......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

السبت، 29 أغسطس 2015

لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّأمِ واليَمَنِ



لَيْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّأمِ واليَمَنِ * * * إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ
إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتـِهِ * * * على الْمُقيمينَ في الأَوطــانِ والسَّكَنِ
سَفَري بَعيدٌ وَزادي لَنْ يُبَلِّغَنـي * * * وَقُوَّتي ضَعُفَتْ والمـوتُ يَطلُبُنـي
وَلي بَقايــا ذُنوبٍ لَسْتُ أَعْلَمُها * * * الله يَعْلَمُهــا في السِّرِ والعَلَنِ
مـَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَني * * * وقَدْ تَمـادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي
تَمُرُّ سـاعـاتُ أَيّـَامي بِلا نَدَمٍ * * * ولا بُكاءٍ وَلاخَـوْفٍ ولا حـَزَنِ
أَنَـا الَّذِي أُغْلِقُ الأَبْوابَ مُجْتَهِداً * * * عَلى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُنـي
يَـا زَلَّةً كُتِبَتْ في غَفْلَةٍ ذَهَبَتْ * * * يَـا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلبِ تُحْرِقُني
دَعْني أَنُوحُ عَلى نَفْسي وَأَنْدِبُـهـا * * * وَأَقْطَعُ الدَّهْرَ بِالتَّذْكِيـرِ وَالحَزَنِ
كَأَنَّني بَينَ تلك الأَهلِ مُنطَرِحــَاً * * * عَلى الفِراشِ وَأَيْديهِمْ تُقَلِّبُنــي
وَقد أَتَوْا بِطَبيبٍ كَـيْ يُعالِجَنـي * * * وَلَمْ أَرَ الطِّبَّ هـذا اليـومَ يَنْفَعُني
واشَتد نَزْعِي وَصَار المَوتُ يَجْذِبُـها * * * مِن كُلِّ عِرْقٍ بِلا رِفقٍ ولا هَوَنِ
واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُرِها * *وصـَارَ رِيقي مَريراً حِينَ غَرْغَرَني
وَغَمَّضُوني وَراحَ الكُلُّ وانْصَرَفوا * * * بَعْدَ الإِياسِ وَجَدُّوا في شِرَا الكَفَنِ
وَقـامَ مَنْ كانَ حِبَّ النّاسِ في عَجَلٍ * * * نَحْوَ المُغَسِّلِ يَأْتينـي يُغَسِّلُنــي
وَقــالَ يـا قَوْمِ نَبْغِي غاسِلاً حَذِقاً * * * حُراً أَرِيباً لَبِيبـاً عَارِفـاً فَطِنِ
فَجــاءَني رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَرَّدَني * * * مِنَ الثِّيــابِ وَأَعْرَاني وأَفْرَدَني
وَأَوْدَعوني عَلى الأَلْواحِ مُنْطَرِحـاً * * * وَصـَارَ فَوْقي خَرِيرُ الماءِ يَنْظِفُني
وَأَسْكَبَ الماءَ مِنْ فَوقي وَغَسَّلَني * * * غُسْلاً ثَلاثاً وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِ
وَأَلْبَسُوني ثِيابـاً لا كِمامَ لهـا * * * وَصارَ زَادي حَنُوطِي حيـنَ حَنَّطَني
وأَخْرَجوني مِنَ الدُّنيـا فَوا أَسَفاً * * * عَلى رَحِيـلٍ بِلا زادٍ يُبَلِّغُنـي
وَحَمَّلوني على الأْكتـافِ أَربَعَةٌ * * * مِنَ الرِّجـالِ وَخَلْفِي مَنْ يُشَيِّعُني
وَقَدَّموني إِلى المحرابِ وانصَرَفوا * * * خَلْفَ الإِمـَامِ فَصَلَّى ثـمّ وَدَّعَني
صَلَّوْا عَلَيَّ صَلاةً لا رُكوعَ لهـا * * * ولا سُجـودَ لَعَلَّ اللـهَ يَرْحَمُني
وَأَنْزَلوني إلـى قَبري على مَهَلٍ * * * وَقَدَّمُوا واحِداً مِنهـم يُلَحِّدُنـي
وَكَشَّفَ الثّوْبَ عَن وَجْهي لِيَنْظُرَني * * *وَأَسْكَبَ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنيهِ أَغْرَقَني
فَقامَ مُحتَرِمــاً بِالعَزمِ مُشْتَمِلاً * * * وَصَفَّفَ اللَّبِنَ مِنْ فَوْقِي وفـارَقَني
وقَالَ هُلُّوا عليه التُّرْبَ واغْتَنِموا * * حُسْنَ الثَّوابِ مِنَ الرَّحمنِ ذِي المِنَنِ
في ظُلْمَةِ القبرِ لا أُمٌّ هنــاك ولا * * * أَبٌ شَفـيقٌ ولا أَخٌ يُؤَنِّسُنــي
فَرِيدٌ .. وَحِيدُ القبرِ، يــا أَسَفـاً * * * عَلى الفِراقِ بِلا عَمَلٍ يُزَوِّدُنـي
وَهالَني صُورَةً في العينِ إِذْ نَظَرَتْ * * مِنْ هَوْلِ مَطْلَعِ ما قَدْ كان أَدهَشَني
مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ مـا أَقولُ لهم * * * قَدْ هــَالَني أَمْرُهُمْ جِداً فَأَفْزَعَني
وَأَقْعَدوني وَجَدُّوا في سُؤالِهـِمُ * * * مَـالِي سِوَاكَ إِلهـي مَنْ يُخَلِّصُنِي
فَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوٍ مِنك يــا أَمَلي * * * فَإِنَّني مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهــَنِ
تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعدما انْصَرَفُوا * * وَصَارَ وِزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأَثْقَلَني
واستَبْدَلَتْ زَوجَتي بَعْلاً لهـا بَدَلي * * * وَحَكَّمَتْهُ فِي الأَمْوَالِ والسَّكَـنِ
وَصَيَّرَتْ وَلَدي عَبْداً لِيَخْدُمَهــا * * * وَصَارَ مَـالي لهم حـِلاً بِلا ثَمَنِ
فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيــا وَزِينَتُها * * * وانْظُرْ إلى فِعْلِهــا في الأَهْلِ والوَطَنِ
وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيا بِأَجْمَعِها * * هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الحَنْطِ والكَفَنِ
خُذِ القَنـَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها * * * لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
يَـا زَارِعَ الخَيْرِ تحصُدْ بَعْدَهُ ثَمَراً * * * يَا زَارِعَ الشَّرِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الوَهَنِ
يـَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي * * * فِعْلاً جميلاً لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُني
يَا نَفْسُ وَيْحَكِ تُوبي واعمَلِي حَسَناً * * عَسى تُجازَيْنَ بَعْدَ الموتِ بِالحَسَنِ
ثمَّ الصلاةُ على الْمُختـارِ سَيِّدِنـا * * * مَا وَضّـأ البَرْقَ في شَّامٍ وفي يَمَنِ
والحمدُ لله مُمْسِينَـا وَمُصْبِحِنَا * * * بِالخَيْرِ والعَفْوْ والإِحْســانِ وَالمِنَنِ

الأحد، 3 مايو 2015

تعدد الزوجات بين الفقه الإسلامي وقانـــون الأســــــرة الجزائري

هذا جزء من بحث  كنت  قد أعددته لأجل تقديمه  في الندوة  الشهرية  للسادة الأئمة بعنــوان:
" دراسة فقهية  مقارنة  لبعض مواد  قانون الأسرة الجزائري "

 جاء في المادة 8
"يسمح بالزواج بأكثر من واحدة في حدود الشريعة الإسلامية متى وجد المبرر الشرعي و توفرت شروط ونية العدل و يتم ذلك بعد علم كل من الزوجة السابقة و اللاحقة و لكل واحدة الحق في رفع دعوى قضائية ضد الزوج في حالة الغش والمطالبة بالتطليق في حالة عدم الرضا".
فمن خلال هذه المادة : يظهر أن تعدد الزوجات في قانون الأسرة الجزائري يخضع  للشروط والقيود التالية:
القيد  ألأول: ترخيص القاضي بالزواج.
المناقشة والتوجيه:
جعل تعدد الزوجات موقوفا على إذن القاضي أمر غير مسوغ شرعالماذا ؟
1-  أن الله سبحانه وتعالى أناط بالراغب في الزواج وحده تحقيق شرطي التعدد ، فهو الذي يقدر الخوف من عدم العدل ، " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً " فالخطاب فيه لنفس الراغب في الزواج ، لا لأحد سواه، من قاض أو غيره ، فيكون تقدير مثل هذا الخوف من قبل غير الزوج مخالفاً لهذا النص.
2-   البحث في توافر القدرة على الإنفاق منوط بالراغب في الزواج، لقوله صلّى الله عليه وسلم : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج.." فهو خطاب للأزواج ، لا لغيرهم.
أن إشراف القاضي على الأمور الشخصية أمر عبث ؛ إذ قد لا يطلع على السبب الحقيقي، ويخفي الناس عادة عنه ذلك السبب ، فإن اطلع على الحقائق، كان اطلاعه فضحاً لأسرار الحياة الزوجية، وتدخلاً في حريات الناس ، وإهداراً لإرادة الإنسان ، وخوضاً في قضايا ينبغي توفير وقت القضاة لغيرها، ومنعاً وأمراً في غير محله ، فالزواج أمر شخصي بحت ، يتفق فيه الزوجان مع أولياء المرأة ، لا يستطيع أحد تغيير وجهته ، وتبديل قيمه ، وأن أسرار البيت المغلقة لا ينبغي أن يعلم بها أحد غير الزوجين[1].
القيد الثاني: تأكد القاضي من موافقة الزوجتين  السابقة واللاحقة.
المناقشة والتوجيه:
اشتراط موافقة الزوجة الأولى أمر غير مشروع  ؛ إذ لم يقل أحد من أهل العلم باشتراط موافقة الزوجة الأولى ، كما أنه  يحد من حريات الراغبين في تعدد الزوجات ؛ لأن الزوجة ترفض الضرة مهما كان مستواها العلمي والأدبي، فكأن هذا الشرط يجعل التعدد مستحيلا.

القيد الثالث: أثبات المبرر الشرعي و تأكد القاضي من قدرة الزوج  على توفير العدل والشروط الضرورية للحياة الزوجية .
 و جاء في المادة 41 من مشروع التعديل: " لا تأذن المحكمة بالتعدد، إذا لم تكن لطالبه، الموارد الكامنة، لإعالة الأسرتين، وضمان جميع الحقوق، من نفقة، و مسكن ".  أما كيفية التأكد من ذلك فقد تركها المشرع الجزائري غامضة.
المناقشة والتوجيه:
أن اشتراط وجود المبرر – الذي يكاد ينحصر  في العقم والمرض المزمن– هو شرط مخالف للفقه بمختلف مذاهبه ، فلم يقل أحد من أهل العلم بأن التعدد مباح  لمن كانت زوجته مريضة أو عقيما فقط.
أسباب إباحة التعدد في الشريعة عامة وخاصة:
أما الأسباب العامة: فمنها معالجة حالة قلة الرجال وكثرة النساء، سواء في الأحوال العادية بزيادة نسبة النساء ، أو في أعقاب الحروب ، كما حد ث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، إذ أصبحت نسبة النساء للرجال واحداً إلى أربعة أو إلى ستة، فقامت النساء الألمانيات بمظاهرات يطالبن بالأخذ بنظام تعدد الزوجات، بعد أن قتلت الحرب معظم رجال ألمانيا، وبعد أن كثر اللقطاء في الشوارع والحدائق العامة.
 ومن الأسباب العامة أيضا : الحاجة الاجتماعية إلى إيجاد قرابات ومصاهرات لنشر الدعوة الإسلامية كما حدث للنبي صلّى الله عليه وسلم ، فإنه عدد زوجاته التسع في سن الرابعة والخمسين من أجل نشر دعوته وكسب الأنصار لدين الله الجديد. وبقي إلى هذه السن على زوجة واحدة هي السيدة خديجة رضي الله عنها.
وأما الأسباب الخاصة فكثيرة منها:
1-       عقم المرأة أو مرضها، أو عدم توافق طباعها مع طباع الزوج.
2-       اشتداد كراهية الرجل للمرأة في بعض الأوقات.
3-       ازدياد القدرة الجنسية لبعض الرجال.
حكم التعدد في الفقه الإســــــلامي
اتفقت المذاهب السنية[2] على أن لأصل في التعدد الإباحة حتى أربع كحد أقصى ، وأن الإباحة مقيدة بشرطين فقط :
أحدهما:  العدل المادي بين الزوجات ؛ لقوله تعالى : " فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً "
والثاني:  القدرة على الإنفاق على الزوجة الثانية وأولادها؛ لقوله تعالى:" ذلك أدنى ألا تعولوا" أي أدنى ألا  يكثر عيالكم فتصبحوا غير قادرين على تأمين النفقة لهم ، لكن الأرجح أن العول – ها هنا – هو الجور من عَال الميزان عَولاً إذا مال ، وعال فلان في حكمه أي جار[3].
وقال الفقهاء قد يعرض للتعدد ما يجعله:
1)   واجبا كما لو كثر النساء في المجتمع المسلم وخشي العنت[4] مع امتلاك الباءة .
2) وقد يندب كما لو كثر النساء في المجتمع المسلم مع امتلاك الباءة و عدم الخوف من العنت.
3) وقد يحرم إذا غلب على ظنه  عدم العدل ، ولم يكن خائفا من العنت ، فإن عدد مع عدم القدرة على العدل صح الزواج مع الإثم .
4)   قد يكره لمن يملك القليل من الباءة ولم يكن خائفا من العنت.
القيد الرابع : أن عدم احترام هذه الشروط  يؤدي إلى فسخ الزواج الجديد قبل الدخول، و في حالة الغش يجوز لكن زوجة رفع دعوى قضائية ضد الزوج ؛ للمطالبة بالتطليق.
المناقشة والتوجيه:
أن إحاطة التعدد بهذه القيود قد يفتح أبواب الفساد من ناحيتين:
الناحية الأولى : انتشار ظاهرة الزوج العرفي ، وإذا كان رجال القانون قد برروا تشريع  المادة 8  بحماية حقوق المرأة. فإن الواقع جاء عكس ذلك تماما ، فما تخفيه أروقة المحاكم من قصص وقضايا مترتبة عن الزواج العرفي الذي تضاعف منذ إقرار هذه المادة ، لهو أكبر دليل على أن المرأة هي الخاسر الأكبر في هذا الزواج . فليس هناك أسهل من التخلي عن امرأة لا تجمعها بزوجها أي وثيقة ، كما أن أكثر ما تواجهه المتزوجات بالفاتحة إثبات نسب الأبناء في حال تخلي الأزواج عنهن، فهم مصنفون في خانة الأطفال غير الشرعيين رغم أنهم نتيجة لعلاقة شرعية،  كما يطرح مشكل المطالبة بالميراث في حال وفاة الزوج ورفض عائلته أو الزوجة الشرعية الاعتراف بهذا الزواج.
الناحية الثانية : الإسهام في زيادة ظاهرة  العنوسة  ، نظرا لكثرة النساء وقلة الرجال كما هو معلوم ، وكان ينبغي للمشرع أن يأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار ، فيسن من التشريعات ما يسهل  التعدد للتخفيف من هذه الظاهرة ، ولسد الذريعة  أمام العلاقات غير الشرعية ، وهو ما تقضيه المصلحة  الشرعية التي قامت عليها الشريعة الإسلامية ، ومنها: قاعدة : " تصرف الإمام على الرعية منوط [متوقف عليها ومعلق بها] بالمصلحة".ومعناها: أن تصرف الإمام ومن يمثله ، يجب أن يكون مبنيا على المصلحة العامة ، وما لم يكن كذلك كان تصرفا باطلا لا اعتبار له.

 الهوامش


[1] الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ . تأليف الدكتور وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ . الناشر : دار الفكر - سوريَّة – دمشق . ج 9 / ص 165 + الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية، للأستاذ الشيخ زكي الدين شعبان: ص 196 وما بعدها.
[2] انظر: كتاب : تعدد الزوجات في الإسلام . تأليف الدكتور محمد بن مسفر بن حسين الطويل طبعة: إدارة الدعوة والإعلام بجماعة أنصار السنة المحمدية فرع مديرية التحرير - لجنة الدعوة . دار أم القرى للطباعة . ص 6 وما بعدها.
[3] الكتاب : التحرير والتنوير ـ  المؤلف:الشيخ محمد الطاهر بن عاشور .دار النشر: دار سحنون للنشر والتوزيع - تونس - 1997 م ج 4/ ص 228
[4] العنت : المشقّة التي تكون ذريعة إلى الزنا .


الخميس، 16 أبريل 2015

العلم أهميته وفضله ومكانة أهله

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن أهدانا الله ، نحمده تعالى على  تفضله وإنعامه ولطفه وإحسانه ، ونسأله المزيد من أفضاله ، ونشهد أن لا إله ألا الله  وحده لا شريك له ، شهادة نستعد به إلى يوم لقائه ، يوم لا ينفع مال و لا بون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أرسله ربه بالهدى وأنزل  عليه الكتاب بالحق ؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبهم بإحسان إلى يوم الدين.
"    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ    "
إخوةَ الإيمانِ:
 تمر بنا في هذا الأسبوع مناسبة يوم العلم ، وهي مناسبة جليلة ، والحقيقة أن العلم ليس له مناسبة محدودة ، أو يوما معينا ؛ لأن العلم به حياة الأفراد والأمم ؛ لأن :
مَنْ فَارَقَ العِلْمَ حَلَّ الذُّلُّ سَاحَتَهُ  .....  ولَمْ يُعَظَّمْ ولَمْ يُكْرَمْ ولَمْ يُهَبِ
كَمْ مِنْ صَغِيرٍ يُرَى والعِلْمُ كَبَّرَهُ  ...... مُؤَيَّدٍ ظَــــــاهِرٍ للعِزِّ مُكْتَسَبِ
وكَمْ كَبيرٍ يُرَى والجَهْلُ صَغَّـرهُ ....... مُبَكَّتٍ خَامِلٍ فِي الذُّلِّ والغَلَبِ
وقال آخر:
ففز بعلم تعش به حيا أبــــــدا ........الناس موتى وأهل العلم أحياء
و من أسباب سعادة العبد، وعلامات إرادة الخير به أن يوفقه الله للتفقه في دينه ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" . وقال عليه الصلاة والسلام : " من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقا إلى الجنة".وعَنْ أبي هريرة ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينٍ ، وَلَفَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادٌ وَعِمَادُ هَذَا الدِّينِ الْفِقْهُ " ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : " لأَنْ أَجْلِسَ سَاعَةً فَأَفْقَهَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْيِي اللَّيْلَةَ إِلَى الْغَدَاةِ.
وتكمن أهمية العلم في أنه لا يمكن معرفة الخطأ والصواب ، والصحيح والفاسد ، والحق الباطل ، والحلال والحرام إلا بالعلم. والأمم التي تقدمت وازدهرت إنما كان تقدمها ورقيها نتيجة لما لديها من علوم ومعارف ، ونحن في الجزائر إنما انتصرنا بالعلم ، وقهرنا فرنسا بالعلم ، وحافظنا على هويتنا وأصالتنا ومقوماتنا بالعلم ........
 وصدق من قال :
العلم يبني بيوتا لا عماد لها ..... والجهل يهدم بيوت العز والشرف

كما أنه لا يمكن الإتيان بالعبادات والمعاملات على الوجه الصحيح إلا بالعلم ، والله تعالى إنما يقبل من العمل أخلصه وأصوبه ، والأصوب هو ما وافق الشرع ، وإدراكه متعذر على غير المتفقهين في الدين ، ولأجل هذا أعز الله العلماء ورفع من شأنهم ، وقال تعالى : " إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ " . والسر في ذلك أنهم يعرفون الله تمام المعرفة ويدركون الطريق الموصل إليه ، بخلاف الجهلاء الذين قد يضعون الأمور في غير مواضعها ، وقد يسيئون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ولله در القــــــائل:

العلـم أشــــرف مطلــــوب وطالــبه  ***  - لله أكرم- من يمشي عـلى قــــدم
فقدِّسِ العلمَ واعـرف قدر حـرمـــته  ***  في القول والفعــل والآدابَ فالتـزم
يا طالب العلـــــم لا تـبغِ به بــــــدلاً  ***  فقد ظفــرت ورب اللّــــَوح والقــلم
واجهـــــد بعـــزم قـوي لا انثناء لـه ***   لو يعلم المــرء قدر العلـــم لم يـنمِ
والنيةَ فاجـعلْ لــوجه الله خـــالصـةً  ***  إن البناء بدون الأصـــــل لم يــــقمِ
ولأجل هذا حث الإسلام على العلم ورغب فيه ، وكان أول ما نزل من القرآن : " إقرأ..." وهو تنبيه إلى أهمية العلم في حياة الفرد والمجتمع . وقال تعلى : "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ". طبعا لا يستوون .. ؟  فالدرجات العلى إنما تنال بالعلم " يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ ءامَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ". وبالمفهوم المخالف - كما يقول أرباب الأصول-  يضع الله الجهل وأهله دركات. أعلى النموذج
وهذا سيِّدُ الخلقِ وأعلمُهم  محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ:  "يَا أيُّهَا الناسُ تعلَّموا فإنَّما العِلْمُ بالتعلُّمِ والفقهُ بالتفقُّهِ فمَنْ يُرِدِ اللهُ بهِ خيرًا يفقِّهْهُ في الدِّينِ".
وهوَ القائلُ صلواتُ ربِّي وسلامُه عليهِ : "يا أبَا ذرٍّ لأنْ تغدوَ فتتعلَّمَ ءايةً مِنْ كتابِ اللهِ خيرٌ لكَ مِنْ أنْ تصلِّيَ مائةَ ركعَة (أيْ مِنَ السُّنَنِ) ولأنْ تغدوَ فتتعلَّمَ بابًا مِنَ العِلْمِ خيرٌ لكَ مِنْ أنْ تصلِّيَ ألفَ ركعة" (أيْ مِنَ النوافلِ مِنَ السننِ).
فلوْ لم يرد في فضْلِ العِلْمِ إلا هذَا الحديثُ لَكَان كافَيا ؛ فعِلْمَ الدِّينِ هوَ حياةُ الإسلامِ وجوهره ، مَنْ أهملَهُ تاه في غياهب الجهالة ، ومالت  به الرِيحٍ حيث تميل .....فشأن الجاهلُ كالتائهِ في وسَطِ الصحراءِ بلا دليلٍ لا يدري هلْ يقتربُ مِنْ مقصودِهِ أمْ يبتعدُ ؟ هكذَا حال الجاهلُ فهو لا يضمنُ صِحَّةَ صلاتِه ولا صحةَ صيامِه ولا صحةَ حَجِّهِ ...... كما ذكرنا آنفا.
إخوةَ الإيمانِ:
إذا كانت تلك هي مكانة العلم ومنزلته وأهميته فمن الحماقة أن نتقاعد عن طلبه ، أو نزهد في تعلمه ، أو نزدري أهله ، احذروا أيها الإخوة فذاك منزلق خطير  ؟؟؟  فإن لأهل العلم  في الإسلام  منزلة رفيعة ؛ فهم و رثة الأنبياء ،  وحفظة الشريعة المعظمة ، ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ، ولا يتأتى فهمها إلا عن طريقهم ؛ لذلك كانت حاجة الناس إليهم  أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وكانوا  في الأرض بمنزلة النجوم في السماء ، وكانوا بولاية الله أحق من غيرهم؛ لهذا قال  قال أبو حنيفة والشافعي : " إن لم يكن الفقهاء أولياء الله فليس لله ولي. "
وقال عكرمة - رضي الله عنه : " إياكم أن تؤذوا أحداً من العلماء ، فإن من آذى عالماً فقد آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -  والعلماء هم حراس الدين وحماته من الابتداع والتزييف، وقد قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة !! فقال: يعيش لها الجهابذه."
فالأمة التي تبجل علماءها وتحتفل بذكراهم  و تهتم بعلومهم ومآثرهم لهي أمة  جديرة بالتوقير والاحترام ، حرية بأن تحظى برعاية الله وحفظه .
أما الأمة التي لا توقر علماءها و لا تعرف لهم قدرا و لا فضلا ؛ فأقل ما يقال فيها أنها أمة لئيمة ! ثم إن مصيرها إلى الخراب والاندثار لا محالة ، لأن الحياة بدون العلماء ظلمات بعضها فوق بعض.
إخوةَ الإيمانِ:
لنتعلَّمْ العِلْمَ فهو الطريقُ إِلى السعادةِ الأبديَّةِ ، فطلبُهُ عبادةٌ ، وتعليمُه صدقةٌ ، وهوَ الأنيسُ في الوَحدةِ ، والصاحبُ في الخلْوَةِ ، ومنارُ سبيلِ الجنَّةِ ، يرفعُ اللهُ بهِ أقوامًا فيجعلُهُمْ في الخيرِ قادةً وَسادةً ..... وتضعُ الملائكةُ أجنحتَها تواضعًا لأهلهْ وتستغفرُ لهمْ حيتانُ البحرِ وطيورُ البَراري ،  لأنَّ العِلْمَ هو حياةُ القلوبِ مِنَ العَمى ، ونورُ الأبصارِ مِنَ الظلمة ، وقوةُ الأبدانِ مِنَ الضَّعفِ ، وبهِ يُطاعُ اللهُ عزَّ وجَلَّ ، وبهِ توصَلُ الأرحامُ ، وبهِ يُعرَفُ الحلالُ والحرامُ ......
جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .
 وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 والحمد لله رب العالمين.



أسفل النموذج


الثلاثاء، 7 أبريل 2015


إِدْرِيسُ يَا مَنْهَلَ العُلـُــــومِ وَالْحِــكَمِ          نَظِـــيرُكُمْ فِي زَمَــانِ الْيَوْمِ يَنْعَــــدِمُ
أعطــــاكم الله ما لم يعــــطِ غيــرَكمُ       واللهُ منه جمــالُ الفضـلِ والنعــــــــمُ
أَكْـــرِمْ بكمْ من فقيهٍ زانَه خُلـُـــــــقٌُ         الصفــــحُ  شِيمَتُكمْ والحلمُ والكـــرمُ
فإنني لأرى صــــــــــفاءَ  عينــــكــمُ        فترجف الــروحُ من صــفاءِ قلبـــــكـمُ
مهــــــــلا.. فإنـــكمُ -لله دَرُّكــــــمُ -       كشمعة رقصت في نـورها الهِـمـَــمُ
مهــــــــلا.. فإنــكمُ ينبوع مرحمــــة        يفـيــض فــــوق أراضيـنا فتبـتــســمُ
يا سعدَ قلبي وقد صافحتُ شملكمُ        ونَلْتُ فقهـــــــكمُ يا فرحتي بــكــــمُ
يا فرحتي بمن اعتادت مشاعـرهـمْ         على الجـــوار فـما جاروا  وما نقمُوا
ساغت ليالي زماني في رحـابــكمُ         وذقت حلو هـنائي حيــن قربـــــكـمُ
ونِمت مُنْتَشِيًا في حِضــــن كفكــمُ        كـما ينام على قــرْطاسـيَ القلــــمُ
نِعْمَ الرفاقُ .. وجـلُّ الناسِ همهــمُ         حُمْــرُ النعيم فما ارتاحوا ومـا نعـمُوا
فقَّهْتموهمُ في الدنيا فما فقِـهــــوا        وآثـــروها فــــما فــازوا ومـا غنـــمُـوا
يا شيخَنا. و دمــوعُ القلب من ألـم         وكنتــمُ قــدوةً تــرقى بها الأمـــــمُ
وكنتمُ ، أنتـمُ،للعلْـم رايتـَـــــــــــــه        كالمـوج فوق سُيــول الخد تزدحـــــمُ
 وكل ما بفـــؤاد ي صـــــــار ملتهبا         شـوقا إلى أن يرى أنوارَ طَيـْــــفِكــمُ
لكنه قــد تناسى الهــــم مصطبـرا          وراح يرسـم في الإفــتاء نهْجَكـــــمُ
دمتمْ ذخيرةَ هذا النشـئِ بعدكــمُ        ولن يضيع – بإذن الله – أجـــــــــركمُ
دمتمْ لكـــل زمـــــان نورَ ظلمـتِه            وروحَ صفــــــوتِه والله حســــبـــــكمُ