......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الجمعة، 26 أغسطس 2016

الحلقة (12) من منهج السلف احترام المخالف وإنصافه

من منهح السلف احترام المخالف وإجلاله ، ومحبته وإنصافه ، والثناء عليه بما هو أهله ، وما كان خلاف ذلك فلس بمنهج سلفٍ وإن زعم اصحابه أنه كذلك ، وفي ما يلي بعض الصور المبينة لمنهج السلف عند الخلاف.
أولا: الخلاف بين عمر وابن مسعود رضي الله عنهما
اختلفا في نحو 100 مسألة ذكرها ابن القيم في إعلام الموقعين ، منها :
(
1) أن ابن مسعود كان ينهى عن وضع اليدين على الركب في الركوع ويأمر بالإطباق؛ وخالفه عمر بن الخطاب.
(2) اختلفا أيضاً في الرجل زنا بامرأة ثم تزوجها؛ فكان ابن مسعود يرى أنهما لا زالا يزنيان حتى ينفصلا ؛ وخالفه عمر فذلك (1)
وعلى الرغم من ذلك الاختلاف كان الاحترام سائدا بينهما ، والمودة قائمة بينهما في أعلى صورها.
فيقول عمر بن الخطاب عن ابن مسعود: "كنيف ملئ فقهاً أو علماً؛ آثرت به أهل القادسية".(2)
ويقول ابن مسعود عن عمر: "كان للإسلام حصناً حصيناً؛ يدخل الناس فيه ولا يخرجون، فلما أصيب عمر انثلم الحصن".(3)
ثانيا:خلاف ابن عباس مع علي وزيد وابن مسعود.
فكان زيد وعلي وابن مسعود لا يرون توريث الإخوة مع وجود الجد، وخالفهم ابن عباس في ذلك ، وكان يقول:
"ألا يتقي الله زيد يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أباً".
وقال أيضا :
"لوددت أني وهؤلاء الذين يخالفونني في الفريضة نجتمع فنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين".(4)
و وعلى الرغم من هذا الخلاف كان ابن عباس - على جلالة قدره - يتواضع ويأخذ بخطام ناقة زيد ويقول لزيد:
"هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا".
ويقول له زيد:
"أرني يدك، فأخرج ابن عباس يده فقبلها زيد وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا صلى الله عليه وسلم" [يعني تقبيل اليد]. (5)
ولما دفن زيد قال ابن عباس: "هكذا ذهاب العلم، لقد دفن اليوم علم كثير"(6)
هكذا كان منهج السلف ، وهكذا ينبغي أن يكون سلوك المنتسب لمنهج السلف.
فلم يصف أحد منهم مخالفه بأنه ضال ، أو مبتدع ، أو فاسق، أو متبع للهوى ، وما هجر أحد منهم مخالفه أبدا ، كما هو الشأن عند بعضنا اليوم الذين جعلوا منهج السلف منهجا عدائيا ، قائما على الغيبة والنميمة ، والهجران والقطيعة ، والعداوة والبغضاء أبدا.
ولا أزال أذكر عندما مات الشيخ البوطي رحمه الله ، قال قائل منهم :
" استراحت البلاد والعباد من شره وضلالاته؟!".
قارن أيها القارئ بين هذا السلوك وبين سلوك السلف وقد تقدم ؛ لترى براءة منهج السلف من هذه الطوائف التي نسأل الله لنا ولها الهداية. 

ومما ينبغي أن يبرأ منه منهج السلف أيضا ما يفعله بعضهم ممن لا يفقهون فن التعامل مع المخالفين، فإذا كانت لهم مآخذ على عالم أو فقيه أو مفكر ... طمسوا كل آثاره الطيبة ، و لربما صنفوه - بسبب رأي أو موقف معين - في خانة من لا يؤخذ العلم عنهم ، وهذا دليل جهل بل هو أمارة على اتباع الهوى ! فمن الحق والعدل والإنصاف أن نأخذ ما كان حقا ونرد ما كان باطلا ، وسواء في ذلك ما كان صادرا عن خصم لدود أوعن ولي حميم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

"واللهُ قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق ، وألا نقول عليه إلا بعلم ، أمرنا بالعدل والقسط ، فلا يجوز لنا إذا قال يهودي أو نصراني فضلاً عن الرافضي قولاً فيه حق أن نتركه ، أو نرده كله ، بل لا نرد إلا ما فيه من الباطل دون ما فيه من الحق".[منهاج السنة النبوية ج/ ص342].

وقال الإمام الذهبي -رحمه الله

"ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له، قمنا عليه وبدعناه، وهجرناه، لما تسلّم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة"[سير أعلام النبلاء 14/40].

وقال أحمد بن حنبل في اسحاق بن راهويه

"لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء،
فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضا".[السير ج/11/ص /371].

.................................................................................
(1)انظر إعلام الموقعين للإمام ابن القيم (2 / 237)
(2)
انظر الطبقات الكبرى لابن سعد [6/9)
(3)
انظر صنف ابن أبي شيبة [6 /357)
(4)
انظر صنف عبد الرزاق [10 /255)
(5)
انظر الطبقات الكبرى لابن سعد [2 /360)
(6)
انظر السنن الكبرى للبيهقي. ط المعارف بالهند [6 /211)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق