......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الاثنين، 21 نوفمبر 2016

عدة المتوفى عنها زوجها وهل يجوز للمعتدة أن تخرج إلى الحج أو العمرة ؟

يتساءل بعض الإخوة عن حكم خروج المعتدة عدة الوفاة إلى الحج أو العمرة ، وهناك من صار يتعلل بفتيا لشيخنا أحمد إدريس رحمه الله أفتى بها في هذا الشأن ، وكأنهم يتذرعون بذلك إلى القول بمشروعية خروج المعتدة إلى الحج مطلقا ، وإلى العمرة أيضا ، وقد سبق وأن كتبت مقالا بعنوان :(الفتوى الخاصة لا تعمم) ، نشرته على صفحتي في الفيسبوك ، وهو منشور في مدونتي الإلكترونية،على هذا الرابط لمن أراد النظر فيه:
ودرءا لبعض الشبهات التي تعتري المسألة المطروحة ، وتصويبا لبعض التأويلات لما صدر فيها من فتاوى خاصة ، كتبت هذا المقال الموجز الذي بينت فيه أهم ما يتعلق بعدة الوفاة من أحكام ، ثم ختمته ببيان حكم خروج المعتدة إلى الحج أو العمرة.

تعريف العدة وبيان حكمتها وأنواعها
المراد بالعدة : المدة التي  تتربصها المرأة ؛ تعبداً لله عز وجل ، أو حدادا على زوجها ، أو تأكداً من براءة رحمها ، وهي مأخوذة من العد والإحصاء ، فيقال : عد الشيء يعده عدا ، وسميت المدة التي تتربصها المرأة عدة ؛ لاشتمالها على عد الأشهر والأيام وإحصائها.

وقد شرع الله العدة لحِكَم جليلة ، منها : التعبد امتثالاً لأمر الله تعالى ، والتأكد  من براءة الرحم حتى لا تختلط الأنساب بعضها ببعض ، وإظهار الحزن على الزوج بعد وفاته ؛ اعترافاً بفضله  وإقرارا بجميله .

والعدة نوعان : عدة طلاق ، وعدة وفاة ، وحديثنا هنا ينحصر في عدة الوفاة.


حكم عدة الوفاة ودليل مشروعيتها
أجمع الفقهاء الأجلاء على أنه يجب على المرأة الحائل[1] التي توفي عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرا ، صغيرة كانت أو كبيرة ، مدخولاً بها أو غير مدخول بها[2]  ؛ لقوله تعالى : "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"[3].  وأجمع السادة الفقهاء أيضا – إلا من شذ قوله[4] - على أنَّ هذه الآية ناسخة لآية الاعتداد بالحول[5] ، وهي قوله تعالى : (والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ، فقد كانت عدة الوفاة حولاً كاملاً ، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر ، وآية الاعتداد بالحول وإن كانت متأخرة في التِّلاوة ، فهي متقدمة في النزول  ؛ لذلك فهي منسوخة بآية الاعتداد بالأشهر المتأخرة عنها في النزول.

 وقوله تعالى: (يتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) يعني (والله أعلم بمراده) ينتظرن مدة أربعة أشهر وعشر ليال بأيامها ، قال الطاهر ابن عاشور المالكي :" وتأنيث اسم العدد في قوله : (وعشراً ) لمراعاة الليالي ، والمراد : الليالي بأيامها ؛ إذ لا تكون ليلة بلا يوم ولا يوم بلا ليلة "[6].

 وقال ابن عادل الحنبلي :"التَّرَبُّصُ هو: التأنِّي والتصبُّر عن النِّكاح ، وترك الخروج عن مسكن النكاح بألاَّ تفارقه ليلاً "[7].

ما ذا يجب على المعتدة خلال فترة العدة؟
وخلال فترة العدة يجب على المعتدة الإحداد على زوجها باتفاق الفقهاء[8] ؛ لما روي عن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْتَحِلُهُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَا "، مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهَا: " لَا "، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"[9]. وهذا الحديث يعد أصلا في إيجاب إحداد الزوجة على زوجها المتوفى خلال فترة العدة.
وثبت أيضا في الصحيحين عن أُمِّ حَبِيبَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ إِلا عَلَى زَوْجٍ فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"[10].

ويجب على الحادة - اتفاقا - أن تَمْتَنِعَ عن الزِّينَةِ الدَّاعِيَةِ لِلرِّجَالِ إِلَى النِّسَاءِ ، كَالْحُلِيِّ والطِّيبِ، وَاَلْحِنَّاءِ وَالْكُحْلِ ، وَلِبَاس  ثِّيَابِ الزينة ... وَرَخَّصَ الفقهاء فِي الْكُحْلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، واشْتَرَطَ بعْضُهُمُ جَعْلَهُ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ[11].

واختلفوا في مقام المتوفى عنها زوجها في مسكنها حتى تنقضي عدتها ، وخروجها منه ، فقال جمهور الفقهاء : عليها أن تثبت في منزلها حتى تنقضي عدتها ، فلا تخرج منه نهارا  إلا لحاجة ، ولا تخرج منه ليلاً إلا لضرورة كتطبيب ونحوه ، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وبه قال  الليث بن سعد، وسفيان الثوري ، وروي ذلك عن عثمان بن عفان ، وابن مسعود، وابن عمر، وأم سلمة[12].

وذهب  عطاء  ، وجابر بن زيد ، والحسن البصري ، إلى أنها تعتد حيث شاءت ، وأصل هذا المذهب مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس، وجابر بن عبد الله ، وعائشة أم المؤمنين[13].

ولكن ما ذهب إليه الجُمهور من وجوب ملازمة المعتدة لبيت الزوجية هو الأصح ؛ لما ثبت: "أَن فريعة بنت مَالك أُخْت أبي سعيد الْخُدْرِيّ قتل زَوجهَا فَسَأَلت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن ترجع إِلَى أَهلهَا وَقَالَت : إِن زَوجي لم يتركني فِي منزل (يملكهُ) فأَذِنَ لَهَا فِي الرّجُوع قَالَت : فَانْصَرَفت حَتَّى إِذا كنت فِي (الْحُجْرَة) أَو فِي الْمَسْجِد دَعَاني فَقَالَ : امكثي فِي بَيْتك حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله . قَالَت : فاعتددت فِيهِ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا"[14]. وهذا الحديث يعد أصلا في وجوب ملازمة المعتدة لبيت الزوجية خلال فترة عدة الوفاة.

 وللطاهر بن عاشور رأي قوي في المسألة ، حيث يرى أن  وجوب ملازمة المعتدة لبيت الزوجية مأخوذ من القرآن نفسه ، فقال رحمه الله: " والظاهر عندي أن الجمهور أخذوا ذلك (يعنى عدم خروج المعتدة ) من قوله تعالى : "والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج) فإن ذلك الحكم لم يقصد به إلاّ حفظ المعتدة ، فلما نسخ عند الجمهور بهذه الآية ، كان النسخ وارداً على المدة وهي الحول ، لا على بقية الحكم  ..."[15].

يعني أن هذه الآية نصت على عدم خروج المعتدة ، ولما نُسِخت الآية كان النسخ واردا على المدة وحدها ، حيث نُسخ حكم تربص المعتدة حولا كاملا ، بتربصها أربعة أشهر وعشرا ، أما حكم عدم الخروج المنصوص عليها فبقي محكما ، أي غير منسوخ ، ولو كان منسوخا كالمدة لبينته السنة ، بل السنة تثبت بقاءه محكما ، كما تقدم في حديث فريعة بنت مالك.

حكم خروج المعتدة إلى الحج أو العمرة؟
وننتقل إلى بيان حكم خروج المعتدة عدة الوفاة إلى الحج أو العمرة ، وهو مما اختلف فيه الفقهاء أيضا ، فذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ من المالكية والْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ خُرُوجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَفَاةٍ إلَى الْحَجِّ فضلا عن العمرة , وعللوا ذلك بأن الْعِدَّةُ تَفُوتُ والْحَجَّ لا يَفُوتُ [16].  وروى مالك في موطئه: " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَرُدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ مِنْ الْبَيْدَاءِ يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ "[17]، وبهذا قضى عثمان بن عفان ، وبه قال ابن عمر ، وسعيد ابن المسيب، والقاسم بن محمد ، وسفيان الثوري ، وقالك مالك :" تُرد ( المعتدة الخارجة للحج) ما لم تحرم "[18].

وقالت طائفة من أهل العلم : لها أن تحج في عدتها ، وهو قول عطاء، وطاووس ، وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ ، وروي ذلك عن عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَة ، وَقَدْ روي أن عائشة :" أَخْرَجَتْ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ حِينَ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ فِي عُمْرَةٍ، وَكَانَتْ تُفْتِي بِالْخُرُوجِ"[19]. فَأَنْكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ عَلَيْهَا ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: "فَأَخَذَ الْمُتَرَخِّصُونَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ، وَأَخَذَ أَهْلُ الْعَزْمِ وَالْوَرَعِ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ"[20]. وقد حفظنا عن شيخنا أحمد إدريس رحمه الله أنه أفتى بخروج المعتدة عدة الوفاة إلى الحج ، وإنما كان ذلك بعد خروجها في قرعة الحج ودفعها لمصارفه ، والظاهر أنه أستند إلى قول المترخصين ، الآخذين بقول عائشة وابن عباس ، وراعى في ذلك الحرج الناشئ عن دفع تكلفة الحج ، وقد لا تتاح لها الفرصة تارة أخرى ، بعد أن صار الحج خاضعا للقرعة.

والله تعالى أعلى وأعلم


الهوامش والإحالات


[1] الحائل : هي غير الحامل ، وعدة الحامل المتوفي عنها زوجها ( وضع الحمل ) لقوله تعالى : { وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [ الطلاق : 4 ] فالآية هذه قد خصّصت العموم الوارد في قوله تعالى : { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ . . . } وهذا قول جمهور العلماء . وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أن الحامل تعتدّ بأبعد الأجلين ، بمعنى أنها إذا كانت حاملاً فوضعت الحمل ولم تنته مدة العدة ( أربعة أشهر وعشر ) تبقى معتدة حتى تنتهي المدة ، وإذا انتهت المدة ولم تضع الحمل تنتظر حتى وضع الحمل ، فإذا قعدت أبعد الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين ، وإن اعتدت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدة الوفاة ، والجمع أولى من الترجيح .(انظر روائع البيان تفسير آيات الأحكام ، محمد علي الصابوني ، ج1ص364).


[2]انظر: الإشراف على مذاهب العلماء ، لابن المنذر ج 5 ص 341. 
[3]  البقرة 234.
[4] انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ، ج 3 ص 165
[5] انظر: اللباب في علوم الكتاب ، لابن عادل الحنبلي ، ج 4 ص 194
[6] انظر: التحرير والتنوير ، للطاهر بن عاشور ، ج 2 ص 441
[7] انظر: اللباب في علوم الكتاب ، لابن عادل الحنبلي ، ج 4 ص 190
[8] انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لابن رشد الحفيد ، ج 3 ص 141
[9]  رواه مسلم في صحيحه رقم:( 1488). والنسائي في السنن الكبرى رقم :(5734). وابن حبان في صحيحه رقم: (4304). الطبراني في معجمه الكبير رقم: (425) وغيرهم.

[10] صحيح البخاري رقم: (1280) ، صحيح مسلم رقم: (1486)
[11] انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد ، لابن رشد الحفيد ، ج 3 ص 141 ، وانظر : إرْشَادُ السَّالِك إلىَ أَشرَفِ المَسَالِكِ فِي فقهِ الإمَامِ مَالِك ، لشهاب الدين البغدادي المالكي ، ص 72.

[12] الإشراف على مذاهب العلماء ، لابن المنذر ج 5 ص 341.
[13] الإشراف على مذاهب العلماء ، لابن المنذر ج 5 ص 341.
[14] رواه مالك في الموطأ رقم:(1229). والبيهقي في السنن الكبرى رقم:(15275).والطبراني في المعجم الكبيررقم:(1080) . وغيرهم.

[15] انظر: التحرير والتنوير ، للطاهر بن عاشور ، ج 2 ص 448
[16] انظر : الموسوعة الفقهية  ، ج 29 ص 352
[17] الموطأ للإمام مالك حديث رقم :( 1735).
[18] انظر: الإشراف على مذاهب العلماء ، لابن المنذر ج 5 ص 342. والتحرير والتنوير ، للطاهر بن عاشور ، ج 2 ص 448.

[19] انظر: مصنف عبد الرزاق:حديث رقم: (12054). وانظر: الإشراف على مذاهب العلماء ، لابن المنذر ج 5 ص 342.
[20] انظر:  مصنف عبد الرزاق حديث رقم: (12080).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق