......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الجمعة، 10 يونيو 2016

مبطلات الصيام والأحكام المتعلقة بالكفارة

مبطلات الصيام والأحكام المتعلقة بالكفارة 

أولا : مبطلات الصيام 

مبطلات الصيام التي توجب القضاء دون الكفارة كثيرة ، يمكن ان نجملها في سبعة أمور:

1 - الجماع أو الأكل أو الشرب سهوا.

-  أما الجماع سهوا فمتفق عليه ، فهو مفسد للصوم موجب للقضاء سواء كان فيه إنزال أم لا.
-  وأما الأكل والشرب سهوا ففيهما القضاء عند علمائنا المالكية خلافا للشافعية الذين قالوا بأنه لا قضاء فيهما عملا بحديث:"إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه"(رواه البخاري رقم 1933). أما المالكية فحملوا هذا الحديث على أمرين:

الأول : رفع المآخذة الأخروية ، أي أنه لا إثم عليه.
والثاني : إنما هو في صوم النافلة دون الفريضة.

ومذهب مالك ارجح ؛ لأن فيه احتياطا للعبادة ، وسدا للذريعة ؛ فلو قلنا بعدم وجوب القضاء على من افطر سهوا لتهاون الناس في الاحتياط لصومهم من المفسدات..
كما أنه - مذهب مالك - جارٍ على القياس على أصول الشريعة كمن ترك صلاة نسيانا فيلزمها قضاؤها متى ذكرها ،  وكذلك الصيام.

2    من أفطر جاهلا بحرمة شهر رمضان أو مخطئا في التقدير.

 كمن افطر جاهلا بحرمة الأكل في رمضان ؛ كأن يكون حديث عهد بالإسلام.. فعليه القضاء دون الكفارة ؛ لانه غير منتهك لحرمة الشهر. وكذلك من أفطر مخطئا في التقدير ، كمن ظن بقاء الليل فأكل أو شرب.. ومثله من سمع الآذان الثاني وهو يأكل أو يشرب ... فإن ابتلع شيئا غلبة أو سهوا بعد سماعه للآذان فقد بطل صومه ولزمه القضاء ، وإن لفظ ما في فمه فلا قضاء عليه. أما الأذان الأول فلا يجب فيه الإمساك فله أن يأكل ويشرب بعده.

3- من أفطر لعذر مبيح أوموجب للفطر :

-  كالمريض الذي يُرجى شفاؤه ، والمسافر سفرا يباح فيه الفطر ، وهو ما كانت مسافته (84كلم تقريبا) ، فيباح لهما الفطر ويجب عليهما القضاء لقوله تعالى:"فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر".
-  وكذالك الحائض والنفساء يجب عليهما الفطر والقضاء.
 - وأيضا الحامل والمرضع يباح لهماالفطر ، سواء كان الفطر بسبب الخوف على النفس ، أو بسبب الخوف على الجنين والرضيع ، ويجب عليهما القضاء ، ولكن هل يطعمان أم لا ؛ قيل : أنهما يطعما إن أفطرتا خوفا على الجنين أو الرضيع ، لا على النفس ، والصحيح أنه لا إطعام عليهما ، وهو ما كان يفتي به الشيخ أحمد إدريس رحمه الله ، ويقول بأنه لا دليل على الإطعام.

4- من أفطر غلبة أي من غير اختيار منه.
كمن وصل شيء مائع(سائل) إلى حلقه ، كأن يتمضمض أو يشتنشق فيسبقه الماء إلى حلقه ... أو كمن وصل شئ إلى جوفه غلبة سواء كان مائعا أو جامدا  ...ففي كل ذلك عليه القضاء فقط.   

5- من غلبه القيء.

فإن ابتلع منه شيئا غلبة أو سهوا فعليه القضاء ، وإن لم يبتلع من شيئا فلا قضاء عليه وصومه صحيح.أما من تعمد القيء فعليه القضاء ولو لم يبتلع منه شيئا ، فإن ابتلع من شيئا غلبة أو سهوا فعليه القضاء ايضا ، وأما إن ابتلع منه شيئا عامدا مختارا فعليه القضاء والكفارة كما سيأتي.

6- خروج المذي.
 إذا كان بسبب مقدمات الجماع ، من مدامة النظر إلى محاسن المرأة ، أو قبلة ، أو مداعبة ، أو تفكر في أمور الجماع..

7- خروج المني إذا كان بسبب النظر والتفكر من غير مداومة عليهما.
 فالمعتمد في المذهب أن فيهما القضاء دون الكفارة ، وقال بعضهم بل فيهما القضاء والكفارة . والله اعلم.

ثانيا : الكفارة وأحكامها:

أولا : تعريف الكفارة

المراد بالكفارة أن يكفر المنتهك لحرمة رمضان عن ذنبه ، ويحصل التكفير عن الذنب بفعل أحد خصال الكفارة التي سيأتي بيانها.

ثانيا: حكم الكفارة
الكفارة واجبة على من انتهك حرمة الشهر الفضيل ، كمن جامع أو اكل أوشرب عامدا مختارا في نهار رمضان.
ودليل وجوبها : ما روي عن الرجل الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : " هلكت يا رسول الله ، فقال له النبي وما أهلكك ؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان .. فخيره النبي صلى الله عليه وسلم بين صيام شهرين متتابعين أو عتق رقبة مؤمنة أو إطعام ستين مسكينا " أخرجه البخاري

فعلة إيجاب الكفارة - عند علمائنا المالكية - هي انتهاك حرمة الشهر
سواء كان الانتهاك بجماع او أكل أو شرب أو غير ذلك ..وهذا خلاف لجمهور الفقهاء الذين يرون ألا كفارة إلا في الجماع خاصة ، ولكل حجته ودليله.

ثالثا: شروط وجوب الكفارة

لا تجب الكفارة إلا بثلاثة شروط وهي:
1)    التعمد: فلا كفارة على من جامع أو أكل أو شرب ناسيا أو مخطئا في التقدير ، كمن أفطر ظانا بقاء الليل.
2)    الاختيار: فلا كفارة على من أفطر مكرها من غير اختيار منه.
3)  الانتهاك لحرمة رمضان: فلا كفارة على من افطر لعذر مبيح للفطر كالمرض والسفر ... ولا كفارة على من افطر عامدا في غير رمضان ، كمن افطر عامدا في صيام النذر ، أو صيام قضاء رمضان..

رابعا: حالات انتهاك حرمة رمضان.

1-    الجماع عمدا. سواء أنزل أم لم ينزل.
2-    إخراج المني، باستمناء ، أو مباشرة ، أو استمرار في التفكر والنظر.
3-    إيصال شيء إلى المعدة عن طريق الفم عمدا ، سواء كان سائلا أو جامدا..
4-    التقيء عمدا وابتلاع شيء منه اختيارا من غير غلبة.
5-    التأويل البعيد. وهو ما استند فيه المفطر إلى أمر موهوم غير محقق.

 ومن صور التأويل البعيد:

-  من عزم على السفر فافطر ثم لم يسافر.
-  من اغتاب فظن ان الغيبة مبطلة للصوم فأفطر.
-  من ظن أن مرضا سيصيبه فافطر قبل أن يمرض.
-  من ظنت ان الحيض سيأتيها فأفطرت قبل مجيء الحيض.
-  إذا ثبت الشهر يوم الشك فاستمر في الفطر ولم يمسك بقية يومه.
-  من شاهد هلال رمضان فرد الحاكم شهادته فظن اباحة الفطر فافطر.

ففي كل هذه الحالات يجب عليه القضاء والكفارة معا.

اما من افطر متأولا تأويلا قريبا فعليه القضاء دون الكفارة ، ومن صور التأويل القريب:

- من افطر ناسيا فظن انه لا يجب عليه الإمساك فاستمر في الفطر.
-  من سافر دون مسافة القصر فظن إباحة الفطر فأفطر.
-  من قدم من السفر قبل الفجر فظن اباحة الفطر صبيحة تلك الليل فأفطر.

ففي هذه الصور عليه القضاء فقط ، ولا كفارة عليه
.

خامسا: أنواع الكفارة

الكفارة ثلاثة انواع وهي على التخيير، فليتخير المكفر منها ما يناسبه.

1) إطعام ستين مسكينا ، وهو افضل الأنواع الثلاثة ؛ لعموم منفعته ، ومقداره مد لكل مسكين ،  وتجزئ قيمته المالية وهو ما اختاره فقهاء البلدة ، وتقدر القيمة حسب سعر الدقيق(السميد) في بلادنا باعتباره القوت الغالب لأهل البلدة ، وتقدر قيمة المد الواحد پـــــــ 25 دينار جزائري. 
2)     صيام شهرين متتابعين.
3)    عتق رقبة مؤمنة.

سادسا : بعض المسائل المتعلقة بالكفارة

المسألة الأولى
صوم الكفارة لا يُحسب بالأيام ، وإنما يحسب بالأشهر القمرية ، والشهر قد يكون فيه 29 أو 30 يوما ، وعليه قبل أن يشرع في الصيام إن يتجنب صيام الشهر الذي فيه أيام يحرم صومها ، كعيد الاضحى ...فإن شرع في الصيام ثم طرأ عليه عذر من مرض أو سفر ..فأفطر ، فإنه يبني على ما تقدم وصيامه صحيح ، وكذلك لو أفطرت المرأة في أيام العادة فإنها تبني على ما تقدم ، وكذلك من أفطر ناسيا فإنه يمسك ويتم صيامه ويقضي ذلك اليوم .أما إذا أفطر لغير عذر بطل صيامه كله وابتداه من جديد ؛ لأن التتابع شرط في صيام الكفارة.

المسألة الثانية
هل يصح في الكفارة دفع قيمة اطعام 60 مسكينا الى مسكين واحد ؟

الجواب: في المسألة قولان:


القول الأول: لا يصح ذلك عند المالكية والشافعية والحنابلة ، بل لابد من إطعام 60 مسكينا كما في نص الحديث.

والقول الثاني : قال الحنفية يصح إخراج الكفارة لمسكين واحد، ولكن لا يجوز أن تدفع له دفعة واحدة ، بل لابد من إطعامه إياها في ستين يوماً ؛ لأن تجدد الحاجة كل يوم يجعله كمسكين آخر فكأنه صرف القيمة لستين مسكيناً.

المسألة الثالثة
هل تجب الكفارة على المرأة إذا جامعها زوجها في نهار رمضان ؟

الجواب:

مذهب جمهور العلماء - منهم - المالكية - إذا طاوعت المراة زوجها على الجماع فعليها القضاء والكفارة ، أما إذا أكرهها على الجماع أو كانت ناسية أو جاهلة فعليها القضاء فقط.
وذهب الشافعية - في المعتمد - إلى انه لا كفارة عليها مطلقا.

والله اعلم.



الجمعة، 3 يونيو 2016

الوسائل الحسان للظفر بفضائل رمضان



تمهيد
الحمد لله حق حمده ، والحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى اله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد/ فعنوان هذه المداخلة هو : ((الوسائل الحسان للظفر بفضائل رمضان)) وقبل الشروع في بيان تلك الوسائل ، لا بد من التذكير بفضائل رمضان التي يسعى كل مسلم للظفر والفوز بها :
فرمضان هو سيّد الشهور، منّ الله به على هذه الأمة ، نهارُه صيام وليله قيام، وفيه العشر الأواخِر و هي أفضلُ اللّيالي، وفيه ليلة القدرِ العبادةُ فيها أفضلُ من عبادةِ ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. وهو شهرٌ يضاعَف فيه ثواب الطاعات، وتكفَّر فيه السيّئات، وترفَع فيه الدرجات، لله فيه نفحات، من تعرّض لها لم يرجِع خائبًا محرومًا، ومن طلبَها نالها، ومن أعرض عنها خسِر نوالها. وشهرُ رمضان صيامُه وقيامه سببًا لمغفرة الذّنوب ورفعِ الشّدائد و دفع الكروب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((من صَام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدّم من ذنبه)) رواه البخاري و عند أحمد: ((وما تأخّر))  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم ((من قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدّم من ذنبه)) رواه البخاري ومسلم،  وعن عبادةَ بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدّم من ذنبِه وما تأخّر)) رواه أحمد والطبراني
وفضائلُ شهر الصّوم كثيرة أكثر من أن تحصى ، وحسبه في الفضلِ أنّ الله تعالى أنزل فيه القرآنَ العظيم ، وجعله زمنًا للصّوم الذي هو سرٌّ بين العبد وبين ربِّه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قال الله تعالى: كلّ عمل ابنِ آدم يضاعَف، الحسنةُ بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضِعف، قال الله تعالى: إلاّ الصوم، فإنّه لي، وأنا أجزي به، يدَع شهوتَه وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطرِه، وفرحة عند لقاءِ ربّه، ولَخلوف فم الصائم أطيبُ عند الله مِن ريح المسك)) رواه البخاري ومسلم
ولأجل ألا نحرم من هذه الفضائل وغيرها ، ينبغي أن نجتهد في تطبيق  الوسائل الآتية :
الوسيلة الأولى: الاجتهاد في إزالة القسوة من القلوب قبل حلول رمضان.
أيها الإخوة : القَلْبُ هو ملك أَعْضَاءِ الإِنْسَانِ ، فإذا استقام القلب استقامت الجوارح وصلحت الأعمال  ، وإذا زاغ انحرفت  الجوارح وفسدت الأعمال ، وَللقُلُوبِ حَيَاةٌ كَحَيَاةِ الَأجسَادِ  بَلْ أَعْظَمُ ...َو لَهَا أَمْرَاضٌ كَأَمْرَاضِ الَأجسَادِ بَلْ أخطر... وَعَلَى قَدْرِ حَيَاةِ القَلْبِ تَكُونُ حَيَاةُ الجَسَدِ وَالرُّوحِ وصحتهما ، وَبِقَدْرِ فَسَادِ القَلْوب يكون َفَسَادُ الرُّوحِ وَالأَعْمَالِ معا.
وَأَعظم أَمْرَاضِ القُلُوبِ وَأَشدها خطرا : مَرَضُ القَسْوَةِ ، وصاحب القلب القاسي موعود بالويل ، وهو : الهلاك ، قال تعالى : " أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ " [الزمر: 22]. قَالَ مَالِكُ بنُ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللهُ: "مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بعُقُوبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ قَسْوَةِ قَلْبٍ، ومَا غَضِبَ اللهُ عَلَى قَوْمٍ إِلاَّ نَزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوبِهِم".
ومشكلتنا اليوم – أيها الإخوة - أننا نعاني من هذا المرض الخطير ، وواقعنا خير شاهد على ذلك :
1- نحن نقرأ القرآن ويقرأ علينا القرآن فلا نخشع و لا نتأثر ! وأين نحن من قوله تعالى : " اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ " [الزمر: 23]. قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: "هَذَا نَعْتُ أَوْلِيَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، بأَنَّهُم تَقْشَعِرُّ جُلُودُهُم ، وَتَبْكِي أَعْيُنُهُم ، وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم إِلَى ذِكْرِ اللهِ...." ولقد كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يبكي عند تلاوته للقرآن ، وقرأ عليه ابن مسعود مرة ففاضت عيناه ، وكذلك كان أصحابه ، فأي الفريقين أحق بالبكاء هم أم نحن ؟؟؟؟؟؟؟
2- في كل يوم ندفن موتانا ، ومع ذلك لا نتعظ و لا نتأثر ، وكأننا لسنا معنيين بهذا المصير !  وقد ثبت عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم انه بكى عند قبر سعد بن معاذ حتى ابتلت لحيته ....
وإذا لم تلن قلوبنا عند سماع القرآن ، وعند دفن موتانا ، فمتى ستلين هذه القلوب التي صارت كالحجارة أو أشد قسوة ؟؟؟؟؟
أقول لكم بصراحة - والكلام موجه لنفسي قبل أن يوجه إليكم - : أنه لن ينفعنا أي عمل في رمضان ما دامت قلوبنا على هذا الحال؛ ولأجل ذلك جعلت هذه الوسيلة أولى الوسائل للظفر والفوز بما في رمضان من الفضائل .
فلنشرع من الآن في معالجة مرض القسوة ، فبماذا نعالج هذه القسوة ؟
1-   الرحمة والإحسان . قال صلى الله عليه وسلم: "إِنْ أَرَدْتَ يلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِم الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ" (رواه أحمدُ) انظروا كم عندكم من الأرامل والأيتام والمساكين ، فهل وضعتم ضمن برنامجكم في هذا الشهر الفضيل أن تخصصوا جزءا من أموالكم لمساعدة هؤلاء ؟؟ رمضان شهر الرحمة ، وكبف يرحمكم الرحمن وأنتم لم ترحموا عباده ؟! وأنتم تعلمون أن الجزاء من جنس العمل.
2- الإكثار من تلاوة القرآن مع التدبر . قال الله تعالى : "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا "[الأنفال: 2]. فِكتاب اللهِ هو خَيرُ مَا تَرِقُّ بِهِ الأَفْئِدَةُ وتَخْشَعُ لَهُ القُلُوبُ.
3- الإكثار من ذكر الله . "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " [الرعد: 28]
4- عدم الإكثار من الكلام. " لاَ تُكْثِرُوا الْكَلاَمَ بِغَيرِ ذِكْرِ اللهِ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلاَمِ بِغَيرِ ذِكْرِ اللهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي" رواه الترمذيُّ ومالكٌ.
5- ذكر الموت. وهذا من أعظم الأسباب المزيلة للقسوة من القلوب ، جاء في الحديث : "إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل وما جلاؤها يا رسول الله ؟ قال : تلاوة القرآن وذكر الموت " أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب من حَدِيث ابْن عمر بِسَنَد ضَعِيف.
 6-وقيام الليل. قال الحسن : " التمسوا حلاوة الإيمان عند ثلاث : تلاوة القرآن وذكر الموت وقيام الليل ، فإن لم تجدوها فاعلموا أن الباب مغلق " كما قال ابن عطاء : ربما فتح لك باب العمل وسد عليك باب القبول .
7-  الإكثار من الدعاء . فإن القلوب بيد الرحمن يقلبها كيف ما يشاء ؛ وَلِهذَا كَانَ مِنْ أَ دُعَائه صلى الله عليه وسلم: " يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ" (رواه الترمذيُّ وحسَّنه وأحمدُ)
الوسيلة الثانية : الحرص على سلامة الصدر
قال ابن القيم رحمه الله : " القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح ، والكبر وحب الدنيا والرئاسة ، فسلم من كل آفة تبعده عن الله، وسلم من كل شبهة تعارض خيره ، ومن كل شهوة تعارض أمره ................ " فهذه آفات خطيرة من أعظم مفاسدها أنها تحرم صاحبها من الظفر بالمغفرة ، فقد جاء  في الحديث " تفتح أَبْوَاب الْجنَّة يَوْم الاثنين وَيَوْم الْخَمِيس، فَيغْفر لكل عبدٍ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا إِلَّا رجل كَانَت بَينه وَبَين أَخِيه شَحْنَاء، فَيُقَال انْظُرُوا هذَيْن حَتَّى يصطلحا، أنظروا هذَيْن حَتَّى يصطلحا " رواه مسلم.
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على سلامة قلبه فكان يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: ((...وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا وَلِسَانًا صَادِقًا...)) [النسائي:1287 عن شداد بن أوس].
وكان يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ابن مسعود: ((لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ)) [أبو داود، الأدب: 4218].
فسلامة الصدر من أنواع الشحناء كلِّها من أفضلِ الوسائل التي ينبغي أن نستعد بها لاستقبال هذا الشهر الفضيل ، وقد سئل صلى الله عليه وسلم أي الناس أفضل؟ فقال: " كل مخموم القلب صدوق اللسان" ، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقيّ الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد"روى ابن ماجه.
فافتحوا – أيها الإخوة - صفحة جيدة للتصافي والتسامح في مقتبل هذا الشهر ، واعلموا أن الجنة التي تناضلون من أجلها ، إنما أعدها لذوي الصدور السليمة والقلوب الطاهرة النقية ، ((سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ))  (آل عمران134 )
الوسيلة الثالثة : مضاعفة الجهد لشحن الموازين بالحسنات في رمضان
نجاتنا يوم القيامة متوقفة على ثقل موازيننا بالحسنات ،  نحن كلنا نرتكب السيئات ، لكن الشارع الحكيم المعهود من تصرفاته انه يقيم أحكامه على الغالب الأعم ، فمن غلبت حسناته سيئاته فقد نجا ، قال تعالى :" وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ " (الأعراف 9) وشهر رمضان فرصة ثمينة لشحن موازيننا بالحسنات ؛ لأنه شهر تضاعف فيه الأعمال ،  فلنكثر فيه من قراءة القرآن ، وقيام الليل ، والصدقات ، وبر الوالدين ، والإحسان إلى الخلق ...............................
فبإمكان أحدنا أن وفقه الله أن يخرج من رمضان بملايين الحسنات ، وإذا وفقك الله لذلك فحافظ على حسناتك ، فإن الله تعالى يقول : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " (الأنعام160) ووجه الاستدلال من هذه الآية : أن الباري قال من جاء بالحسنة ولم يقل من عمل حسنة ؛ لأن هناك من يعمل الحسنة ولكن لا يجيء بها يوم القيامة ، فهو قد ضيعها بالمن أو إذاية الناس ، ولذلك كانت المحافظة على الحسنة بعد عملها أصعب من عملها ابتداء.
الوسيلة الرابعة: العمل على التخلص من العادات السيئة في رمضان
فعلى المسلم أن يعقد العزم من الآن على التخلص من كل عادة سيئة ألفها في حياته ، كآفة الإدمان على التدخين ، وآفة سهر الليل كله ونوم النهار، والتي توجد عند كثير من الشباب إلا مَنْ رحم الله ؟ وآفة كثرة الجلوس في المقاهي ، وآفة الاستماع إلى الأغاني ، وآفة الإكثار من الأكل ، وآفة فضول الكلام ، ومن أعظم الآفات هجران القرآن الكريم .....فالفرصة متاحة أمامك أخي المسلم للتخلص من تلك الآفات وغيرها ، والتي تعتبر كلها مضيعة للعمر فيما لا يرضي الله تعالى ، و لاشك أننا سنسأل يوم القيامة عن أعمارنا فيما أفنيناها .
الوسيلة الخامسة: اجتناب ما يفوت الحكمة من الصيام
فالله تعالى شرع صيام شهر رمضان تزكية للنفوس، وتحقيقاً للتقوى، وتنقية للنفس من الأخلاق الرديئة قال تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (البقرة: 183 )
فقوله تعالى : {لعلكم تتقون}؛ " لعل" للتعليل؛ ففيها بيان الحكمة من فرض الصوم؛ أي تتقون الله؛ هذه هي الحكمة الشرعية التعبدية للصوم؛ وما جاء سوى ذلك من مصالح بدنية، أو مصالح اجتماعية، فإنها تبع لهذه الحكمة ، وإذا لم نرتق إلى هذه الدرجة في رمضان فلن نبلغها في غيره أبدا ،  ولهذا لا بد من الاحتراز الشديد مما من شأنه أن يفوت علينا هذه الحكمة ، كتغليب الجوانب المادية على الجوانب الروحية ، و كالإمساك عن المأكولات الطيبة والإفطار عن المحرمات ، من غيبة ونميمة ، ونظر إلى الأفلام والمسلسلات الخليعة ....فكل هذا يفوت علينا الحكمة من الصيام ، وفي الحديث :" " من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لله حاجةٌ فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه " رواه البُخاري 1903
الخاتمة
فاستعدوا يا إخواني لاستقبال رمضان بطاعة الرحمان وهجر العصيان
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعــبان
لقد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تصيره أيضاً شهر عصــــــــــــــــــــــيان
واتل القرآن وسبح فيه مجتهداً فإنه شهر تسبيح وقــــــــــــــــــــــــــــــرآن
واحمل على جسدٍ ترجو النجاة له فسوف تضرم أجساد بنـــــــــــــيران
كم كنت تعرف ممن صام في سلفٍ من بين أهل وجيران وإخــواني
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حياً فما أقرب القاصي من الـــــداني
************************************************
غدًا توفى النفوس ما عملت ... ... ويحصد الزارعون ما زرعــوا
إن أحسنوا  أحسنوا ا لأنفسهــم ... ... وإن أساءوا فبئسما صنعــــوا
أسأل الله تعالى أن يرزقنا الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال ، وأن ويفقنا في هذا الشهر للتزود بصالح الأعمال ، وأن يتقبله منا بمحض فضله ومنته وكرمه ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

السبت، 28 مايو 2016

دلالات مؤتمر سقيفة بني ساعدة

مقدمة:

إن في سيرة الصحابة الكرام لدروسا وعبرا لأولي الألباب والبصائر، فهم كالشمس التي يهتدي الناس بنورها في ظلمات البر والبحر؛ بحيث يجد كل ناشد للكمال في سيرهم ما يقر عينه ، ويريح ضميره ، ويشرح صدره ، وينير السبيل أمامه ، إلا أن ذلك قد تعذر على من حبسوا أنفسهم في سجون الهوى والدنايا ؛ حتى عميت قلوبهم وانطمست بصائرهم ، فبدل أن يلتمسوا أشعة مضيئة من نور أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم راحوا يؤذونهم ويسيئون إليهم ، ولا عجب:

فقد تنكر العينُ ضوءَ الشمس من رمد ***وينكرُ الفمُ طعمَ الماءِ من ســـقمِ

ومما طالته ألسنة الدجالين وأقلام المستحمرين بالسوء اجتماع الصحابة في سقيفة بني ساعدة لمناقشة أمر الخلافة ، وبعد قراءة متأنية لمجريات هذا المؤتمر التاريخي ، خرجت بجملة من النتائج الهامة ، فيما يلي بيان بعضها بإيجاز:

أولا: خلاصة المؤتمر.

بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع الصحابة رضي الله عنهم في سقيفة بني ساعدة ؛ لمناقشة أمر الخلافة قبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم ، ودار بينهم حوار رفيع المستوى لم يشهد التاريخ أرقى منه ، وطرحوا فيه عدة مقترحات معللة بالسوابق الحسنة في الإسلام وأخرى بالنظر الى مستقبله ومصالحه العليا ، ثم اتفقت كلمتهم بعده على تنصيب أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه خليفة للمسلمين.

ثانيا: دلالات المؤتمر.

يؤخذ من مؤتمر السقيفة عدة دلالات هامة ، منها:
1-   بقاء الأمة دون حاكم يسوس شؤونها ، ويرعى مصالحها ، أمر في غاية الخطورة ؛ فهو ذريعة للفساد والفتن والفوضى والاضطراب ...
لأجل ذلك سارع الصحابة - وهم افقه الناس - إلى تنصيب حاكمهم قبل دفن نبيهم صلى الله عليه وسلم ، إلا ان هذه الحقيقة والتي تليها عميت عنها أبصار الكتاب المستحمرين الذين مدوا ظهورهم ليمتطيها كل دجال أثيم ؛ فراحوا يتقئيون ما حوت أوعيتهم من رجس نتن...كقولهم أن الصحابة لم يكترثوا لموت نبيهم ؛ فتركوه مسجى وهرعوا إلى السقيفة للتهارش على كرسي الحكم ..!!

2-  أن الحزن وصدمات المصائب العظيمة لا ينبغي أن تشغل المسلمين عن القيام بجلائل المهمات ، خاصة تلك التي تتعلق بالامور المصيرية للأمة كأمر الخلافة ، ولهذا نجد الصحابة من الأنصار والمهاجرين على الرغم من فاجعتهم بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى الرغم مما يكنون له من المحبة التي تفوق التصور ... ألا أن ذلك كله لم يثنهم عن المبادرة إلى تنصيب خليفة للمسلمين ، لأن الأمة دون خليفة يرعى مصالحها موقوفة على الخطر ، وبهذا يكون الصحابة قد ضربوا اروع الأمثلة في تطبيق ما تعلموه من نبيهم صلى الله عليه وسلم :" إنما الصبر عند الصدمة الأولى"[رواه البخاري ومسلم]، ولا صدمة أعظم من فقد النبي صلى الله عليه وسلم ،ومع ذلك فقد ملك الصحابة انفسهم وبادروا إلى القيام بما تمليه عليهم حقائق هذا الدين ، فلله ما أروعه من موقف يقفه الصحابة الكرام ! وما احوج الأمة إلى أن تقتفي آثارهم لا سيما في هذه المرحلة الصعبة التي توالت فيها الصدمات من كل جانب.

3-  يدل فعلهم هذا على عدم التنصيص بالخلافة ، لا لأبي بكر ولا لعلي ولا لغيرهما .... فلو كان هناك تنصيص بالخلافة لما طرحت القضية للحوار والمناقشة ، فمن المسلم به أن الصحابة الكرام لا يناقشون أمرا منصوصا عليه ، وهم اعلم الناس بقوله تعالى:"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم"[الاحزاب36] ، وفي غزوة بدر قال الحباب بن المنذر - وهو احد أعضاء مؤتمر السقيفة - :"يا رسول الله أهذا منزل أنزلكه الله ؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة....؟" [السيرة النبوية لابن كثير402/2]

يعني أنه إذا كان الأمر من قبيل الوحي فلا مجال لمناقشته ، وكذلك الشأن هاهنا ، فلو كانت الخلافة منصوصا عليها لما طرح امرها للمناقشة أصلا ، أما استدلالهم بتقديم ابي بكر للصلاة ونحوه ... فهي مجرد قرائن استندوا إليها في ترجيح أحقية أبي بكر بالخلافة ، من هنا يتبين لك أن ما يذكره الشيعة من قضية التنصيص بالخلافة لعلي إنما هي أوهام مبناها على التأويل الخاطئ أو الكذب المختلق المصنوع.

4-  أن التنصيص بالخلافة لعلي رضي الله عنه كما يقول الشيعة يتعارض مع ما هو مقرر في الشريعة الاسلامية من مبدأ الشورى في اختيار الحاكم ، (وأمرهم شورى بينهم)[الشورى38] ، وعلي بن ابي طالب هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة عليها السلام ، ولو أوصى له النبي بالخلافة لكان ذلك توريثا عائليا للحكم في الاسلام ، وتعالى دين الله عن ذلك علوا كبيرا ، ولهذا لم يوص صلى الله عليه وسلم بالخلافة لا لعلي ولغيره ، وقد كان پإمكانه أن يوصي - لو أراد - فقد خرج اثناء مرضه وخطب في الناس، ومما قال لهم :
"عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده" ، فبكى أبو بكر رضي الله عنه - إذ علم ما يقصده النبي صلّى الله عليه وسلم - وناداه قائلا: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فقال صلّى الله عليه وسلم:"على رسلك يا أبا بكر، أيها الناس إن أمن الناس عليّ في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام. لا تبقينّ في المسجد خوخة إلا خوخه أبي بكر "[متفق عليه واللفظ لمسلم].

فما الذي منعه صلى الله عليه وسلم أن يوصي بالخلافة لعلي كما زعمت الشيعة ؟ بل هو قد ذكر في خطبته أبا بكر الصديق ، ومع ذلك لم يقل اهل السنة أنه أوصى له بالخلافة.

5-   وفي هذا المؤتمر تجلت حكمة الشيخين أبي بكر وعمر وحنكتهما السياسية وحرصهما على مستقبل الإسلام ، فما هو إلا أن بلغهما أمر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة حتى سارعا إلى عين المكان؛ لاستدراك الوضع قبل أن تتفلت الأمور وتخرج عن نطاق السيطرة، وقد لفت أبوبكر أنظار الأنصار إلى قضية هامة ، مبناها على فقه الواقع والنظر إلى أصل اعتبار المآل ، لخصها بقوله:"أن العرب لا تدين إلا إلى هذا الحي من قريش". يعني أنه لو أسند أمر الخلافة إلى رجل من الأنصار لربما آل ذلك الى تمزق الأمة الأسلامية بخروج بعض القبائل العربية عن الطاعة؛ بناء على أن العرب ألفت السيادة العربية في قبيلة قريش، وهذه نظرة سياسية ثاقبة وحجة شرعية دامغة جعلت الأنصار - وهم أفقه الناس - يتهافتون بعد سماعها على مبايعة أبي بكر حتى كادوا ان يطئوا سعد بن عبادة بأقدامهم ، وهم الذين جاؤوا به لينصبوا خليفة للمسلمين ، ولكن لما استبان لهم الحق في حجة أبي بكر أقبلوا عليه مذعنين ، فلله ما اعظم اصحاب رسول الله صلى عليه وسلم ! وما أحوج الأمة إلى إن تقتفي آثاراهم الطيبة !

6-  لقد كان انتخاب أبي بكر خليفة للمسلمين بتوفيق من الله تبارك وتعالى، فقد حدثت فتنة عظيمة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، حيث ارتدت قبائل عربية عن الاسلام ، فمنهم من ادعى النبوة ومنهم من منع إيتاء الزكاة ، ولقد كان أبو بكر الصديق الرجل المناسب لهذه المرحلة الصعبة ؛ إذ تحرك فورا للقضاء على هذه الردة في جزيرةالعرب ، وإخضاع سائر القبائل العربية لحكم الإسلام.

ولو تولى الخلافة غيره في هذه المرحلة لأدى ذلك إلى مآلات غير محمودة ، فقد لقي أمر محاربة المرتدين معارضة من بعض الصحابة ، كعمر بن الخطاب ، فكان رد الصديق حازما فقال رضي الله عنه :"وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ... وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ الله لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ .. "[رواه البخاري]. ثم انشرحت صدور المسلمين لما انشرح له صدر أبي بكر ، واجتمعت كلمتهم على ضرورة استئصال الردة ، التي لو تركت - كما رأى عمر - لهوت بأمة الاسلام في مكين سحيق ، فلله ما أعظمك وما أروعك يا سيدي يا ابابكر!! ولله الحمد والمنة الذي وفق المسلمين لاختيارك خليفة لهم.

7-   الدلالة السابعة والأخيرة هي محبة علي لأبي بكر وحرصه على سلامته وقناعته التامة بخلافته ، هذه الحقيقة يترجمها لنا موقف علي حينما أراد أبوبكر أن يخرج لقتال المرتدين بنفسه أمسك علي بزمام راحلته وقال له :"يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال رسول الله يوم أحد: لمّ سيفك وأمتعنا بنفسك، فو الله لئن نكب المسلمون بك لن تقوم لهم قائمة من بعدك"[رواه ابن كثير في البداية والنهاية من حديث عبد الله بن عمر وعائشة].

فرجع أبو بكر نزولا عند رغبة علي رضي الله تعالى عنهما وعن جميع الصحابة والتابعين...والحمد لله رب العالمين