......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الاثنين، 8 يوليو 2013

روضة مراتب الصيام



أيها الإخوة الكرام :  مرحبا بكم في روضة من رياض الجِنان ، طبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلا ، وفي مجلس اليوم سنتطرق – بحول الله وتوفيقه – إلى بيان مراتب الصوم ، وهي كما بينها أهل العلم  ثلاث مراتب  :
صوم العموم  . وصوم الخصوص.  وصوم خصوص الخصوص.
أولا : صوم العموم
والمراد به الإمساك عن شهوتي البطن والفرج  من أكل وشرب وجماع ، من طلوع الفجر إلى غروبها ، وهذا هو المعهود في أحوال كثير من الناس ، لكنه ليس هو الصيام الذي يقصده الشرع .
ثانيا : صوم الخصوص
وهو بالإضافة إلى الإمساك عن شهوتي البطن والفرج ، أن تصوم بقية جوارحه عن الآثام ، فيصوم سمعه وبصره ، ويده ورجله ، وأن يصوم لسانه ، وهذا هو الصيام الذي يريده الشارع ويدعو إليه ويرغب فيه ، وفيما يلي تفصيل ذلك بإيجاز:
1- صوم السمع : و يكون بعدم الإصغاء إلى ما نُهِيَ عنه شرعا ، كالتجُّسس على الناس ، وكالاستماع إلى الموسيقى والغناء ، والكف عن الاستماع إلى سائر الأقوال المحرمة كالغِيبة والنميمة ونحوهما ، و في الأثر : " المغتاب والمستمع شريكان في الإثم"( غريب ذكره أبو حامد في الإحياء ) وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر بسند ضعيف قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة وعن الاستماع إلى الغيبة ".
 2- صوم البصر:  و وهو أن يكف بصره عن النظر إلى المحرمات شرعا ، كالنظر إلى محاسن النساء ، والنظر إلى الأفلام والمسلسلات المشتملة على العري والخلاعة ، وأن يكف بصره كذلك عن النظر إلى العورات وعن كل ما يشغل عن ذكر الله تعالى ،  فالمطلوب من الصائم أن يحفظ عينه عن سائر المحرمات ، فالعين نعمة عظيمة ينبغي توظيفه فيما يرضي الله تعالى ، وإلا استحالت إلى نقمة والعياذ بالله ، فالله تعالى إنما خلق العين للإنسان ليهتدي بها في الظلمات ، ويستعين بها على قضاء الحاجات ، وينظر بها إلى عجائب ملكوت الأرض والسماوات ، وما أو دع الله فيهما  من الآيات الباهرات، وقد طلب الشارع الحكيم من عباده المؤمنين أن يكفوا أبصارهم عن المحرمات ، فقال الله تعالى : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم " ( النور30 ) ، وهو أمر مطلوب على الدوام ويزداد تأكيده في رمضان ؛ لإخلاله بحقيقة الصيام ، قال النبيِّ صلى الله عليه وسلم:  " ..لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَِإنَّ لَكَ الُأولَى وَلَيْستْ لَكَ الآخِرَةُ " ( رواه أبو داوود ) . و قال أيضا عليه الصلاة والسلام : " إيَّاكم والنظرة، فإنها تزرع في القلب شهوة"( أخرجه البيهقي ) ، وُسئِلَ الجنيْد رضي الله عنه : " بِمَ يُستعان على غِّض البصر؟ فقال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره".
3- صوم اليد:  وهو حَبْسُها عن البطش والاعتداء على الغير والتطاول على عليهم بالضرب والأذى ، وكفها عن اقتراف المحرمات  من كَسب خبيث أو تطفيف في الكَيْل والميزان ، أو سرقة أو أخذ رشوة ، أو لعب ميسر، أو كتابة ما فيه إثم وغير ذلك .... وبعض الناس يعكس هذا الأمر تماما في رمضان ، فانظروا إلى هذه الشجارات التي نسمع عنها كل يوم ، والتي قد وصل بعضها إلى حد الطعن بالسكين والعياذ بالله ، فهذه أمور خطيرة وهي من كبائر الذنوب ، وتتنافى مع ما ينبغي أن يكون عليه المسلم في أحواله العادية فكيف يقدم عليها وهو صائم !!! أولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " ( متفق عليه ). وبعض الناس يشتد به الغضب في رمضان حتى يفقد صوابه ، حدث مرة وأن تشاجر شخصان أمامي ، فقال أحدهم : اللهم إني صائم ، فرد عليه الآخر قائلا : اللهم إني لست صائما !! إن الصيام فرض ليهذب النفس ويقلل من حدتها ، لكن يبدو أن أغلب الناس ضعُف عندهم معنى الصوم ، أو غاب عنهم مفهومه الحقيقي ، فأصبحوا ينظرون إلى الصيام كإحدى العادات الاجتماعية التي تعَوَّدوا استقبالها وإحياءها كل سنة، دون أن يتأملوا في مقاصده وأبعاده، ولا أن يتفكروا في أسراره، ولا أن تظهرَ عليهم فوائده وآدابه، وبالتالي غاب تأثيره في حياتهم وواقعهم وفي حالهم مع ربهم عز وجل !!
لقد قلت لهؤلاء وأمثالهم - مرارا وتكرارا - : من كان يغلب على ظنه أنه قد ينزل إلى هذا المنزلق الخطير بسبب الصيام فليعتزل الناس في الأوقات التي  يتغير فيها مزاجه ، وهذا خير علاج له ، وقد قعد علماؤنا قاعدة هامة ، وهي قاعدة : (سد الذرائع) ومعناها : منع ما يجوز ليلا يؤدي إلى ما لا يجوز ، أو كما يقال : الباب الذي يأتيك منه الريح سده واستريح .
4 – صوم الرجل : وهو ألا يسعى الصائم إلى ما فيه مفسدة ، كالمشي في وشاية بُمسلِم أو إثارة فتنة بين الناس ، أو السعي  إلى أماكن تتعاطى فيها المحظورات ، كأماكن اللهو والقمار ، ومجالس الغيبة وتتبع العثرات والعورات  ...
- 5 صوم اللسان : وهو أن يصوم عن فضول الكلام ، و عن الكذب والغِيبة والنميمة والفحش، و تعيير الناس والاستهزاء بهم ، و شهادة الزور، والخلف في المواعيد ، إذا وعد وهو يضمر خلاف ذلك ، واللسان شأنه خطير جدا أيها الإخوة ، فهو الذي يكب صاحبه على وجهه في النار يوم القيامة .
 و في الحديث: " الِّصيَامُ جُنَّةٌ ، فَإذَا كَانََ أحَدُكُمْ َصائِمًا فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ، فَِإنِ امْرُؤ قَاتَلَهُ أوْ شاتَمه فَلْيَقُلْ:ِ إنِّيَ صائِمٌ إنِّي صائِمٌ" (أخرجه مسلم). والمراد بالرَّفَث هنا: الكلام الفاحش، وقوله صلى الله عليه وسلم : (الَّصيامُ جُنَّةٌ)  أي وقاية من النار ، قال ابن العربي: " إنَّمَا كَانَ الَّصوْمُ جُنَّةً مِنَ النَّار؛ لِأنَّهُ ِإمْساكٌ عَنْ الَّشهَوَاتِ ، وَالنَّارُ مُحفوفَةٌ بِالَّشهَوَاتِ" . وقال ابن حجر معقِّبًا على هذا : " فَا لحاصل َأنَّهُ إذَا كَفَّ نَفْسهُ عَنِ الَّشهَوَات في الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ ساتِرًا لَهُ مِنَ النَّار في الآْخِرَة ".  فمن لم يكف جوارحه عن الشهوات فأي جُنة وأي ثواب له في الصيام !!!  فإنما هو جائع وعطشان ،  قال صلى الله عليه و سلم:  " رُبَّ صائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صيَامِهِ إلَّا الجوْعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إلَّا الَّسهَرُ" (أخرجه النسائي في الكبرى ). وقال أيضا عليه الصلاة والسلام : " مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشراَبَهُ "
وصدق القائل :
إذا لم يَكُــــن في الَّسمـعِ مني تصاممٌ    وفي مُقْلَتي غَّض وفي مَنطِقيَ صمْتُ 
فحَظِّي إذًا منَ صوْمِيَ الجوعُ والظَّما    وإن قُلْتُ إنيُ صمْتُ يومًا فَمَاُ صمْتُ

ثالثا : صوم خصوص الخصوص
وهو زيادة على ما سبق ذكره من الإمساك عن شهوتي البطن والفرج ، وكف الجوارح عن الآثام ، أن يصوم القلب عن الهمم الدَّنِيَّة ، والخواطر الشهوانية ، وكفه عما سوى الله بالكلية  فلا يتعلق قَلْبُه إلا بالله ، مع ممارسته لحياته العادية لتحقيق مراد الله في إعمار الكون ، وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين.
فعلينا أيها الإخوة الكرام أن ندرك هذه العاني ؛ ليلا يكن حظنا من الصيام الجوع والعطش والتعب ،  فالصيام ليس إمساكا عن الأكل و الشرب وحسب ، ولكنه بالإضافة إلى ذلك إمساك عن المفطرات المعنوية ، التي سبق بيانها ، وهو أمر يسير على من يسره الله تعالى ، لكنه يحتاج إلى مجاهدة و محاسبة للنفس ، ومخالفة للهوى ، وصدق القائل :
والنفس كالطفل إن تهمله شب علــى      حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فــــلا ترم بالمعاصي كسر شهـــوتها      إن الطعام يقوي شهــــوة النهم
أعاننا الله وإياكم على مجاهدة أهوائنا ، وإلى لقاء آخر ، إن شاء الله تعالى ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . 



الأحد، 7 يوليو 2013

روضة فضائل رمضان



أيها الإخوة الكرام : إن الله تبارك وتعالى من علينا بنعم كثيرة ، و من أعظم تلك النعم ، أن أكرمنا بشهر رمضان المبارك ، فهو شهر عظيم لو يعلم الناس ما فيه من الخيرات والبركات ؛ لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان ، ولقد أدرك السلف قيمة هذا الشهر ، وما انطوى عليه من الفضائل والكرامات ، وما أعد الله فيه لأوليائه من العطايا والهبات ؛ فكانون يفرحون بقدومه ، و يحرصون على اغتنامه ، قال المعلّى بن الفضل: ( كان السلف يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم ). وقال يحي بن أبي كثير: ( كان من دعائهم اللهم سلمني إلى رمضان، وتسلمه مني متقبلا ) .
ومن أهم ما اشتمل عليه هذا الشهر من الفضائل  والخصائص:
1- أن الله أنزل فيه القرآن ، والقرآن أفضل ما في الوجود ، قال تعالى: " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان " (البقرة:185). والمقصود بهذا الإنزال : إنزاله من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وكان ذلك دفعة واحدة ، ثم تتابع نزوله منجما ( مفرقا ) حسب الوقائع والأحداث ، ولما كان شهر رمضان شهر القرآن ، كان السلف  يتفرغون فيه لتلاوة القرآن الكريم ، و يجعلونه أول اهتماماتهم ، ويحتفون به أي إحتفاء ، فهذا  الإمام مالك بن أنس كان لا يفتي ولا يدرِّس في رمضان، ويقول: هذا شهر القرآن. و كذلك الإمام أحمد بن حنبل  كان يُغلِق الكتب ويقول: هذا شهر القرآن.
2- أنه شهر العتق من النار: فعن أبي هريرة رضي الله عنه : قال صلى الله عليه وسلم:  "...وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة ") رواه الترمذي) والمراد بهؤلاء العتقاء : أنهم أناس استحقوا دخول النار بأفعالهم السيئة ، فيمن الله عليهم بالعتق من النار في هذا الشهر الفضيل ، فيحررهم من النار بفضله وكرمه .
3- أنه شهر تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار:  لقوله صلى الله عليه وسلم:  " إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين " (البخاري). قال القاضي عياض: يحتمل أنه على ظاهره، وحقيقته أن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين......قال: ويحتمل أن يكون فتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار عبارة عن صرف الهمم عن المعاصي الآيلة بأصحابها إلى النار، وتصفيد الشياطين عبارة عن إعجازهم عن الإغواء وتزيين الشهوات...والله أعلم.
4 - ومن فضائله أن خلوف فم الصائم( وهم تغير رائحة فمه بسببب الصيام ) أطيب عند الله من ريح المسك: لقوله صلى الله عليه وسلم:  " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" ) البخاري.(

5-  وأن الدعاء فيه مستجاب: فقد قال تعالى بعد آيات الصيام:  " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان"( البقرة:186) ، وقال صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم") رواه أحمد). وقال أيضا عليه الصلاة والسلام : "إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد ") ابن ماجة والحاكم) .

6- أنه شهر المغفرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" : من صَام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدّم من ذنبه) " رواه البخاري .(و عند أحمد": وما تأخّر".  وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم : "من قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدّم من ذنبه") رواه البخاري ومسلم) ، وعن عبادةَ بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  "من قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غفِر له ما تقدّم من ذنبِه وما تأخّر") رواه أحمد والطبراني).

7- أن الصيام اختص الله به من دون سائر العبادات: قال عز وجل في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به". ومعناه أن الأعمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يضاعفه الله عز وجل أضعافا كثيرة، بغير حصر عدد فإن الصيام من الصبر ، وقد قال الله تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب "[الزمر:10]. و الحكمة في إضافة الصيام إلى الله عز وجل ، أن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره، لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله، وترك لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها دائما، ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة، والله عز وجل يحب من عباده أن يعاملوه سرا قال تاجُ الدّين السّبكي: قولُهﷺ: (الصّوْمُ لي وأنا أجْزي به) أغْربُ معنى نُقل فيه:أن خُصماء العبد يوم القيامة يأخذون لمظالمهم من كلِّ أعماله إلا الصّوم فلا سبيل لهم عليه لأنّه لله تعالى فإذا لم يبْقَ إلا الصوم تحمّل الله ما بقي من المظالم فأدخله الجنّة بصومه ".

8 - أنه شهر تتضاعف فيه الأعمال الصالحة ، قال صلى الله عليه و سلم : " من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه" ( أخرجه ابن خزيمة )
وفضائل رمضان كثيرة أيها الإخوة الكرام:  فإن الصائم يعطى فيه من الخير ما لا يعلمه إلا الله ، وله في الجنة ما شاء من طعام وشراب ونساء....قال الله تعالى: "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية " (الحاقة:24.( قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه غيرهم". فاحذروا إخوتي أن يفوتكم هذا الخير العميم ، فإننا لا ندري إن كنا سنعيش إلى رمضان القابل أم لا ؟؟؟؟؟ فالأعمار بيد الله ، وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا !!! وأعظم الخاسرين من أدرك رمضان ولم يغفر له فيه كما جاء في الحديث .
فنسأل الله تعالى أن لا يحرمنا من فضائل رمضان ونعوذ بالله أن نكون من الخاسرين فيه ، وإلى لقاء آخر إن شاء الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

روضة التوبة



تمهيد
أيها المؤمنون: تقبل الله منا وإياكم الصيام والقيام ، ورزقنا وإياكم الصدق والإخلاص لوجهه الكريم ،  وفي مجلس هذا اليوم سنتحدث عن التوبة ؛ لأن شهر رمضان هو شهر التوبة ، وهو فرصة ثمينة للتوبة النصوح التي تنقلنا من مرارة المعصية إلى لذة الطاعة، و من وحشة الغفلة إلى أنس الذكر، فالتوبة ملاذ مكين وملجأ حصين، يلجه المذنبون معترفين بذنوبهم ، راجين رحمة رهم ربه ، نادمين على أفعالهم ، غير مصرين على خطاياهم ، فيتبعون السيئة الحسنة ؛ فيكفر الله عنه سيئاتهم ويرفع لهم من درجاتهم ، والتوبة الصادقة تمحو الذنوب والسيئات مهما عظمت ، حتى الكفر والشرك  ، لقوله تعالى : " قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ "[الأنفال:38].
حقيقة التوبة و شروطها
وحقيقة التوبة أيها المؤمنون: هي الإقلاع عن المعاصي، والندم عليها ، والعزم على عدم الرجوع إليها ، وينبغي أن يكون ذلك بدافع الحياء من الله ، فشتان بين من يترك المعاصي خوفا من ملامة الناس ، وبين من يتركها حياء من رب الناس !!!!
- ومن شروط  التوبة أن تكون من قريب ، أي قبل أن يدركه الموت ، لقوله تعالى : "إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا"(النساء17- 18). وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إنَّ اللَّهَ يَقْبلُ تَوْبَةَ العبدِ مَا لَمْ يُغَرغِر" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
- ومن شروطها أيضا أن تكون نصوحا ؛ لقوله تعالى : " تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا " ، والتوبة النصوح هي ما توفرت فيها الشوط الآتية :
1- أن يقلع التائب عن المعصية ، أي أن يبتعد عنها.
2- وأن يندم على فعلها ، فإن السرور بالمعصية أكبر من المعصية .
3- وأن يعزم على أن لا يعود إلى مثلها مرة أخرى .
هذه شروط التوبة إذا كانت المعصية بينك وبين الله ، أما إذا كانت المعصية تتعلق بحق من حقوق العباد ، فإنه بالإضافة إلى الشروط الثلاثة السابقة يوجد شرط رابع ، وهو أن يؤدي التائب حقَّ الناس ، فإن كان مالاً ردَّه إليهم ، وإن كان أرضاً عدَّل حدوده مع جيرانه ، وإن كان غيبةً أو نميمة أو طعنا في الأعراض فلا بد من طلب العفو والمسامحة ممن آذاهم وأشاع عنهم.
حكم التوبة ودعوة الإسلام إليها
واعلموا أيها الإخوة الكرام :أن التوبة واجبة على الفور ، فلا يجوز تأخيرها أو التكاسل فيها ، بل إن تأخير التوبة ذنب يحتاج هو الآخر إلى توبة ، والتوبة واجبَة على كلِّ مسلم ، لقوله تعالى : "وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31] . فلا يستغني أحد عن التوبة أيا كان شأنه ، فمن كان واقعا فِي معصية كبيرة تجِب عليه التّوبة ؛ لئلاّ يبغتَه الموتُ وهو على ذلك ، فيندم حين لا ينفع الندم ، والواقعُ في معصية صغيرةٍ تجِب عليه التّوبة أيضا ؛ لأنّ الإصرارَ على الصغيرة يصيرها من الكبائر، وقد قال أهل العلم : ( لا كبيرة مع استغفار و لا صغيرة مع إصرار) ، بل و تجِب التّوبة حتى على  من كان مؤدِّيا للواجباتِ تاركا للمحرّمات ؛ إذ لا يمكن لأحد أن يدعي بلوغ الكمال في امتثاله للمأمورات أو تركه للمحظورات ، فالمكلَّف لا ينفك من تقصير في طاعة ، أو سهو وغفلة ، أو خطأ ونسيان ، أو ذنب وخطيئة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم" رواه مسلم . وقال أيضا : " كلكم خطاء، وخير الخطائين التوابون" أخرجه أحمد.
وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم – وهو الذي غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر – يتوب إلى الله ويستغفره  في اليوم أكثر من سبعين مرة ، إذ روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً " ، وأين نحن من رسول الله ؟ فكيف لا نتوب إلى الله ونستغفره لذنوبنا ، والله تعالى ينادينا بقوله : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ "[التحريم:8]. وعن أبى موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " ( مسند أحمد 4/395).
الترغيب في التوبة والتحذير من تأخيرها
ومن فضل الله وكرمه على عباده أنه يفرح بهم إذا تابوا إليه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ " ( مسلم : كتاب التوبة 17/64،63).
ألا يسرك أخي أن يفرح بك خالقك ومولاك ! وكيف لا يطير قلبك شوقا إلى الله بعد سماعك لهذا الخبر ، الذي يبشرك بهذا الترحاب العظيم من الله تعالى بعباده التائبين !!
- واعلم أخي المسلم : أن أسعد أيام عمرك هو ذلك اليوم الذي تتوب فيه إلى الله ، جاء في قصة كعب بن مالك حينما تخلف عن غزوة تبوك ، ثم ندم على ذلك وتاب إلى الله ،  فلمّا نزلت آية قبول توبته ، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه فسلّم عليه، فاستقبله النبي وهو يبرق وجهه من السّرور، وقال له: " أبشِر بخيرِ يومٍ مرّ عليك منذ ولدَتك أمّك "رواه البخاريّ ومسلم.
- ومهما بلغت ذنوبك – أخي المسلم – فلا تيأس من رحمة ربك ؛ فإن الله تعالى يناديك بقوله : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ "(الزمر53). وقال تعالى : " وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ " (الشورى25). وفي الحديث : " التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ" رواه ابن ماجه. فقط عليك أن تتوب إلى الله وتستغفره قبل فوات الأوان ، ومما ينبغي أن تحذره التسويف وتأخير التوبة ؛ فهو من أعظم المهلكات ، التي تعترض سبيل التائبين ، ومعلوم أن الموت يأتي بغتة ، وأنه لا أحد يعلم ساعة موته ؛ فمن الحماقة – إذن- تأخير توبة اليوم إلى الغد .


يا من مد في كسب الخطــــــــايا

خطاه أما آن لك أن تتــــــــــوبا
فيا خجلاه من قبح إكتســـــابــي

إذا ما أبدت الصحف العيـــــوبا
أنا العبد المفرط ضاع عمـــري

فلم أرع الشبيبة والمشيــــــــبا
أنا الغدار كم عهدت عهـــــــداً

وكنت على الوفاء به كــــــذوبا
أنا العبد المخلف عــــــن أنـاس

حووا من كل معروف نصيـــــباً
أنا المضطر أرجو منك عفـــواً

ومن يرجو رضاك فلن يخيـــــبا

أسأل الله ألا يخيبنا ، وأن يعيننا على التوبة إليه ، وإلى لقاء آخر إن شاء الله ، والحمد لله رب العالمين.