......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الأحد، 7 أبريل 2013

وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه



محامد
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد /
مقدمة
أيها الإخوة الكرام : قد كانت لنا في الجمعة الفارطة وقفة مع قوله تعالى : " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " وسنقف اليوم قليلا مع قوله جل ثناؤه : " وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه  هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً" )فاطر: 43(
هذه الآية تتحدث عن سنة جارية لا تتبدل و لا تتغير إلى يوم الدين ، وتقرر قاعدة مطردة ينطبق حكمها على كل ماكر ومخادع في سائر الأزمنة والأمكنة ، وهي أن المكر السيئ لا يحيق - أي لا يحيط - إلا بأهله ، بذلك حكم الله في الأزل            ( والله يحكم لا معقب لحكمه )
تعريف المكر
والمكر في اللغة : يطلق على الاحتيال والخداع ، وقال ابن منظور في لسان العرب : " المكر: احتيال في خُفية.."[1]
والمكر في الاصطلاح الشرعـــي نوعان : مكر حسن ممدوح ، ومكر سيء مذموم :
[أ] فأما المكر الحسن فيشمل أمرين :
أحدهما: المكر الذي وصف الله به نفسه في قوله تعالى : " وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " [الأنفال:30].
ومعناه: أن الله تعالى يجازي الماكرين برسله و أوليائه ، فيقابل مكرهم السيئ بمكره الحسن ، فيكون المكر منهم أقبح شيء ، ومن الله تعالى أحسن شيء ؛ لأنه عدل ومجازاة .
والثاني: المكر بأعداء الله في الحروب ، وهو استعمال الحيل الخفية معهم من أجل إيقاعهم في الهزيمة ، وفي الحديث : " الحرب خدعة "[2] .
[ب] وأما المكر السيئ فهو تدبير المكائد للغير من أجل إيذائهم من حيث لا يشعرون .
المكر السيئ من أكبر الكبائر
والمكر السيئ : صفة قبيحة وذميمة ، لا يتصف بها إلا المنافقون وشرار الخلق ، كما قال تعالى : " إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ " [النساء:142] وقد توعّد الله من اتصف بهذه الصفة  أن يردَّ مكره إليه في الدنيا ، مع ما  يدخره له في الآخرة من العذاب و الحرمان من الجنّة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المكر والخديعة في النار "[3]  وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل الجنّة خِبٌّ ، ولا منّان ، ولا بخيل "[4] والخِبُّ: هو الرجل الماكر الخدّاع . وقال صلى الله عليه وسلم : " لكل غادر لواءٌ يوم القيامة يُعرف به"[5]
عاقبة المكر والخديعة
وقد بينت هذه الآية أن مكر الماكرين وخداع المخادعين  سيحيط بهم لا محالة ،  وسيعود عليهم  حسرة و وبالا ، وخزيا وندامة ، قال محمد بن كعب القرظي: " ثلاث من فعلهن لم ينج حتى يُنزل به : من مكر أو بغي أو نكث ، وتصديقها في كتاب الله تعالى : ( وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) , ( إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ), ( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)"
وهذه قاعدة مطردة في كل ماكر ومخادع إلى يوم القيامة ، والدليل على ذلك أمران :
أحدهما: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؛ وبناء على ذلك فإنه يدخل في هذه الآية كل مكرٍ سيء ، قال الشيخ الطاهر بن عاشور: - مبيناً علة اطراد وثبات هذه القاعدة – "   لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض ، والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض ؛ لأن الإنسان مدني بالطبع ، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضاً تنكر بعضهم لبعض ، وتبادروا الإضرار والإهلاك ؛ ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه ؛ فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم ، والله لا يحب الفساد ، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء "…. [6]
والثاني: أن الله تعالى قال بعد هذه الآية : " فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا " وفي ذلك إشارة إلى أن إحاطة المكر السيئ  بأهله سنة ثابتة وجارية لا تتبدل و لا تتغير إلى يوم الدين .
نماذج من المكر السيئ
 وقد ذكر القرآن المجيد  نماذج عديدة  عن المكر السيئ وعاقبة أهله ، منها :
 1 ـ ما قصه الله علينا عن مكر إخوة يوسف بأخيهم ، إذ رموه في الجب وادعوا أن الذئب قد أكله ، قال تعالى: "وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ" [يوسف: 102] فماذا كانت عاقبة مكرهم  ؟ لقد  عاد مكرهم على غير مرادهم ، وفاز يوسف بالعاقبة الحسنة ، والمآل الحميد ، ولولا أنهم تابوا وندوا لأخذهم العذاب ولهلكوا شر هلاك .
- 2  ومكر المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم واتخذوا جميع الحيل لإيذائه ، وقررا قتله أو سجنه.... لكنه خرج من بينهم سالما غانما  دون أن يصلوا إليه بسوء ،  " وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ " (الأنفال: 30) ومكر به – أيضا - اليهود والمنافقون و الأعراب ،  ولما تزايد عليه المكر سلاه الله بآية عظيمة ، تبعث على الثقة والطمأنينة، والأمل والراحة ، وهي قوله تعالى :  " وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ" (النحل: 127).   
 وهذه التسلية ليست  له وحده صلى الله عليه وسلم ، بل هي لكل داعية يسير على نهجه ممن قد يشعر بكيد الكائدين ومكر الماكرين......فالله حافظه من من كل ماكر وكائد وحاسد... نعم  :قد يقع عليه شيء من الأذى لامتحان صبره ، و قد يبطأ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه ، ولكن العاقبة مظنونة ومعلومة ، وهي : ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون)
 3- و كم مكر فرعون   بموسى والذين  آمنوا به ! ومن جملتهم ذلك الرجل الذي عرف بـ (مؤمن آل فرعون) الذي قصّ الله خبره في سورة غافر ! فماذا كانت عاقبة مكر فرعون وجنوده ؟ تأملوا قوله تعالى: " فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ  النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ "[غافر: 45، 46]  فنجى الله ذلك الرجل المؤمن، وأغرق  فرعون وجنوده ، وهم الآن يعذبون بكرة وعشيا ويوم القيامة سيردون إلى أشد العذاب .
4 - وهذا الإمام البخاري: ـ صاحب الجامع الصحيح ـ تعرض هو الآخر للمكر والخديعة ، وكان كثير من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك! فيقول: " إن كيد الشيطان كان ضعيفا " [النساء 76] ويتلو عليهم قوله تعالى : " وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه" [فاطر: 43]
5 – و يروي أن احد الملوك كان له كثير من الخدم والحاشية، وكان من بين هؤلاء واحد يحبه الملك ويقربه ، ويكثر من إكرامه والثناء عليه أمام الناس ، فحسده أحد الوزراء  و مكر به ، فدبر له مكيدة ، حيث دعاه إلي الغداء ; و قدم له طعاما  و أكثر له فيه من الثوم والبصل ، و قال له إذا ذهبت إلى الملك فلا تنسي أن تضع يدك علي فمك  حتى لا يتأذي الملك من رائحتك ، ثم سبقه  إلي الملك وقال له  أن ذلك الرجل الصالح الذي تقربه إليك يقول عنك أن رائحتك  نتنة ،  فغضب الملك وأمر الحرس أن يؤتوا  بذلك الرجل ، ولما دخل الرجل على الملك وضع يده على فمه كما أوصاه من مكر به، فقال له الملك اقترب مني ،  فرفض الرجل أن يقترب مخافة أن يتأذى الملك من رائحة الثوم والبصل  ، وهنا  ظن الملك أن الرجل قد عافه  واعتقد أن كلام الوزير الماكر صحيحا ، فأعطى الرجل ورقة مطوية فيها أمر بقتله  ،  وقال له اذهب بها  إلي كبير الخدم وسوف يعطك هدية ، فذهب المسكين وهو لا يدري ما سوف يفعل به، فقابله الوزير الماكر وقال له : ماذا فعل بك الملك ؟ قال الرجل: لقد أعطاني هدية وانأ ذاهب إلي كبير الخدم حتى يعطيني إياها ، فاغتاظ الوزير و لكنه كظم غيظه ، و طلب من الرجل أن يهب له هذه المكافأة لأنه في حاجة إليها ، فوافق الرجل وأعطاه الورقة .
 فكانت النتيجة : أن قتل الوزير الماكر و نجا ذلك  الرجل الصالح ، و فهم الرجل ما فعله الوزير به وقص على الملك قصته ، فتعجب الملك ، وقال : ( و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ) .
وصدق من قال : ومن يحتفر بئراً ليوقع غيره...سيوقع يوماً في الذي هو حافر
الخاتمة
أيها الإخوة من خلال ما سبق بيانه يمننا أن نستخلص جملة من النتائج ، أهمها :
1- أن المكر صفة قبيحة ذميمة إذا صدرت من البشر ،  وأما إن كان من الله فهو العدل والمجازاة .
2- أن المكر السيئ لا يعود و باله إلا على الماكر نفسه.
3-  أن الغدر والكيد والخداع والاحتيال شقائق المكر، وتجمعهم غاية واحدة وهي إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر.
4-  أن الماكر ملاحق من قبل الله في الدنيا بالتعقّب ورد مكره إليه ، وفي الآخرة متوعّدٌ بالنار .
وأخيرا نقول كما علمنا الله في كتابه ( و أفوضي أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) فاللهم إليك فوضنا أمورنا ، فأنت حسبنا ونعم الوكيل ، عليك توكلنا وبك نستعين ، فاجعل اللهم كيد من يريده في نحره يصلى به وريده ، و أمنا اللهم في أوطاننا ، و و فق و لاة أمرنا إلى ما تحبه وترضاه ،  واغفر اللهم لنا ولوالدينا ولمشايخنا وأولي الفضل علينا ، ولكل مسلم ومسلمة ، واجعل خير أعمارنا آخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك ، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



[1] لسان العرب [5/ 183]
[2] أخرجه البخاري رقم : 3029
[3] [صححه الألباني في صحيح الجامع (1057)].
[4] [رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب وحسنه المنذري]
[5] [رواه البخاري].
[6] التحرير والتنوير. 22 / 335

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق