......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

السبت، 11 يناير 2014

المبحث الرابع : "الأحكام المتعلقة بإزالة النجاسة "

تكلمنا في الدرس السابق عن الأعيان الطاهرة و الأعيان النجسة ، وسنتعرف الآن على حكم إزالة النجاسة و المسائل المتعلقة بها ، وهي كالآتي :

  المطلب الأول  : كيفية التطهير من النجاسة

1)    تطهير الماء المتنجس
 يطهر الماء المتنجس بإزالة التغيير الذي أحدثته النجاسة فيه بصب طاهر عليه ، من ماء أو تراب ، أما إن زال التغير من نفسه فلا يطهر.
2)    تطهير المائعات :
v  إذا حلت النجاسة في إحدى المائعات - كالزيت واللبن والعسل والسمن - وتحلل شيء منها تحقيقا أو ظنا ، فلا تقبل التطهير بتاتا ، مهما قلت النجاسة المحلولة ، ومهما كان المائع كثيرا .
v  أما إذا كان المائع متجمدا ووقعت فيه نجاسة فينجس إن ظن سريان النجاسة بكل المائع المتجمد ، كأن كانت النجاسة مائعة كالبول ، أما إن لم يظن سريانها في جميعه ، كأن كانت النجاسة جامدة والمائع جامد فيتنجس منه بمقدار ما ظن سريانه فيه ، ولو كانت النجاسة مما يصعب الاحتراز منه كروث الفأر ، فترفع النجاسة وما حولها بقدر السريان ويستعمل الباقي؛ لقوله صلى الله عليه و سلم :"إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه "[1]
3)    تطهير الأطعمة المتنجسة :
لا تطهر الأطعمة المتنجسة بتاتا، كاللحم المطبوخ بماء متنجس ،  أو الذي حلت فيه نجاسة قبل نضجه، أما إذا وقعت فيه بعد نضجه فيطهر بغسله ، وكذا الزيتون المملح بنجاسة أو البيض المسلوق بنجاسة فلا يطهر.
4)    تطهير الأواني المتنجسة :
  أ‌-    الأواني الخشنة ذات المسام: التي يمكن سريان النجاسة في مسامها، كالفخار والخشب والخزف لا تطهر إذ وضعت فيها نجاسة سائلة ، ومكثت فيها مدة يظن سريانها في جميع أجزاء الإناء، إلا الفخار فإنه يطهر إذا حرق بالنار ( شوي ) ؛ لأن النار تغوص في المسام فتسحق النجاسة. أما إذا كانت النجاسة جامدة أو وسائلة ولم تمكث في الإناء مدة تكفي لسريانها في مسامه فإنه يمكن تطهير الإناء بإزالة النجاسة.
 ب‌-   الأواني الملساء: كالحديد والنحاس والزجاج ، فهذه تطهر بغسلها ولو لمرة واحدة ، بشرط إزالة النجاسة سواء كانت مائعة أو جامدة ، وسواء مكث كثيرا أم قليلا .
  ت‌-        إناء الخمر: - مهما كان نوعه - يطهر إذا تخللت الخمر أو تحجرت تبعا لها ؛ لأنها هي تطهر بالتخلل أو التحجر.
 ث‌-   لإناء الذي ولغ فيه الكلب: مرة فأكثر يندب إراقة الماء الذي ولغ فيه وغسل الإناء سبع مرات تعبدا ، و لا يندب تتريب إحداهن إذا الكلب طاهر ولعابه كذلك[2].
5)    تطهير الثياب المتنجسة :
 تطهر الثياب المتنجسة إن انفصل الماء عنها غير متغير بالنجاسة، أما إن تغير الماء المنفصل عن الثوب في أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة، فالثوب نجس والماء المنفصل عنه كذلك ، ما لم يكن التغير بسبب الأوساخ العالقة بالثوب ، فإن الثوب يطهر حينئذ و لكن تسلب طهورية الماء .
6)    تطهير الأرض المتنجسة :
 تطهر الأرض المتنجسة بكثرة إفاضة الماء عليها ، من مطر وغيره حتى تزول عين النجاسة وأعراضها ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس فقال لهم النبي صلى الله عليه و سلم : ( دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء – أو ذنوبا من ماء – فإن بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)[3] . وإذا كانت الأرض ملساء فيكفي المسح لتطهيرها.


فروع هــامة

1)    إن شك إصابة البدن أو الأرض بالنجاسة وجب الغسل كما لو تحقق.
2)  إن شك إصابة الثوب أو الحصير أو الخف أو النعل وجب النضح لا الغسل ، والنضح يكون برش المشكوك بالماء المطلق بيده أو غيرها كالفم.
3)  إن تحقق الإصابة لكن شك بالمحل المصاب ما بين محلين فأكثر، غسل جميع المشكوك فيه سواء كان من بدن أو ثوب أو مكان أو آنية ، وإن كان المشكوك بهما ثوبان أيهما أصابته النجاسة غسل أحدهما للصلاة فيه إن اتسع الوقت ووجد ما يزيل به النجاسة ، وإلا اجتهد وصلى بأحدهما.
4)  أما إن أصابه شيء تحقيقا أو ظنا ثم شك هل ما أصابه نجس أو طاهر، فلا يجب عليه نضحه ولا غسله لحمله على الطهارة كالماء الساقط على المار بالطريق من أمكنة المسلمين، فإنه يحمل على الطهارة ولا يجب الغسل إلا إذا ظن المار إصابة النجاسة.
5)  وإذا أزيلت عين النجاسة عن محل بغير ماء مطلق بقى حكمها فيه، فإذا لاقى هذا المحل شيئا طاهرا بدنا كان أو ثوبا أو مكانا ، فلا ينجسه ولو كان هناك رطوبة من أحدهما أو كليهما ؛ لأن الحكم شيء اعتباري فلا ينتقل.

المطلب الثاني : حكم الانتفاع بالنجاسة

لا يجوز الانتفاع بالأشياء المتنجسة بأي حال من الأحوال باستثناء ما يلي :
1)    الخمر لإساغة غصة مع عدم وجود مائع غيرها.
2)  أكل لحم الميتة لمضطر كأن تعرض إلى الهلاك من شدة الجوع؛ لقوله تعالى - بعد أن ذكر تحريم الميتة - : " فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم " ( المائدة3 ).
3)  جلد الميتة المدبوغ يجوز استعماله في غير المائعات كالحبوب والدقيق والخبز غير المبلول، وكذا في الماء المطلق لأن الماء الطهور لا يضره إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه ، أما جلد الخنزير فلا يجوز استعماله مطلقا دبغ أو لم يدبغ لا في مائع ولا في غيره ، وكذا جلد الآدمي لشرفه وكرامته.
4)    يجوز الوقود بعظم الميتة.
5)    يجوز طرح الميتة للكلاب.
6)    يجوز سقي الزرع بنجس.
7)    يجوز استعمال شحم الميتة لدهن عجلة ونحوها.
8)  كما يجوز الانتفاع بالمائعات المتنجسة[4] - ولو كانت طعاما كالزيت والعسل والسمن - كأن تستعمل في سقي الدواب والزرع ، أو في دهن العجلات ، أوفي الصناعة بأن يستعمل الزيت المتنجس في صناعة الصابون مثلا ؛ لأن الاستحالة تطهر. 

المطلب الثالث  : حكم إزالة النجاسة

v    اختلف علماء المذهب في حكم إزالة النجاسة  إلى أربعة أقوال :
القول الأول : الندب .
القول الثاني: الوجوب مطلقا
القول الثالث: السنية .
القول الرابع:الوجوب مع الذكر والقدرة .
 وهذا الأخير هو الراجح والمشهور والمعتمد [5]. ومما يدل على رجحانه:
حديث ابن عباس ، قال : " مر النبي صلى الله عليه و سلم بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة........"[6].
وجه الاستدلال أن الإنسان لا يعذب إلا على ترك واجب ، فدل ذلك على وجوب إزالة النجاسة ، كما يدل علة العفو عنها في حالة العجز والنسيان ، قوله تعالى : " فاتقوا الله ما استطعتم " (التغابن16).
وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"[7]. ومن القواعد المقررة لدى أرباب العلم : " لا تكليف إلا بمقدور " .
v    وبناء على ذلك كان حكم إزالة النجاسة واجب مع الذكر والقدرة ساقط مع العجز والنسيان .

المطلب الرابع  : أحكام النجاسة الخاصة بالصلاة

المسألة الأولى: حكم من صلى بالنجاسة :
v  من صلى بها ناسيا أو غير علم بها حتى أتم صلاته ، فصلاته صحيحة ، ويستحب له إعادتها في الوقت الاختياري  مراعاة للخلاف.
v  من عجز عن إزالتها لعدم وجود الماء المطلق أو عدم القدرة على إزالتها ، صلى بها وجوبا ويحرم عليه تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها الاختياري.
v    من صلى بها عامدا قادرا على إزالتها ، فصلاه باطلة ، ويجب أن يعيدها أبدا.
المسألة الثانية: من سقطت عليه النجاسة أثناء الصلاة.
v    من سقطت عليه النجاسة أثناء الصلاة بطلت صلاته بالقيود الآتية:
§        أن تستقر عليه ، أما إذا أصابته ثم انحدرت فلا تبطل صلاته.
§        أن تكون مما لا يعفى عنه ، كالبول والغائط ونحوهما.
§        أن يتسع الوقت لإزالتها .
§        أن يجد ماء يزيلها به أو ثوبا آخر غير المتنجس.
v    من تذكر النجاسة أو علمها أثناء صلاته ، بطلت عليه بالقيود الآتية:
§        أن يتسع الوقت لإزالتها وإدراك ركعة من الصلاة فيه سواء كان اختياريا أو ضروريا.
§        أن يجد ماء يزيلها به أو ثوبا آخر غير المتنجس.
§        أن تكون مما لا يعفى عنه.

المطلب الخامس: ما يعفى عنه من النجاسة درءا للمشقة

من القواعد الفقهية الكبرى : " المشقة تجلب التيسير " ، فكل ما خرج عن قدرة المكلف سقط التكليف به ، وتطبيقا لهذا القاعدة يعفى عن النجاسات الآتية :
v    السلس. سواء كان ريحا أو بولا أو غائطا أو دم استحاضة..
v    بلل الباسور.إذا أصاب الثوب أو البدن كل يوم مرة.
v    ثوب المرضعة ، إذا كانت مجتهدة في الاحتراز من النجاسة.
v    الدم اليسير الذي يصيب الطبيب المزاول للجراح أو الجزار ، إن كانا مجتهدين في تجنب النجاسة.
v    يعفى عما يصيب الكناف المزاول لتنظيف المراحيض إذا كان مجتهدا في الاحتراز من النجاسة.
v    ثوب المرأة إذا أطيل لأجل الستر لا للخيلاء.
v    طين المطر ومستنقعات الطرق.
v    ما يسقط على المارة من شرفات المسلمين.
v    الدم والقيح والصديد القليل بقدر الدرهم.
v    الدم إذا لم ينقطع.


[1] أبو داود : ج 4 / كتاب الأطعمة باب 48 / 3842 
[2] راجع: ص 20 و22 من هامش هذه المذكرة.
 [3]البخاري : ج 1 / كتاب الوضوء باب 57 / 217
[4] لا يجوز الانتفاع بالنجاسة  في المسجد كأن يضاء المسجد بالزيت المتنجس --  كما لا يجوز لانتفاع بها في أكل الآدمي وشربه وإدهانه ؛ بناء على أن التلطخ بالنجاسة حرام وتجب إزالتها للصلاة وللطواف ولدخول المسجد -- كما لا يجوز بيع الموائع المتنجسة إلا بعد إعلام الشاري بنجاستها.
[5] انظر هذه الأقوال : بداية المجتهد ونهاي المقتصد لابن رشد 1/77—ومواهب الجليل1/131 – و الذخيرة للقرافي 1/193.
[6] النسائي في الكبرى 4/106 رقم 2068.
[7] ابن ماجه في سننه برقم 2043

المبحث الثالث: " الأعيان الطاهرة والأعيان النجسة "


نذكر أولا الأعيان الطاهرة ؛ لأن الأصل في الأشياء الطهارة[1] ما لم تثبت نجاستها بدليل :

المطلب الأول  : الأعيان الطاهـــرة

1 - الإنسان حيا كان أو ميتا.
ولو كان كافرا أو شارب خمر ، لقوله تعالى : " ولقد كرمنا بني آدم " (الإسراء : 70  ). والمكرم لا يكون إلا طاهرا ، أما قوله تعالى : " إنما المشركون نجس " (التوبة : 28). فمحمول على النجاسة المعنوية التي حكم الشارع بها.
2 - الجماد : وهو كل جسم لم تحله الحياة ولم ينفصل عن حي وينقسم إلى قسمين :
§        جامدات : ومنها جميع أجزاء الأرض ومعادنها ونحوها ، وجميع أنواع النباتات ولو كانت مخدرة كالحشيش
              والأفيون[2] أو كانت سامة....
§   ومائعات : منها الماء والزيوت وماء الأزهار والخل ( أما اللبن أو السمن أو العسل فليس بجماد لانفصاله عن حيوان ) ما لم يطرأ عليه ما ينجسها.
3 - كل حي طاهـــــــر:
سواء كان بحريا أو بريا ولو كان متولدا من عذرة [3] أو كان يأكل نجاسة أو كان كلبا[4] أو خنزيرا[5].
4 - عرق كل حي ودمعه ومخاطه ولعابه[6]:
 ولو كان يشرب خمرا أو يأكل نجاسة ، وكذالك بيضه ولو من حشرات ، ما لم يفسد بعفونة أو زرقة أو صار دما أو مضغة أو فرخا ميتا فإنه نجس ، أما البيض الذي اختلط صفاره ببياضه بغير عفونة أو وجود نقطة دم غير مسفوح فيه فلا يفسد ويبقى طاهرا.
5 - ما يخرج من ميتة طاهرة أو من حيوان يؤكل لحمه وذكي ذكاة شرعية:
     من دمع ولعاب وعرق ومخاط وبيض فكله طاهر.
6 - لبن الآدمي ( ولو كان من كافرة ) ولبن مأكول اللحم: ولو كان لحمه مكروها كالهر والسبع.
7 - البلغم : وهو ما يخرج من الصدر منعقدا كالمخاط وكذا ما يسقط من الدماغ من آدمي وغيره.
8 - الصفراء : وهي ماء أصفر يخرج من المعدة حال حياة الحيوان ، وهي طاهرة لأن المعدة طاهرة وما يخرج منها طاهر ، ما لم يستحل إلى فساد كالقيء والقلس المتغيرين.
9 - مرارة الحيوان المباح أو المكروه أكله بعد تذكيته ذكاة شرعية: والمراد بها الماء الأصفر الكائن في الجلدة المعروفة للحيوان، فهي طاهرة وجلدتها طاهرة كذلك.
10 - القلس : وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلائها في حالة التجشوء ما لم يتغير.
11 - القيء : وهو الطعام الخارج من المعدة بعد استقراره فيها ما لم يتغير بحموضة أو غيرها فنجس.
12 - المسك وفأرته[7] : وأصله دم انعقد ثم استحال إلى صلاح.
13 - الصوف والشعر والوبر وزغب الريش[8]:  لجميع الدواب طاهر، ولو كانت من خنزير، سواء كان الحيوان حيا أم ميتا ؛ لأنها لا تحلها الحياة وكل ما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت ، وسواء كانت متصلة بالحيوان أو منفصلة عنه بالجز ( أي بالحلق والقص) ، أما لو فصلت عنه بالنتف فأصولها نجسة والباقي طاهر[9].
14 - فضلة الحيوان المباح أكله : روثه وبعره وزبل الدجاج والحمام وجميع الطيور ما لم تأكل أو تشرب نجاسة تحقيقا أو ظنا ، فتكون فضلتها نجسة كالجلاَّلة[10].
15 – الخمر إن تحجرت أو تخللت[11]:  بنفسها أو بفعل فاعل طاهرة ، ما لم يقع فيها نجاسة قبل تخللها ، ويطهر إنائها تبعا لها ولو كان من فخار.
16 - رماد النجاسة إذا سحقتها النار : أما إذا بقيت على صلابتها فتبقى نجسة ، ومن الأولى الوقود المتنجسة فإنها تطهر بالنار ، وكذا دخان النجاسة وبخارها فهما طاهران.
17 - الدم غير المسفوح[12]: من الحيوان المذكى : وهو العالق على العروق وفي قلب الحيوان وما يرشح من اللحم ، بخلاف ما يبقى على محل الذبح فإنه من باقي المسفوح فنجس.
18 - الزرع الذي سقي بنجس: طاهر، وإن تنجس ظاهره فيغسل ما أصابه من نجاسة.
19 - الميتة البرية التي لا دم لها: كالعقرب والخنفساء والبرغوث....
20 - ميتة البحر: ولو طالت حياة الحيوان في البر ، كالتمساح والضفدع والسلحفاة البحرية ، ولو كان الحيوان على صورة كلب أو خنزير أو آدمي ، سواء مات في البر أو في البحر ، وسواء مات حتف أنفه أو بفعل فاعل ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته "[13]. وقال صلى الله عليه و سلم :" أحلت لكم ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال "[14].
21- كل حيوان ذكي شرعية[15] مما يؤكل لحمه: بذبح أو عقر أو نحر فهو طاهر ، وكذا أجزاؤه طاهرة من عظم ولحم وظفر وسن وجلد، ، أما الذي لا يؤكل لحمه كالخيل والبغال والحمير وكذا الكلب والخنزير فالذكاة لا تطهره ، وأما مكروه الأكل كالسبع إذا ذكي لأكل طهر لحمه وجلده تبعا له ، وإذا ذكي بقصد أخذ جلده طهر جلده فقط  ، ولا يطهر لحمه لأنه ميتة على الراجح ، وقيل يؤكل على المرجوح .

المطلب الثاني  : الأعيان النجســـة

تعريف النجاسة :
 النجاسة لغة : كل شيء مستقذر حسيا كان - وهو ما يسمى الخبث كالبول والدم - أو معنويا كالآثام ، ومنها قوله تعالى : "إنما المشركون نجس " .
 وشرعا : كل شيء مستقذر[16] شرعا يمنع الصلاة والطواف والمكث في المسجد ، ويحرم الانتفاع بها في غير ضرورة.
 والأعيان النجسة هي :
1 - ميتة كل حيوان بري له دم سائل[17]: ولو كان مما يؤكل لحمه ، إن مات دون أن يذكى ذكاة شرعية ؛ لقوله تعالى : "حرمت عليكم الميتة " (المائدة : 3 ).
2 - ما خرج من الميتة النجسة: من بول ودمع ومخاط وبيض ولعاب وعرق، وكذلك ما انفصل منها مما تحله الحياة ( أي أجزاء الميتة ) كاللحم والعظم والعصب والقرن والظلف والحافر والظفر والسن وناب الفيل ( العاج[18] ) وقصب الريش.
3 - كل ما انفصل من حي ميتته نجسة : إذا كان مما تحله الحياة ؛  لقوله صلى الله عليه و سلم : " ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة "[19] .
4 - المني[20] والمذي[21] والودي[22] :من آدمي وغيره من الحيوانات ولو كان مما يؤكل لحمها.
5 - القيح والصديد: ( وهو ماء الجرح الرقيق المختلط بدم ) وما يسيل من الجسد من قروح وغيرها ، مثل نفط النار أو جرب أو حكة ونحو ذلك.
6- رطوبة الفرج من آدمي أو حيوان غير مباح الأكل : أما من مباح الأكل فطاهرة طالما أن فضلاته طاهرة فمن باب أولى طهارة رطوبة الفرج ما لم يكن يأكل النجاسة.
7 - الدم المسفوح : وهو الدم السائل من الحيوان عند موجبه من ذبح أو فصد أو جرح ، ولو كان من سمك ، بدليل قوله تعالى : " أو دما مسفوحا . . . فإنه رجس " (الأنعام : 145 ).
8 - السوداء : وهو ما يخرج من المعدة كالدم الخالص بخلاف الصفراء.
9 - فضلة الآدمي من بول و عذرة: وإن لم تتغير عن حالة الطعام ، ولو كان الآدمي صغيرا لم يتناول الطعام ، وكذا فضلة مالا يؤكل لحمه مما له دم يسيل كالحمار والبغل ، وفضلة ما يكره أكل لحمه كسبع وهر ووطواط ، وفضلة ما يؤكل لحمه إن كان يأكل النجاسة أو يشربها تحقيقا أو ظنا أو شكا.
10 - القيء والقلس المتغيران.

المطلب الثالث  : الأســــــآر

الأسآر  جمع سؤر وهو: "ما بقي في الإناء أو الحوض بعد الشرب" ، وهو أنواع:

1.    سؤر الآدمي : طاهر من المسلم والكافر[23] والجنب[24] والحائض[25].
فإن كان الآدمي يتناول النجاسة كشارب الخمر وآكل لحم الخنزير ففيه التفصيل الآتي :
§        إن تحققنا من طهارة فهمه فسؤره طهور.
§        وإن رئيت النجاسة على فمه وتغير الماء فسؤره نجس بلا خلاف ، وإن لم يتغير الماء فسؤره طاهر و يكره استعماله مع وجود غيره مراعاة للخلاف.
§        وإن لم نتحقق من طهارة فمه و لا من نجاسته ، فسؤره طاهر كذلك ولكن يكره التطهر مع وجود غيره.

2.    سؤر البهائم والسباع والطيور[26]:
الأصل طهارة سؤرها ، ولو كانت كلابا أو خنازير[27] ، أو كانت تتغذى بالنجاسات ، لكن المسألة فيها تفصيل نبينه كالآتي :

v    إن تحققنا من طهارة أفواهها :
§        فسؤرها طهور ما لم يتغير الماء .
§        فإن تغير فسؤرها طاهر غير مطهر سواء كان الماء كثيرا أو يسيرا؛ لأن العبرة بالتغير .
v    وإن رأيت النجاسة على أفواهها:
§        فإن تغير الماء فسؤرها نجس سواء كان الماء كثيرا أو يسيرا؛ لأن العبرة بالتغير .
§   وإن لم يتغير الماء فإن كان كثيرا فهو باق على طهوريته ، وإن كان يسيرا فهو طاهر ولكن يكره استعماله مع وجود غيره مراعاة لقول من يقول بنجاسته.
v    وإن لم يُتحقق من طهارة أفواهها ولم تُر النجاسة عليها :
§        فإن كان الحيوان مما يتوقى النجاسة عادة فسؤره طاهر مطهر بلا كراهة .
§   وإن كان الحيوان مما لا مما يتوقى النجاسة عادة (كالجلالة) فسؤره طاهر ولكن يكره استعماله ، ويستثنى من ذلك ما يعسر لاحتراز منه كالهرة ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :"إنها ليست بنجس ، إنها من الطوافات عليكم والطوافين"[28].


[1] لقوله تعالى:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا"(البقرة29). فتسخير المخلوقات يقتضي طهارتها ليتحقق لانتفاع بها ،  هذا هو الأصل و لا يُعدل عنه إلا بدليل.
[2] ومنها التبغ والتدخين – الذي ابتلي بين الناس في هذا الزمان - بمختلف أشكاله ، وقد يأثم من يصلي وهو يحمله في جيبه رغم طهارته ؛ لأنه من الممنوعات شرعا .
[3] العذرة هي الغائط ، وأصله المكان المنخفض ، فهو من باب تسمية الشيء باسم محله .
[4] اختلف في طهارة الكلب، وقد ذهب المالكية إلى طهارته ، وحجتهم :" وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ" [المائدة ، 4].  فلو كانت الكلاب نجسة لما أحل الله عز و جل أكل صيدها. وأيضا حديث حمزة ، قَالَ : "كَانَتِ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى  الله عليه و سلم فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ"(رواه البخاري). فولا كانت الكلاب نجسة لأمر رسول الله عليه الصلاة و السلام بإخراجها من المسجد.أما حديث أبي هريرة :" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب".فمحمول على التعبد لا على النجاسة ؛ لأن لفظ (طهور) لا يقتضي الغسل من النجاسة ، و نظيره :"السواك مطهرة للفم مرضاة للرب" . ففم الإنسان طاهر و ليس بنجس ، وقيل بل هو  لأمر طبي ، والله أعلم.
[5] اختلف في طهارة الخنزير، وقد ذهب المالكية إلى طهارته ، وحجتهم: قوله تعالى : "حرمت عليكم الميتة و الدم و لحم الخنزير" .[ المائدة 4].فالمحرم هو أكل لحمه ؛ لأن إقحام لفظ اللحم في النص ليس مجرد تفنن في علم الفصاحة ، بل هو للإيماء إلى طهارة ذاته كسائر الحيوانات - والله تعالى علم بمراده- وإعمال لفظ اللحم خير من إهماله ، والله تعالى علم بمراده.
[6] وهو ما سال من فمه في يقظة أو نوم ، ما لم يعلم أنه من المعدة بصفرة أو نتن ريح فإنه نجس.
[7] الجلدة التي تكون فيها.
[8] أما قصبة الريش فنجسة ؛ لأنها مما تحلها الحياة أي ؛ مما يجري فيه الدم ويتألم الحيوان عند نزعه ، وعكسه ما لا تحله الحياة .
[9] فإن تعذر التمييز بين الشعر أو الصوف وأصوله فيحكم بنجاسته عملا بقاعدة :"إذا اختلط الحلال والحرام غلب الحرام" والله أعلم .
[10] الجلالة : البهيمة التي تغذى بالنجاسة.
[11] ( تحجرت :(أي صار حجرا ) ( وتخللت أي صارت خلا ) ، وعلة النجاسة في الخمر كونها مسكرة ، و(الحكم يدور مع علته عدما ووجودا)، فإذا زال الإسكار زالت النجاسة.
[12] ( أي الدم غير الجاري ) ومنه : الدم الجاري في العروق حال الحياة ، أو المحفوظ في علب معقمة ما لم يتغير. 
[13] الترمذي ج 1 / الطهارة باب 52 / 69
[14] ابن ماجة : ج 2 / كتاب الأطعمة باب 31 / 3314
[15] الذكاة الشرعية هي : الذبح بيد مسلم أو كتابي على الكيفية الشرعية مع ذكر اسم الله تعالى عليه . فإذا كان الذابح غير مسلم أو ذمي ( لا دين له ) فيحرم أكل الحيوان المذبوح على كل المذاهب . وإذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه عمدا أو سهوا فأكله مكروه عند السادة المالكية ، وطاهر يؤكل لحمه بغير كراهة عند السادة الشافعية ، أما عند السادة الحنفية : إذا تركت التسمية عمدا فلا يؤكل لحمه ، وإن تركت سهوا فيؤكل . وإذا ذبح الحيوان بغير الكيفية الشرعية وخرج كامل الدم فيؤكل لحمه ، أما إذا لم يخرج كامل الدم فلا يؤكل لحمه.
[16] ومن مرادفات النجاسة: الرِجس و الخَبَث و الرِكس والقَذَر والنتن والأذى.
[17] وكذلك أجزاء الميتة فهي نجسة ، و لا يستثنى منها إلا ما استثناه الدليل ، وهو : الصوف والشعر والوبر والريش ؛ لأنها مما لا تجري فيه الحياة ، وكذلك الجلد إذا دبغ ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا دبغ الإهاب فقد طهر"(أخرجه مالك رقم 1063) . وقد اختلف في الطهارة الواردة في الحديث،  فقيل : لغوية ، وقيل بل هي شرعية ، وهذا الأخير أرجح ؛ لأن لفظ الشارع إذا تردد بين معنيين أحدهما لغوي والآخر شرعي حمل على الشرعي وجوبا ، ما لم يمنع من إرادته مانع ، ومما يؤيد هذا أن الرسول إنما بعث لبيان المعاني الشرعية لا اللغوية.
[18] العاج مما اختلف فيه ، فقيل نجس ، وقيل إن صقل فهو طاهر كالجلد المدبوغ ، والمعتمد أنه طاهر و لكن يكره استعماله كراهة تنزيه.
[19] أبو داود : ج 3 / كتاب الصيد باب 3 / 2858.
[20] المني: ماء يخرج عند اللذة بجماع وغيره وهو من الرجل على الغالب أبيض غليظ ، ومن المرأة أصفر رقيق . والدليل على نجاسته ما روى علقمة والأسود أن رجلا نزل بعائشة رضي الله عنها . فأصبح يغسل ثوبه . فقالت عائشة :"إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه فإن لم تر نضحت حوله ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه و سلم فركا فيصلي فيه" (مسلم : ج 1 / كتاب الطهارة باب 32 / 105 ) فحمل المالكية الحديث على الوجوب كما عند السادة الحنفية أما عند السادة الشافعية فحملوه على الندب.
[21] والمذي : ماء رقيق يخرج عند تذكر الجماع ونحوه ودليل نجاسته : قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لعلي رضي الله عنه وقد سأله عن المذي:( إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة . . . " (أبو داود : ج 1 / كتاب الطهارة باب 83 / 206 ).
[22] الودي : ماء أبيض ثخين يخرج عقب البول غالبا فحكمه حكم البول.
[23] أما قول الله تعالى: (إنما المشركون نجس) فالمراد به نجاستهم المعنوية، من جهة اعتقادهم الباطل، وعدم تحرزهم من الاقذار والنجاسات، لا أن أعيانهم وأبدانهم نجسة، وقد كانوا يخالطون المسلمين، وترد رسلهم ووفودهم على النبي صلى الله عليه وسلم ويدخلون مسجده، ولم يأمر بغسل شئ مما أصابته أبدانهم.
[24].عن ابن عباس "اغتسل بعض أزواج النبي في جفنة ، فجاء يغتسل فقلت: إني كنت جنبا ، فقال:  إن الماء لا يجنب"(أخرجه الترمذي وابن ماجه).
[25] عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع في" (رواه مسلم) فدل ذلك على طهارة سؤر الحائض.
[26] سئل صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال :" نعم . وبما أفضلت السباع كلها" (أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي).
[27] طهارة سؤرهما تبعا لطهارة أصلهما – كما أسلفنا – أما حديث :"إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ، ثم ليغسله سبع مرار"(أخرجه البخاري رقم1/51/ رقم 172) فمحمول على الاستحباب لا الوجوب خلافا لقوم.
[28] أخرجه مالك في الموطأ . كتاب الصلاة . باب الطهور للوضوء. ح رقم 13