......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الخميس، 30 أغسطس 2012

توجيهات بمناسبة الموسم الدراسي الجديد


خطبة الجمعة  بمسجد مالك بن أنس بالتلاغمة – ميلة - 31/ 08 / 2012 م
المقدمة : الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى اله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين ، أما بعد /
أيها الإخوة المؤمنون : عما قريب سينطلق الموسم الدراسي الجديد ، وسيبدأ أولادنا رحلة جديدة في تحصيل العلوم والمعارف ،  فنسأل الله تعالى أ ن يوفقهم ويسدد خطاهم وييسر لهم سبل النجاح . وإنها  لمناسبة من الأهمية بمكان ، عليها تعلق الأمة آمالها حاضرا ومستقبلا ؛ لأجل ذلك كان لزاما علينا أن نقف معها – ولو قليلا – لنوضح بعض الحقائق الهامة التي ينبغي أن يعيها جميع أفراد مجتمعنا ، خصوصا الأولياء ،  والأساتذة ، والمعلمين ، والطلاب والمتمدرسين في مختلف الأطوار التعليمية . 
أولا : ما هي  أهداف التعليم  
أيها الإخوة : سؤال وجيه  يطرح نفسه بقوة ، ويجب أن يجاب عنه بدقة ، ما هو الهدف من العملية التعليمية كلها ؟  ما الهدف من فتح المدارس والمعاهد والجامعات وبنائها وتجهيزها بكل ما تحتاج إليه ؟ ووضع المناهج وطبع الكتب وتوظيف هذا الكم الكبير من الأساتذة والمدراء والمراقبين والمسيرين والمساعدين التربويين  وصرف تلك الرواتب الهائلة لهم ......؟؟
هل الهدف من ذلك كله أن يحصل هؤلاء الطلاب والطالبات على وظائف يسترزقون بها !  وأن يكون لكل منهم منصبا مرموقا ومسكنا وسيارة...وغير ذلك ! كلا ! إنما تلك أهداف تبعية وليست أصلية..
- إن
الهدف الأصلي من التعلم و التعليم  عندنا نحن أمة الإسلام هــو : معرفة الله تعالى ، فالعلم هو السبيل الموصل إلى معرفة الله معرفة صحيحة ، ومعرفته تعالى هي أول واجب على المكلف ، قال تعالى : " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات " وقال تعالى : " إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء " والذي لا يعرف الله لا يمكن أن يخشاه حق خشيته ، ومن ثم يتعذر عليه أن يسير في الطريق الموصل إليه جل وعلا ؛ لذلك قال – صلى الله عليه وسلم – " من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنّة "   أخرجه مسلم
وإذن : فالهدف من التعليم هو إعداد ذلك الإنسان الصالح الذي يخشي الله ويتقيه فيكون نافعا لنفسه وأبويه ومجتمعه ووطنه وأمته .
 فبالتعلم والتعليم تصنع الأجيال المؤمنة الصالحة القوية التي تحمل راية الإسلام ، وتذود عن مقدسات الأمة ، وتحمي ثوابتها ومقوماتها ، وتكون خير خلف لخير سلف ، وإذا لم يدرس أولادنا ويتعلموا :
فمن سيحل محل الرؤساء والقادة والوزراء ؟ 
ومن سيخلف العلماء والدعاة والأطباء ؟
من للمساجد ومن الجامعات والمدارس ومختلف للمؤسسات ؟
ومن سيقود الأمة ويرعى مصالحها ويسوس شؤونها ؟ إلا طلابها .
نعم - أيها الإخوة – إن هؤلاء الطلاب والطالبات - الذين نسهر على تربيتهم و تعليمهم اليوم -  هم عماد الأمة وسر قوتها ، وأساس نهضتها وتقدمها وازدهارها ،  فجيل اليوم سيذهب ، وسيخلفه جيل جديد " وتلك الأيام ندولها بين الناس "  وهذا الجيل الجديد الذي سيحل محلنا ينبغي أن يكون فيه الأطباء والمهندسون والتقنيون والأئمة والأساتذة والطيارون والغواصون والساسة والقادة ...وكل هؤلاء تطلب فيهم القوة والأمانة والكفاءة ، خوصا ونحن في عصر لا مكان فيه للضعفاء والفاشلين . فينبغي أن ندرك هذه الحقيقة ونحن نستقبل عاما دراسيا جديدا ،  وإذا أدركنا ذلك علمنا أن التعليم مهمة نبيلة وعظيمة ؛ إذ عليها يتوقف مصير أمتنا ، فوجب علينا أن نشارك جميعا في إنجاحها.

ولا يمكن أن تنجح هذه المهمة النبيلة وتؤتي ثمارها على النحو الذي ذكرنا ، حتى توضع لها برامج تربوية قويمة، تقوم على أسس متينة مستقاة من ثقافتنا الإسلامية الأصيلة ، وترتبط ارتباطا وثيقا بلغة الوحي - اللغة العرية - التي لا يفهم تراثنا الثقافي والتاريخي والحضاري إلا بها ، ولا تدرك أحكام الشريعة ومعانيها  إلا بها ، ومن ثم كان تعلمها والاعتناء بها والعمل على تطويرها من أوكد الواجبات ؛ تطبيقا للقاعدة الأصولية :(ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

وأما تلك البرامج التي يروج لها ، والقائمة على أسس تغربية ، والتي تعمل على تهميش اللغة العربية والتاريخ والتربية الإسلامية فأقل ما يقال فيها أنها خيانة لله ورسوله ، وخيانة للتاريخ والشهداء الأبرار ، ويجب إيقاف هذه المهزلة ومحاكمة الجناة الذين يريدون أن يطمسوا هويتنا ، وسلخ أجيالنا المستقبلية عن أصالتها ، وعن جسم الأمة العربية والإسلامية.

و ننتقل إلى بيان حقيقة أخرى .

ثانيا  : ما هي رسالة القائم بالتعليم
إنه لخطأ جسيم يرتكبه ذلك المدرس الذي يظن أن وظيفته رسمية فحسب ، فالمطلوب منه أن يقدم مادته ويشرحها ثم ينصرف منتظرا صب راتبه الجديد ، إن هذا لظلم وإهانة للجيل الناشئ الذي علقت عليه الأمة آمالها ، فاعلم يا أخي المدرس: أنك على ثغرة عظيمة ، وأن أولياء الأمور وآلاف من أولياء التلاميذ قد وضعوا ثقتهم فيك ، فسلموا لك أولادهم ، وعلقوا برقبتك هذه الأمانة ، فهل صنت الأمانة ؟ وهل قمت بواجب كما يحب الله ويرضى ؟
إن وظيفة التعليم أسمى وأعلى من أن تكون وظيفة رسمية أو مصدراً لكسب الرزق ، بل هي إعداد للأجيال وبناء للأمة ، فهل تعلم أخي المدرس أن العالم الداعية الذي يحمل هم دينه ،  أو ذلك القاضي الذي يحكم في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم ، أو ذلك الجندي الذي يقف في الميدان حاميا لأمن الأمة وحارسا لثغورها ، هل تعلم بأن كل هؤلاء وغيرهم إنما كانت بداياتهم هو أنت ، وكل هؤلاء قد عبروا بوابة المدارس.
إن العظماء وكبار الساسة وصناع القرارات الخطيرة ، كل أولائك بالتأكيد قد مروا عليك أنت أيها المدرس أولاً.     و لا شك أن بصماتك قد أثرت في ناحية من نواحي تفكيرهم أو على جانب من جوانب شخصياتهم ، فهل كنت قدوة حسنة لهم ؟ أم أنك بررت لهم الانحراف والمجون بسلوكياتك الخاطئة ؟
  أما علمت أن توجيه الطلاب وإرشادهم ونصحهم وصياغة عقولهم  وتقويم سلوكياتهم هو جزء لا يتجزأ من رسالتك التعليمية  ، وأنه من صميم مسؤولياتك . فاتقوا الله – أيها المدرسون - وتذكروا قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم – " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.. " فما أنتم قائلون يوم تسألون عن رعيتكم ؟ 
ثالثا : ما هو واجب الأولياء نحو أولادهم
وليس المدرسون وحدهم هم المسئولون عن توجيه الطلاب وتربيتهم وتفوقهم ، بل أن البيت هو الدائرة الأولى من دوائر تنشئة الأولاد وصيانة عقلوهم وخلقهم ودينهم . وماذا يصنع المدرسون ؟ وماذا تستطيع أن تعمل الإدارة ووزارة التربية والتعليم لطالب نشأ في بيت بعيد عن الأجواء الشرعية المنضبطة ، وآخر تربى على الاستخفاف بالعبادات الشرعية ، وآخر نشأ على أرصفة الشوارع لا يعرف عرفا و لا نكرا ، فقد يوجد في المؤسسات التعليمية من يقطع خطوات هامة في تربية الطالب وتوجيهه ، لكنه جهد غير مضمون الثمرة ؛ لأن تأثير البيت المعاكس يظل دائما يفسد ما تحاوله المدرسة إصلاحه . وإن من أكبر التناقضات التي يعيشها الطالب والتي تكون سببا في انحرافه سلوكياً وسقوطه دراسيا هو التناقض الذي يعيشه بين توجيهات مدرس صالح ومتابعة إدارة جيدة وبين بيت مليء بالسلوكيات المناقضة والمصادمة لما يتلقاه الطلاب من توجيهات ، وكيف سيتفوق طالب يقضي كل يوم ساعات طويلة بين أفلام ساقطة وبرامج هدامة تهدم كل يوم لبنة من لبنات الفطرة السليمة في شخصية هذا الولد ؟ و ماذا نتوقع من طالب في سن المراهقة يعكف على مسلسلات تدور حول محور الغرام والعشق بين الجنسين ، ومسرحيات وتمثيليات تظهر مفاتن المرأة ومحاسنها ؟ ثم يتمنى الأب أن يكون ولده متفوقا في دراسته أو يكون على جانب عظيم من الأخلاق والأدب والسلوك الحسن  ؟ !  لا يمكن أبدا لمن كان هذا شأنه أن يتفوق أو يكون عضوا نافعا لنفسه أو مجتمعه . فاتقوا الله أيها الآباء والأمهات ، واتقوا الله يا أولياء أمور الطلبة والطالبات ، وكونوا عونا وسندا لتوجيهات المدرس ، ولا تكونوا سببا في انحراف أولادكم بسبب محرمات أدخلتموها في بيوتكم ، " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ..."  
رابعا: ما هو واجب الأغنياء نحو الطلاب
نحن نعلم أن أسعار الأدوات المدرسية مرتفعة  ، وعندنا شريحة كبيرة من الأرامل والفقراء  الذين لهم أولاد متمدرسون في مختلف الأطوار التعليمية ، ولا يملكون ما يجهزون به أولادهم للدراسة ؟! وكثيرا ما نجد متفوقين ونوابغ في شريحة الفقراء ، أفنتركهم يضيعون ويفشلون ؟! إذا فعلنا ذلك فقد خنا أمتنا وأسهمنا في تخريب وطننا ؛ وقد سبق وأن بينا  بأن مصلحة التعليم لا تعود على المتعلم وحده ، بل على جميع أفراد مجتمعه ، لهذا وجب علينا أن نساعد هؤلاء الأولاد الذين لا يجدون ما يتجهزون به للتمدرس وطلب العلم ، وإذا أعناهم على ذلك نكون قد أسهمنا في خدمة ديننا وإصلاح مجتمعنا وبناء ووطننا ، واعلموا – أيها الإخوة – أن الله يكلف كل أحد بقدر ما أتاه من طاقة وجهد ، فالقوي يكلف بما لا يكلف به الضعيف ، والعالم يكلف بما لا يكلف به الجاهل ، والغني يكلف بما لا يكلف به الفقير ....   فيا من وسع الله عليكم في الأرزاق هذا وقت مناسب للصدقات والتبرعات ، فابحثوا عن البيوت الفقيرة حولكم ، واعرفوا ما ينقص أولادهم من مستلزمات الدراسة  ، وسددوا هذا النقص يؤتكم الله أجرا عظيما. " وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين " " وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا.... " اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه واجعلنا من عبادك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، آميــــن .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الأحد، 26 أغسطس 2012

تأملات في عيد الفطر المبارك


خطبة عيد الفطر 1433 هـ بمسجد الإمام مالك بن أنس
بالتلاغمة  – الجزائر -
لله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله وبحمده بكرة وأصيلا ، الحمد لله على تفضله وإحسانه ، إذ من علينا بصيام رمضان وقيامه ، ومتعنا بالصحة والعافية والأمن والاستقرار حتى أكملنا عدة أيامه ، ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ولعلكم تشكرون ﴾ فالله أكبر، الله أكبر الله أكبر...وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله – صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين ، أما بعد/
أيها الإخوة المؤمنون : بعد أن أديتم فريضة الصيام وسنة القيام بحمد الله وعونه وتوفيقه ، هاأنتم اليوم تجتمعون في هذا اليوم المبارك على طهارة وتقوى من الله ورضوان ، وفي هذا المقام يتجلى عليكم  ربكم برحمته وعفوه ومغفرته ، ولن تنصرفوا من هذا المكان - إن شاء الله - حتى تتسلموا جوائز صيامكم وقيامكم من الله تعالى ، فقد روى الطبراني في "المعجم الكبير»"إذا كان يومُ الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطريق فنادَوْا: اغدوا يا معشر المسلمين إلى ربّ كريم يمنّ بالخير ثمّ يثيب عليه الجزيل، لقد أُمرتم بقيام الليل فقُمتم وأُمرتم بصيام النهار فصمتم وأطعتم ربَّكم، فاقبِضُوا جوائزكم، فإذا صلّوا نادى منادٍ: ألا إنّ ربكم قد غفر لكم فارجعوا راشدين إلى رحالكم فهو يوم الجائزة، ويسمّى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة، فقال: قد غفرت لكم ذنوبكم كلّها«
فهنيئاً لكم - أيها الإخوة المؤمنون - على هذا الفضل العظيم . وجدير بنا أن نقف في هذه اللحظات وقفات موجزة نتأمل من خلالها في بعض معاني هذا اليوم المبارك وأبعاده :
الوقفة الأولى : مع قوله تعالى:﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾
-      ولتكملوا العدة : وقد أكملنا العدة و لله الحمد والمنة.
-      ولتكبروا الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ:
      التكبير هو زينة أعيادنا وقد روي الطبراني عن أنس  " زينوا أعيادكم بالتكبير "  وكلمة الله أكبر :  كلمة عظيمة إذا عرف العبد معناها، وعرف مدلولها، أصبحت حياته منتظمة ومستقرة، كيف لا ؟ وهو قد رأى وأيقن أن الله أكبر من كل شيء ، ومن رأى وأيقن أن الله أكبر من كل شيء ،آثر طاعة الله على طاعة المخلوقين، وآثر رضاه على رضاء الناس أجمعين، وآثر الاستقامة على منهجه وترك مناهج الآخرين. ولا يعقل أن تقول الله أكبر وأنت تطيع مخلوقاً وتعصي الخالق جل جلاله ، ولا يعقل أن تقول الله أكبر وأن تسعى  لإرضاء المخلوقين أكثر من سعيك لإرضاء رب العالمين .
      كثير من الناس يقولون الله أكبر وهم يكذبون في تكبيرهم ؟ فالذي يخاف أعداءه أكثر من الله فهو كاذب في تكبيره ، والذي يستخفي من الناس ولا يستخفي من الله فهو كاذب في تكبيره ، والذي يحب دنياه ومصالحه الشخصية كحبه لربه وما جاءه من عند ربه كاذب في تكبيره....
فالتكبير الحقيقي هو: الذي ينطق به لسانك ويوقن به قلبك ثم تعمل بمقتضاه في واقع حياتك ، فالله أكبر مما نخاف ونحذر ، الله أكبر وكل ما سواه فحقير وأصغر .
وقوله تعالى : ولتكبروا الله [عَلَى مَا هَدَاكُمْ ] معناه : أن من حصل على الهدى في هذا الشهر الفضيل ، حُق له أن يكبر شكرا وتعظيماً لله تعالى ، على هذا الفضل الكبير، وأما من صام عن الطعام والشراب ولكن لا تزال  أخلاقه سيئة ، فهو لا يزال يؤذي الناس بلسانه ويده وتصرفاته ... فهذا كأنه لم يصم هذا الشهر، وإذن : على ماذا يكبر الله ؟ على ماذا يقول الله أكبر فهو لم يهتد في هذا الشهر والتكبير إنما هو للمهتدين ، لقوله تعالى: ولتكبروا الله عَلَى مَا هَدَاكُمْ.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر..

الوقفة الثانية : مع قوله صلى الله عليه وسلم للصائم فرحتان ...
فرحة العيد أصلها أنها فرحة بالانتصار على النفس والشيطان الرجيم ، والصلح مع الله تعالى ، فالصائم في رمضان قد انتصر على نفسه وهواه واصطلح مع الله ، فكف جوارحه عن الحرام ، وأخضع هواه للانسجام مع شريعة الملك العلام، وهذا نصر عظيم للصائم ؛ فلذلك حق له أن يفرح في هذا اليوم المبارك ، يفرح لأنه انتصر في رمضان  على نفسه ، وشهواته وبشريته وحظوظه ، وحقق عبوديته لله عز وجل ، وهذا هو السر في جعل العيد مرتبطا بإتمام الفرائض في الإسلام ، فعيد الفطر يأتي بعد إتمام فريضة الصيام وعيد الأضحى يأتي بعد إتمام مناسك الحج، وفي هذا إشارة إلى أن العيد هو احتفاء بأداء الواجبات وترك المحظورات ، ومن ثم قيل : كل لا يوم لا تعصي الله فيه فهو عيد . وإذا كان هذا شأن فرحة العيد فإنها لا حظ فيها للعصاة الذين خسروا ربح العام ، في هذا الشهر الفضيل ، وما سمعنا أن خاسرا يفرح بخسارته أو فاشلا يحتفي بفشله ، فهؤلاء بدل أن يفرحوا عليهم أن يبكوا على ما فرطوا ويبادروا بالتوبة ليتداركوا ما فاتهم من ربح العام، وباب التوبة لا يزال مفتوحا ويتوب الله على من تاب .
الوقفة الثالثة: مع قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )
هل يرضيك أيها المسلم أن ترى أولادك في هذا اليوم حزنين وغير مسرورين ؟  إذا كنت لا تحب هذا لنفسك وأولادك ، فينبغي ألا تحبه أيضا لإخوانك إن كنت مؤمنا بالله ورسوله واليوم الآخر، وإذن : عليك أن تسعى وتجتهد ما استطعت لترفع الغبن عن إخوانك ، وتدخل السرور عليهم كما أدخلته على أولادك في صبيحة هذا اليوم ، الذي هو يوم فرح وسرور ، واعلم أن ذلك من أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى في هذا اليوم البهيج ، وهو برهان على صدق إيمانك الذي سعيت لتحقيقه خلال شهر رمضان ، فتفقدوا - رحمكم الله - الأرامل والأيتام والمرضى والمحتاجين وكبروا الله الذي هداكم للإيمان.الله أكبر الله كبر الله أكبر ...
الوقفة الأخيرة مع قول العلماء: من علامة قبول الحسنة عمل الحسنة بعدها
أنت قد صمت وصليت ...فهل قبل الله منك ذلك ؟ إذا أردت أن تعرف فانظر إلى نفسك بعد رمضان فإن وجدت نفسك مقبلا على الطاعة مدبرا عن المعصية فاحمد الله تعالى ، فأنت من المقبولين عنده إن شاء الله ، وإن كان العكس – والعياذ الله - فابك على خطيئتك وتقصيرك والزم حمية الندم ، فرب فتح لك باب الطاعة وسد عليك باب القبول .
  وهذه الحقيقة يؤيدها قوله تعالى : " كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون " ووجه الاستدلال: أن الصيام شرع لتحقيق هذا المقصد { التقوى } والذي ينقلب من الطاعة إلى المعصية بعد رمضان معناه : أنه لم يتحقق فيه مقصد التقوى ،وإذن :فصيامه مردود عليه وغير مقبول ؛ لأنه لو كان مقبولا لارتقى بصاحبه إلى درجة المتقين ، فاتقوا الله عباد الله وواصلوا إحسانكم بعد رمضان ، وتوبوا إليه في سائر الأزمان ، جعلني الله وإياكم من عباده المتقين المقبولين عنده ، اللهم عاملنا بلطفك وإحسانك ومنتك وكرمك ، ولاتكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ، اللهم اعتق رقابنا آبائنا وأمهاتنا من النار ، برحمتك يا عزيز يا غفار ، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤف رحيم ، اللهم وفق ولاة أمورنا إلى ما تحبه وترضاه ، واجعل بلادنا آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .   

اتقوا موارد الهلاك



خطبة الجمعة بمسجد مالك بن أنس بالتلاغمة : يوم الجمعة 25/5/2012 م
بعد حمد الله والصلاة والسلام على النبي المختار وآله وصحبه الأخيار .
لقد جرت سنة الله عز وجل في عباده أن يعاملهم بحسب أعمالهم ، فإذا اتقى الناس ربهم عز وجل ، أنزل الله عليهم البركات من السماء ، وأخرج لهم الخيرات من الأرض ، قال تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض[الأعراف:9]. وقال تعالى:"وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً " [الجن:16]، أما إذا تمرد العباد على شرع الله تعالى ، وفسقوا عن أمره أتاهم العذاب والهلاك من حيث لا يشعرون ، فالله عز وجل لا يبدل حال العباد من النقمة إلى النعمة ، ومن الرخاء إلى الشدة ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى الفسق ، قال تعالى: "ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[الأنفال:53].
هذا قانون رباني ثابت لا يتغير ولا يتبدل : إذا كان العباد مطيعين لله عز وجل ، معظمين لشرعه ، أنزل الله عز وجل عليهم النعم ، وأزاح عنهم النقم ، فإذا تبدل حال العباد من الطاعة إلى المعصية ، ومن الشكر إلى الكفر، حلت بهم النقم ، وزالت عنهم النعم ، وإذن : فكل ما يحصل للعباد من محن ومصائب إنما هو بما كسبت أيديهم ، ويعفو ربنا كثير من العصيان فلا يآخذ به ، كما قال جل ثناؤه: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوعن كثير "[الشورى:30].
أيها الإخوة : اتقوا غضب الجبار جل في علاه ،  وإياكم وان تغتروا بنعم الله عليكم وأنتم مقيمون على معصيته " ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليم تشخص فيه الأبصار " و قد بين لنا الله ورسوله  أسباب هلاك الأمم لنتقيها ، منها  :
انتشار الفساد وكثرة الخبث. قال تعالى: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القوم فدمرناها تدميراً "[الإسراء:16].
والمعنى:  أمرنا مترفيها بطاعة الله وتوحيده وبدل أن ينفذوا ما أمرهم الله به فسقوا فيها أي خرجوا عن طاعة ربهم وعصوا أمره ، وكذبوا رسله : فحق عليها القول أي وجب عليها الوعيد: فدمرناها تدميراً أي أهلكناها إهلاكا مستأصلا .
ولم يستثن الله من الهلاك أحدا ، لماذا ؟  لأن الهلاك إذا جاء عم الجميع ، كما قال تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" [الأنفال:25]. بل تصيب من ظلم ومن لم يظلم .
وكما في الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها لما سمعت النبي يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه
الإبهام والتي تليها، قالت له: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث "رواه البخاري.
 فكثرة الخبث سبب أنزال الهلاك على الجميع ، والمراد بالخبث ، ما ترونه اليوم أمام أعينكم من الفسوق والعصيان ، وتجاهر الناس به دون خجل ولا وجل ، كخروج النساء كاسيات عاريات  مائلات مميلات ، فوقع في حبالهن الساقطون ممن لا مروءة لهم ولا أخلاق ولا قيم ؛ لأن الوقوع في الرذائل يذهب بالحياء ويقتلعه من جذوره ، وإذ نزع الحياء من العبد  لم يبق له دين ولا إيمان و لا أمانة ، فصار بهيمة تمشي على الأرض بل هو أضل منها سبيلا .
أيها الإخوة : ومن أسباب هلاك الأمم الكفر بنعم الله عز وجل وعدم القيام بواجب شكرها . قال تعالى: "وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون "[النحل:112].  
ومن أسباب هلاك الأمم ظهور النقص والتطفيف في الكيل والميزان ومنع حق الله وحق عباده ونقض العهود والمواثيق، والإعراض عن أحكام الله تعالى. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : "يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن - وأعوذ بالله أن تدركوهن –: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا الكيل والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم ، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما كان في أيديهم ، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل ويتحروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم" رواه ابن ماجة  
ومن أسباب هلاك الأمم التنافس في الدنيا والرغبة فيها والتخاصم من أجلها ، لقوله   "  فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم " (روه البخاري  
فاتقوا الله عباد الله واتقوا مواطن الهلاك وأسبابه و لا تغتروا بنعم الله عليكم ، فإن الله يمهل ولا يهمل ، واعموا أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم .






أوفوا بعـهــد الشهداء ( مناسبة أحداث الثامن ماي 1945 م )


خطبة الجمعة بمسجد مالك بن أنس بالتلاغمة – الجزائر - 20 /6/1433 هـ = 11 / 5/ 2012 م
                                                                             

بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على النبي المختار وآله وصحبه الأخيار. قال الله تعالى : " وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" هذه الآية الكريمة ترشدنا إلى التذكير بأيام الله تعالى وما جرى فيها من أحداث عبر التاريخ كله ؛ لنستلهم منها العبر والدروس فـــ"إن من يهمل الدروس وينسى ضربات الزمان لن يستفيدا..." ، وإن من أعظم الأيام التي ينبغي أن نتذكرها ونذكر بها : أيام كفاح الجزائر في سبيل عقيدتها وحريتها ، ومن أجل أن تبقى عربية مسلمة ، إنها لأيام عظائم لا يجوز نسيانها ! وكيف تنسى تلك الأيام وقد أجمع أهل النشامة والشهامة والشرف أنه: " حيث سال الدم لا تنبت شجرة النسيان " أبدا...وعندما نتأمل التاريخ لا نجد بقعة من الأرض ارتوت بدماء الشهداء ، كأرض الجزائر التي دفعت ثمن حريتها مليونا ونصف مليون من الشهداء أو يزيدون،ففي أحداث الثامن ماي 1945 م   قتل ما يزيد عن 45000 في أيام معدودات...؟
حيث خرج الجزائريون في مظاهرات سلمية وعفوية لمطالبة فرنسا الغادرة بالوفاء بعهدها مع الجزائريين ، حيث وعدتهم أن إذا حاربوا معها الألمان فستمنحهم حريتهم وترد إليهم أرضهم المغصوبة ، ولكن حين انتصر الحلفاء وهزمت جيوش النازية العاتية ، وقلنا لفرنسا أوفي بعهدك فقد وفينا بعهدنا ، ودفعنا بخيرة أبناء ليقاتلوا معك ، فقابلتنا بالتقتيل والقمع الوحشي ؛ إذ لم ترحم منا صغيرا ولا كبيرا ولا رجلا ولا امرأة ، ودمرت قرانا
ومداشرنا من فوق رؤوس أهلها ، وتلك طبيعة أعداء الإسلام : الغدر والخيانة " أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يعلمون " { البقرة } لقد كانت أيام عظيمة ، حين نتذكرها ندرك يقينا أن استرجاع سيادتنا لم يقدم لنا عطاء سائغا سلسبيلا ، بل كان نتيجة لتضحيات جسام ، فــنحن – كما قال شاعرناـ "لم يكن يصغ لنا لما نطقنا فاتخذنا رنة الرشاش وزنا" ومن هنا بدأ التغيير الحاسم ، وأخذت ثورة التحرير تشق طريقها نحو فجر الحرية والسيادة ، وتوالت قوافل الشهداء تسقي ربوع الجزائر بالدماء الطاهرة الزكية ، وحينما نتذكر تلك الأيام نشعر بعظم المسؤولية والأمانة التي ألقاها الشهداء البواسل على عواتقنا وأعناقنا ، وما أدراك ما أمانة الشهداء ؟ إنها أمانة العهد الذي عاهدوا الله عليه ، وقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه؛إذ قاموا فقالوا: " نحن ثرنا فلات حين رجوع أو ننال استقلالنا المنشودا " " نحن ثرنا فحياة أو ممات وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر" فاشهدوا...! إنهم يستشهدوننا على هذا العهد الذي  عاهدوا الله عليه ، ألا فلتشهد الأجيال وليشهد التاريخ ولتشهد الدنيا برمتها ، ونحن على ذلك من الشاهدين : أن شهداءنا البواسل قد صدقوا ما عاهدوا الله عليه ؛ إذ قدموا أرواحهم رخيصة فداء لعقيدتهم ووطنهم وشعبهم . وإذن : فلا خير فينا إن نسينا فضلهم علينا وتضحياتهم من أجلنا ،وهل ينكر فضل من أحسن إليه إلا لئيم ، أو يتنكر لأصله وتاريخه إلا زنيم ، ولن نكون مبالغين إن قلنا : أن كل ذي فضل يمكن مكافأته على فضله إلا الشهداء ،  فإن لهم فضلا سابقا لا يكافئهم عليه إلا الله تعالى ، فهاأنتم اليوم تتمتعون برغد العيش وتأكلون مما لذ وطاب ، وتنعمون بالحرية والسيادة ، وتنامون في دياركم آمنين مطمئنين ، من أين لكم هذا  لولا الله ثم تضحيات الشهداء ؟ والقرآن العظيم يقول لكم " واذكروا إذ انتم قليل  مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون" { الأنفال } والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب على أرجح الأقوال ، فاذكروا – إذن - النساء اللائي متن تحت التعذيب دون أن ينطقن بكلمة واحدة تمس بأمن ثورتنا المقدسة ، واذكروا الرجال الذين صرخوا وصاحوا بأعلى أصواتهم قائلين : " مرحبا بالموت إن عاش شعبنا سعيدا "
صيحة تـرجف العوالـم مــنها ونــداء مـضى يهز الوجودا
اشنقوني فلست أخـشى حـبالا واصلـبوني فلست أخشى وعيدا
واقض يا موت في ما أنت قاض أنا راض إن عاش شعبي سعيدا
أنــا إن مـت فالجزائـر تـحـيا حـرة مستـقلـة لن تبيـدا
نعم يا إخوة الإيمان هكذا كانت صرختهم جميعا...........              
صرخة ردد الزمان صداها فأحسن الترديدا...فاحفظوها كالمثاني ...وانقلوها للجيل ذكرا مجيدا.
فيا إخواني ويا أجيال اليوم ، ويا طلائع الأمل وبناة المستقبل ، لا تنسوا تاريخكم وأمجادكم وشهداءكم.
مثل القوم الذين نسوا تاريخهم........كلقيط عي في الحي انتسابا
أو كمغلوب على ذاكـــرة ...يشتكي من صلة الماضي انقضابا                               
 وخلاصة الخطاب أيها الإخوة: أن الشهداء قد وفوا بعهدهم ، ويجب على الأجيال الحاضرة والمستقبلية أن توفي بعهدهم ، ألا وإن من الوفاء للشهداء أن نسير على النهج الذي خطوه بأقلامهم
ثم وقعوه بدمائهم ، ذلكم النهج الذي المتمثل بإيجاز في : حفظ الأرض التي زرعوها بأعظمهم وسقوها بدمائهم ، وإنما نحفظها ونحميها بالوفاء لإسلامنا ، والمحافظة على وحدتنا الوطنية ، فلولا الوفاء لإسلامنا لما قرر الشعب يوما مئالا . ولولا اتحادنا لما حققنا يوما انتصارا .
فقوتنا تكمن في اعتصامنا بإسلامنا وتمسكنا باتحادنا وأخوتنا ، فمهما كانت الظروف قاسية ،ومهما تغيرت الأوضاع واشتدت الأزمات ، فشعارنا السرمدي : الجزائر أولا وقبل كل شيء ، كما قال العلامة بن باديس رحمه الله تعالى .




لماذا ننصر المسجد الأقصى؟


محاضرة بمناسبة الإسراء والمعراج
المحتويات
- مكانة المسجد الأقصى وعلاقته بعقيدة المسلمين؟
-  ما محل نصرته من الأحكام الشـــــــــرعية؟
- هل هذه النصرة في متناول كل فرد أم أنها مقتصرة على فئة معينة ؟
-  ثمار نصرة الأقصى الشريف
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكـفى وسلام على عباده الذين اصطفى.
وبعد/ فإن عنوان المداخلة التي كلفت بإلقائها على حضراتكم هو: لماذا ننصر المسجد الأقصى؟ وهذا سؤال من الخطورة بمكان ؛ لتعلقه بقضية هامة من القضايا الكبرى للأمة الإسلامية, والإجابة عنه بمنزلة الإفتاء الذي يعتبر توقيعا عن رب العالمين، فتعين أن تكون إجابته دقيقة ، لا مكان فيها للمواقف الارتجالية ولا للكلمات العاطفية، بل لابد أن تكون إجابة مؤصلة تأصيلا علميا، لتبرأ بها الذمة أمام الله ، ثم أمام الأمة والتاريخ.
وأعتقد أن جوابا كهذا لا يكفيه من الوقت ربع ساعة، كما قد حدد له من طرف السادة الأفاضل القائمين على تنظيم هذا اللقاء المبارك، ولكن كما قيل مالا يدرك كله لا يترك جله وما لا يدرك جله لا يترك أقله، لذلك سأكتفي بأقل ما يمكن أن يقال في هذا المقام.
وللإجابة عن التساؤل لابد من الكشف عن أربع حقائق هامة ، وهي كالآتي:
1- مكانة المسجد الأقصى وعلاقته بعقيدة المسلمين؟
2-   ما محل نصرته من الأحكام الشـــــــــرعية؟
3-   هل هذه النصرة في متناول كل فرد أم أنها مقتصرة على فئة معينة ؟
4-   ثمار نصرة الأقصى الشريف.
فبالكشف عن هذه الحقائق نكون قد أجبنا عن التساؤل المطروح،وسأتناولها بشيء  من التفصيل،دون أن أطيل عليكم إن شاء الله تعالى ، لأننا في زمن دون الزمن الذي قيل فيه:               من التطويل كلت الهمم         فصار فيه الاختصار ملتزم .
فأقول مستعينا بالله تعالى:
أولا : مكانة المسجد الأقصى وعلاقته بعقيدة المسلمين.
إن قضية السجد الأقصى ليست قضية أرض  أو سياسة أو جنس من الأجناس، وإنما هي قضية دين وعقيدة ، فالمسجد الأقصى المبارك يمثل ثلث مقدسات المسلمين ،وله في نفوسهم أهميةً خاصةً ومكانةً عظيمةً، يُكنّون له الودّ الشديد, والحب العميق, وما ذلك إلا لتفضيل الله إياه،فهو أحد البقاع الثلاثة العظمة في القرآن،التي أقسم الله بها في كتابه، قال عزّ وجلّ مُقْسِماً بها:           
"والتين والزيتون. وطور سينين. وهذا البلد الأمين"[التين 1. 2. 3] قال ابن عباس والضحاك وعكرمة وقتادة:"الزيتون هو مسجد بيت المقدس"[1].فهذه الأماكن الثلاثة معظمة بتعظيم الله إياها،حيث أقسم الله بها في كتابه ، والله تعالى لايقسم إلا بما كان معظما عنده ، وما كان معظما عند الله وجب على المسلمين تعظيمه،والسر في تعظيمها أنها كانت محلا لنزول أعظم المنح السماوية, وأفضل الكتب الإلهية، ويزداد المسجد الأقصى قدسية ومجدا، باختصاصه بكثير من الخصائص والمميزات، التي ارتقت به إلى أن صار أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وتضاعف فيها الأعمال, وتحط في ساحتها الأوزار. ومن خصائص المسجد الأقصى وفضائله:
1 -  أن القرآن الكريم وصفه في كثير من آياته بالبركة. وهي النماء والزيادة في الخيرات والمنح والهبات؛ حيث قال سبحانه وتعالى: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله".[الإسراء 1] فإلى المسجد الأقصى كان الإسراء ومنه كان العروج إلى السماوات العلا.
وقال تعالى: "ونحيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين".
[ الأنبياء71] وهذا حكاية عن الخليل إبراهيم عليه السلام في هجرته الأولى إلى بيت المقدس وبلاد الشام. وقال تعالى : "وأورثنا القوم الذين كانوا يُستَضْعَفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها".[ الأعراف137] وفي قصة سليمان عليه السلام يقول سبحانه وتعالى: "ولسليمان الريح عاصفةً تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها..". [الأنبياء81]
وقال تعالى على لسان موسى: "يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة التي كتب الله لكم".
[ المائدة21]
2- وصف القرآن أرضه بالرَّبوة ذات الخصوبة .وهي أحسن ما يكون فيه النبات, وماءها بالمعين الجاري. قال تعالى : "و جعلنا ابنَ مريم وأمّه آيةً وآويناهما إلى ربوةٍ ذات قرارٍ ومعينٍ".[ المؤمنون 50] قال الضحاك وقتادة: "وهو بيت المقدس قال ابن كثير: وهو الأظهر".[2]
3- أنه القبلة التي كان يتوجه إليها الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون قبل تحويلها إلى الكعبة. حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد الهجرة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ثم حُوِّلت، وأشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى:" وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول".[البقرة143]
4-  أنه أرض المنادي من الملائكة نداء الصيحة لاجتماع الخلائق يوم القيامة .كما قال سبحانه وتعالى:
"واستمع يوم يُنادي المنادى من مكانٍ قريبٍ".  41] قال قتادة وغيره: "كنا نحدَّث أنه ينادي من بيت المقدس من الصخرة, وهي أوسط الأرض".[3]
5- مشروعية السفر إلى المسجد الأقصى لقصد التعبد: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُشَدُّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد, مسجدي هذا, والمسجد الحرام, والمسجد الأقصى).[4] فالشارع ينهي عن السفر إلى أي مكان مسجداً كان أو غيره لقصد العبادة ما عدا المساجد الثلاثة المستثناة في أسلوب الحصر.
6-أن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد بني في الأرض: لما في حديث الصحيحين عن آبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: "قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا؟قال: المسجد الحرام. قال: قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصل فان الفضل فيه". [5]
7- إتيان المسجد الأقصى بقصد الصلاة فيه يكفر الذنوب ويحط الخطايا : عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس سأل الله ثلاثاً: حكماً يصادف حكمه, وملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده, و ألاّ يأتي هذا المسجدَ أحدٌ لا يريد إلاّ الصلاة فيه إلاّ خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إثنتان فقد أعطيهما, وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة".[6] ولأجل هذا الحديث كان ابن عمر رضي الله عنهما يأتي من الحجاز, فيدخل فيصلي فيه, ثم يخرج ولا يشرب فيه ماء مبالغةً منه لتمحيص نية الصلاة دون غيرها, لتصيبه دعوة سليمان عليه السلام.
8-  ثبات أهل الإيمان فيه عند حلول الفتن. لحديث أبي الدرداء قال:قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-" بينما أنا نائم إذ رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به،فأتبعته بصري فعمد به إلى الشام،ألاو إن الإيمان حيث تقع الفتن بالشام".
[7]
9- أنه حاضرة الخلافة الإسلامية في آخر الزمان. فعن أبي حوالة الأزدي قال:" وضع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يده على رأسي أو على هامتي ثم قال": يا أبا حوالة : إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلال والبلايا والأمور العظام والساعة يومئذ أقرب إلى الناس من يدي هذه من رأسك".[8]
10- أهله المقاتلون في سبيل الله من الطائفة المنصورة بالنص.  فعن أبي هريرة عن النبي-صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حوله وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم السرعة".[9]                                             .                                                          فهذه الخصائص والمميزات – التي امتاز بها السجد الأقصى -  تؤكد بوضوح أنه جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلمين،وإذا ثبت هذا – وقد ثبت – فلا يجوز التفريط فيه بحال ،أو التقاعس عن صرته، وتخليصه من أيدي البغاة الآثمين، ومن هنا نخلص إلى بيان حكم نصرته شرعا.

ثانيا : حكم نصرة المسجد الأقصى.         
من المقرر لدى أهل العلم ،أن حماية المقدسات واجبة ؛ لأن حماية المقدسات مندرجة ضمن حفظ الدين، وهو أول المقاصد الكلية الخمسة ،التي جاءت الشريعة للمحافظة عليها،فقد أجمع أهل العلم على أن حفظ مصلحة الدين مقدم على حفظ مصلحة النفس، بدليل قوله تعالى:" إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم أموالهم بأن لهم الجنة.."[ التوبة111]  فمتى تعارضت مصلحة الدين مع مصلحة النفس ، كانت مصلحة الدين أولى بالتقديم في الحفظ والصيانة.
ومن ناحية أخرى ، أن لإسلام أوجب التناصر بين المسلمين، وبين أن خذلان المسلم لأخيه المسلم جريمة نكراء، تستوجب الإبعاد من رحمة الله تعالى، فقد أخرج الإمام الطبراني، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال:" لا يقفن أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما، فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه".[10] واللعنة تعني الحرمان ن رحمة الله ورضوانه، وإذا كان خذلان فرد واحد يترتب عليه كل هذا الوعيد ، فكيف بخذلان أمة بأكملها،وشعب بأســــره؟، كما هو شأن إخواننا في قطاع غزة المحاصر من اليهود وأعوانهم، وقد أوجب الله نصرة المستنصرين فقال تعالى:" وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر.."[ الأنفال 82]  وهذه الآية نزلت في المسلمين المتخلفين عن الهجرة، فكيف إذا كان  هؤلاء المستنصرون ممن يدافعون عن المقدسات الإسلامية، ويحمون شرف الأمة الإسلامية كلها ،وذلك كله متوفر في حماة الأقصى الشريف بأرض فلسطين ، ومن  هنا يتبين لنا أن حكم  نصرة الأقصى هو الوجوب، والواجب هو: ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه.

ثالثا : هل نصرة المسجد الأقصى في متناول كل فرد أم أنها مقتصرة على فئة معينة؟
رأينا- فيما تقدم – أن نصرة السجد الأقصى حكمها الوجوب، والواجب قسمان: واجب عيني، وواجب وكفائي، ونصرة الأقصى من الواجبات الكفائية التي إذا قام بها بعض الأمة سقطت عن بقيتهم، لكن إذا تركت الأمة كلها هذه النصرة، لحق الإثم جميع أفرادها،وهذا الحكم مستخلص من بيان العلماء لحكم الجهاد؛ لأن نصرة الأقصى من هذا القبيل،فهي جهاد في سبيل الله، وللجهاد مجالات متعددة، جهاد بالنفس وجهاد بالمال وجهاد بالعلم، والله تعالى إنما يكلف العباد بقدر ما آتاهم من طاقة وجهد، ولا تكليف في غير وسع ، لان التكليف بما لايطاق عبث،و الشارع الحكيم تنزه عن العبث ،لذلك فإن التكاليف الشرعية تأتي تبعا لقدرات المكلفين، فذو السلطان يكلف بما لا يكلف به من لا سلطان له ، والغني يكلف بما لا يكلف به الفقير،والعالم يكلف بما لا يكلف به الجاهل، وهكذا...كلما ازدادت مواهب الرجل ازدادت مسؤولياته ،وكبرت الأمانة في عنقه.
والنتيجة التي نتوصل إليها من خلال هذا البيان، أننا جميعا مطالبون بنصرة الأقصى، كل منا حسب طاقته وجهده، فمن عجز عن النصرة بالنفس، فعليه أن ينصر بالمال ، ومن عجز عن النصرة بالمال ، فباللسان والقلم، ومن عجز عن ذلك كله ، فإنه لا يعجز عن النصرة بالدعاء، ولا ينبغي أن نستحقر النصرة بالدعاء؛ فإنه إذا صاحبه صدق التوجه إلى الله، كان أفتك من أسلحة( أ ت ش )
أتهزأ بالدعاء وتزدريه ...وما تدري ما صنع الدعاء ...سهام الليل لا تخطي ولكن... لها أمد وللأمد انقضاء.
وهذا يتطلب منا أن نصلح أنفسنا حتى نكون أهلا للقبول، فالله تعالى يقول:" إنما يتقبل الله من المتقين"[ المائدة27] وبهذا يتبن لنا أن نصرة الأقصى قد باتت في متناولنا جميعا ، وأنها لا تقتصر على فرد دون آخر.
رابعا : ثمار نصرة الأقصى الشريف .

نصرة المسجد الأقصى نحن الذين نحتاج إليها ؛ لنبرأ بها ذمتنا أمام الله تعالى، فإذا نصرناه نصرنا أنفسنا،" ياأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"[ محمد7] وإذا خذلناه خذلنا أنفسنا، وسينصره الله بنا أو بغيرنا، " وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"[ الفتح 29] ففائدة النصرة وثمارها تعود علينا نحن بالدرجة الأولى، وعلى فرض لو اتفق العرب والمسلمون جميعا على خذلان السجد الأقصى، وتواطئوا على ترك نصرته وحمايته ، فإن الله تعالى سيهيأ له من الأسباب ما يحقق نصرته ، وسيؤيده برجال يحمونه ،ويكونون أفضل منا بكثير،                
" ياأيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسيأتي الله بقوم يحبهم يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل ولا يخافون لومة لائم .." [ المائدة55]

خامسا : النتائج المستخلصة.

وبعد هذا العرض الموجز يمكننا أن  تستخلص جملة من النتائج أهمها:

1- أن قضية السجد الأقصى ليست قضية أرض أو سياسة أو جنس، بل هي قضية دين وعقيدة.
2- ننصر المسجد الأقصى ؛ لأن الله قد أوجب علينا نصرته.
3- ننصر السجد الأقصى؛ لأننا بنصرته ننجي أنفسنا من الخزي في الدنيا، والعقاب في الآخرة. 
4- ننصر المسجد الأقصى؛ لنحوز بنصرته الشرف في الدنيا والجنة في الآخرة.
5- نصرة الأقصى في متناولنا جميعا ، كل منا حسب طاقته وجهده.
6- المحنة التي يمر بها الأقصى ما هي إلا فتنة ليميز الله بها الخبيث من الطيب، وليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.
7- إن الأقصى منصور بإذن الله لا محال، اليوم أو غدا ، وكل آت هو قريب، فلنحرص على ألا يفوتنا شرف هذه النصرة.
وأخيرا: هذا ما جاد به القلم ،ووسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتمكن منه الفهم، والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الهوامش
1- انظر:ابن عادل . تفسير اللباب16/390
2- ابن كثير .تفسير القران العظيم 3/233.
3-تفسير الطبري 11/429.
4- رواه البخاري في باب مسجد بيت المقدس ومسلم في الحج والترمذي.
5- رواه البخاري ومسلم
6- رواه احمد وابن ماجة (1408)بسند صحيح.
7- رواه أحمد (21226) والبزار وصحح سنده الحافظ ابن حجر رحمه الله.
8- رواه احمد (21981) وأبو داود (2535) انظر صحيح الجامع الصغير للألباني (7832) والحاكم في مستدركه (8309).
9 رواه أبو يعلى (6417) والطبراني في الأوسط (47) وهو صحيح انظر مجمع الزوائد 10/263 2640.
10- أخرجه الطبراني عن ابن عباس انظر: الندي. كنز العمال...5/397