......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الجمعة، 17 يونيو 2016

رمضان مدرسة تطبيقية للبناء الإنساني المتكامل


الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد /
فإن شهر يعد مدرسة تطبيقية لبناء الإنسان بناء متكاملا ، وبناء الإنسان يعني تزكيته ، يعني تربيته ، يعني اعداده ، وتنشئته التنشئة الصالحة ، التي تجعل منه فردا مستقيما في أفكاره وسلوكه ، نافعا لنفسه ونافعا لمجتمعه ووطنه ... ومهمة بناء الإنسان ليست سهلة ، فهي تتطلب جهدا مستمرا ورعاية متواصلة ، وتحتاج الى صبر وتأني ، فلا أحد يستطيع بناء منزل في يومين ، أو تأليف كتاب في يومين ...وبناء انسان أعظم بكثير من بناء منزل او تأليف كتاب.
ولتحقيق هذه الغاية السامية ، وتيسيرها على المسلم ، شرع الله لنا صيام رمضان المعظم وندبنا إلى قيامه ، ليكون محطة إيمانية لبناء الإنسان ، بناء إيمانيا ، وروحيا ، وخلقيا ، واجتماعيا ، وبدنيا...
-   فقوله تعالى :(كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ، يتضمن اشارة الى البناء الروحي والإيماني وما ينبغي ان يكون عليه المسلم في علاقته مع الله .
-   وقوله صلى الله عليه وسلم :" وَالصِّيَامُ جُنَّة ٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ " . [رواه الشيخان]. فيه إشارة إلى البناء الخلقي والسلوكي للمسلم وما ينبغي أن يتحلى به من خلق في تعامله مع الآخرين.
-   وقوله صلى الله عليه وسلم:(من فطر صائما كان له مثل أجره..) [رواه الترمذي]. فيه دعوة الى البناء الاجتماعي وما ينبغي ان يكون عليه مجتمع الإيمان من تآزر وتضامن وتكافل بين سائر افراده.
-   وما وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :(صوموا تصحوا).[رواه الطبرانيوهو ضعيف ولكن معناه صحيح ، وفيه إشارة إلى البناء الصحي والوقاية الصحية من الضرر ، التي ينبغي أن يعتني بها المسلم ؛ ليحافظ على قوته البدنية ، لأن (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).
وإذن : فرمضان يعتبر مدرسة تطبيقية لاعداد الانسان وبنائه بناء متكاملا ، فهو مدرسة روحية ..وخلقية ..واجتماعية ..وصحية. يتمرن فيها المسلم على مختلف انواع الطاعات والعبادات ، التي تجعل منه انسانا صالحا في نفسه .. نافعا لغيره .. قويا في ايمانه واخلاقه وشخصيته وبدنه ...

ومن أهم ما يتعلمه المسلم في مدرسة رمضان ، تعلما تطبيقيا لا نظريا:

- 1الصبر:

فالصيام يعلمنا الصبر ، والصبر جزاؤه الجنة ، و(انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب). والصائم أعظم الناس صبرا ، فهو يدع طعامه وشرابه وشهوته ، طيلة نهار رمضان ، وفي الزمن الحار ، وإذا صبر على ذلك سهل عليه بعدئذ ان يصبر على كل طاعة يؤديها ابتغاء مرضات الله ، وسهل عليه ان يصبر على المحن والشدائد ، وسهل عليه ان يصبر عن فعل المعاصي والمحرمات.

2- المراقبة الدائمة لله .

والصيام يعلمنا أيضا المراقبة الدائمة لله تعالى ، تلك الرقابة أو المراقبة التي عبر عنها الإمام أحمد بقوله:
اذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل .. خلوت ولكـن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ســــــاعة ..  ولا ان ما تخفي عليه يغـيب
ألم تر ان اليوم اســــرع ذاهـب ..  وأن غدا للناظـرين قــــريب
فالصائم قد يكون وحده مختفيا عن الأنظار ؛ بحيث لا يراه احد ، أمامه طعامه وشرابه ، ولكنه لا يأكل ولا يشرب ، لانه يعلم أن الله تعالى مطلع عليه ويراه ، هذا معنى المراقبة ، ولهذا قال الله تعالى في الحديث القدسي : "الصيام لي وأنا أجزي به " . أي ان الصوم سر بين العبد وربه . وإذا تمرنا على هذه المراقبة من خلا صيامنا تعودنا عليها بعدئذ في سائر أحوالنا وكافة أوقاتنا.

- 3الشعور بالفقراء والمحتاجين.

كما يعلمنا الصيام الشعور بحاجات إخواننا الفقراء ، ويولد فينا الإحساس بمعاناتهم ، وذلك أننا حينما نجوع نتذكر الجائعين ، وحينما نشتهي اللحم في نهار رمضان نحس بالفقراء الذين يشتهون اللحم في سائر ايام العام ...فيدفعنا ذلك الى العطف عليهم ومساعدتهم بالقدر المستطاع ، و "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا".

- 4 تيسير العبادات

كما ان قيام رمضان والوقوف ساعة كاملة او اكثر في صلاة التراويح ، من شأنه أن يهون علينا ما دون ذلك من أداء الصلوات المفروضة او المسنونة ... التي لا يستغرق اداؤها دقائق معدودات ، وهذا يعتبر نوعا من الرياضة البدنية التي يتعلمها المسلم من مدرسة رمضان.

- 5 المواظبة على قراءة القرآن

وأخيرا : فإن شهر رمضان يدربنا على المواظبة على قراءة القرآن ، فإذا كنا في كل يوم من ايام رمضان نقرأ حزبين على الأقل ، فإن هذا من شأنه ان يرسخ فينا الرغبة المستمرة في تلاوة القران العظيم ، بأن يكون لنا ورد مستمر في سائر العام ...فنكون بذلك من اهل الله تعالى ، كما ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن لله اهلين أهل القرآن هم أهل الله وخاصته".
ويكفيك عزا وشرفا ان تكون من أهل الله تعالى ، وإذا كان أحدنا يدافع عن أهله وسهر على رعايتهم ، فإن الله تعالى أشد دفاعا وأعظم رعاية لأهله ، وهم أهل القرآن العظيم ، ولذلك قال العلماء : ( إذا لم يكن أهل القرآن أولياء الله فليس لله ولي).
فهكذا نرى - أيها الإخوة - أن رمضان يعد مدرسة تطبيقية للتربية الروحية والخلقية والاحتماعية والصحية .... فهو شهر البناء المتكامل للإنسان ، وهذا ما ينبغي ان نلتفت إليه من المعاني والحكم التي اشتمل عليها هذا الشهر الفضيل ، لئلا نكون ممن عناهم المصطفى بقوله : (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب)[رواه النسائي وابن ماجه]
والحمد لله رب العالمين


هناك تعليقان (2):

  1. جزاك الله كل خير شيخنا

    ردحذف
  2. جزاك الله خيراً وبارك فيك

    ردحذف