثر، فلا يصح المسح عليه ، ولو التصق الخرق بحيث لم يظهر منه القدم.
5-    أن يمكن متابعة المشي فيهما عادة ، أما إن كان واسعا تنسلت منه القدم فلا يصح المسح عليه .
6-  أن لا يكون على محل المسح المفروض (وهو أعلى الخف) حائل يمنع وصول الماء إلى الخف ، كخرقة أو شمع أو عجين .. أما إن كان الحائل في أسفل الخف فلا مانع ؛ لأنه لا يتوجب مسح أسفله على القول المعتمد بل يُندب.
رابعا: مبطلات المسح على الخفين:
1-    يبطل المسح على الخفين بطروء موجب من موجبات الغسل، كجنابة أو حيض أو نفاس.
2-    يبطل المسح بخرق الخف قدر ثلثِه فأكثر، أما الخرق اليسير فمغتفر.
3-    خروج القدم من الخف ، عمدا أو سهوا.

خامسا: مدة المسح على الخفين:

المشهور أن المسح على الخفين لا يحدد بمدة معلومة ، فيجوز المسح عليهما من غير توقيت ، ما لم يخلعهما ، و ما ورد من في تحديد المدة بيوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام بليالهن للمسافر ، فمحمول على الندب لا الوجوب .

سادسا : الكيفية المستحبة في المسح على الخفين:

وهي : أن يضع باطن أصابع يده اليمنى فوق أطراف أصابع قدمه اليمنى، ويضع يده اليسرى تحت أصابعها ويمر بيده على خف رجله اليمنى إلى الكعبين، ويفعل في خف رجل اليسرى عكس ذلك ، بحيث يضع يده اليسرى فوق أطراف أصابع رجله اليسرى ، وأصابع اليد اليمنى من تحتها ويمر بهما إلى الكعبين.
ومسح ظاهر الخفين واجب ، وأما مسح باطنها فمستحب.

المطلب الثاني: المسح على الجبيرة

أولا: تعريف المسح على الجبيرة:

- الجبيرة - والجمع جبائر - تطلق على ما يوضع على الجراح ، كالأعواد التي يربط بها العضو المكسور، أو اللزقة التي توضع على القروح ونحوها ، أو الخرقة التي توضع على العين ، أو القرطاس الذي يوضع على الصدغ لصداع ونحوه ، ومثل ذلك العمامة إذا خيف الضرر بنزعها.
- ومعنى المسح عليها: إمرار اليد المبلولة بالماء عليها مرة واحدة ، من غير تشديد ، في طهارة صغرى أو كبرى. 

ثانيا: حكم المسح على الجبيرة:

حكم المسح على الجبيرة الوجوب أو الإباحة ، في الوضوء والغسل، بدلا من غسل العضو المريض أو مسحه.
- فيكون المسح واجبا: إذا خشي الهلاك ، أو الضرر المؤدي إلى إتلاف أحد الحواس ، أو تعطيله عن بعض وظائفه.
- يكون المسح مباحا: إذا خشي شدة ألم أو تأخر شفاء من غير هلاك أو تلف أحد الحواس.
- ولا يجوز المسح إن توهم الضرر ، أو خشي مجرد المشقة .

ثالثا: دليل مشروعيتها:

- ما روي عن علي رضي اللَّه عَنهُ قال: انْكَسَرَتْ إِحْدَى زَنْدَيَّ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، «فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِرِ»[4].
- وما روي عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فَأَصَابَهُمُ الْبَرْدُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى الْعَصَائِبِ[5] وَالتَّسَاخِينِ[6]»[7]. فإذا جاز المسح على العمائم والخفاف لأجل البرد ، فمن باب أولى جوازه على الجبائر لأجل الجراح ونحوها.


ثالثا: شرائط المسح على الجبيرة:

1-   أن يكون غسل العضو المريض يضر به ، بحيث يؤدي إلى هلاك أو ذهاب منفعة ، أو حدوث ألم شديد ، أو تأخر شفاء أو زيادة مرض.
2-      ألا يقدر على مسح الجرح  وشبهه مباشرة ، وإلا لزمه ذلك.
3-      ألا يخشى الضرر من غسل بقية الأعضاء ، وإلا انتقل إلى التيمم.
4-      ألا تعم الجراح أغلب الجسد في الغسل ، أو أغلب أعضاء الوضوء في الوضوء ، وإلا انتقل إلى التيمم.
5-   أن يعمم موضع جبيرته بالمسح ، بأن يغسل الجزء السليم من البدن - في والوضوء أو الغسل- ثم يمسح على الجزء المريض جميعه .
6-      و لا يشترط في الجبيرة وضعها عل طهارة ، و لا يشترط فيها مدة معينة .

رابعا : حالات تعذر مسح الجراح:

1- إن كانت الجراح في أعضاء التيمم (الوجه واليدين) كلاً أو بعضاً ، يتركها بلا غسل ولا مسح لتعذر مسها ، ويتوضأ وضوءاً ناقصاً ؛ إذ لو تيمم لتركها أيضاً ، ووضوء أو غسل ناقص مقدم على تيمم ناقص.
2- أما إذا كانت الجراحات في غير أعضاء التيمم :
    - فقيل: يتيمم ليأتي بطهارة ترابية كاملة.
    - وقيل: يغسل الصحيح ويسقط محل الجراح.
    - وقيل: يتيمم إن كان الجريح أكثر من الصحيح.
    - وقيل: يجمع بين الغسل والتيمم ، فيغسل الصحيح ويتيمم للجريح، ويقدم الغسل على التيمم لئلا يفصل بين الطهارة الترابية وبين ما فعلت له بالمائية.

خامسا : مبطلات المسح على الجبيرة:

-         يبطل المسح على الجبيرة بسقوطها أو نزعها من موضعها .
-         وإن حصل ذلك أثناء الصلاة بطلت صلاته ، سواء سقطت عن برء أو عن غير برء.
-    وإن نزعها بعد المسح لوضع دواء على الجرح ، ردها ومسح عليها ، إن لم يطل الزمن ، فإن طال الزمن بطلت الطهارة كلها، فيستأنفها من جديد.
-    أما إن نزعها بعد المسح عليها لبرء ، وأراد المحافظة على طهارته ، فعليه أن يبادر إلى تطهير ما تحتها بالغسل ، إن كان مما يغسل كالوجه واليدين ، أو بالمسح إن كان مما يمسح كالرأس ، بحيث لا تفوته الموالاة ، أما إن تراخى حتى طال الزمن بطلت الطهارة كلها، فيستأنفها من جديد.



[1] راجح في مبحث المسح على الخف والجبيرة :
                              - بلغة السالك المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير. 1/ 52.
                              - ومنح الجليل شرح على مختصر سيد خليل. 1 /12.
[2] بإداوة : هِيَ إِنَاء الْوضُوء.
[3] البخاري: ج 1/ كتاب الوضوء باب 47/200.
[4] سنن ابن ماجه رقم 657
[5] العصائب: هي العمائم جمع عمامة.
[6] التساخين: هي الخفاف جمــع خف.
[7] سنن أي داود رقم 146