......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الخميس، 29 نوفمبر 2012

وماذا بعد الانتخاب ؟


 خطبة الجمعة بمسجد الإمام  مالك بن أنس بمدينة التلاغمة – الجزائر 30 /2012/11 م بمناسبة انتخاب المجالس الولائية والبلدية

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

غــزة المحاصرة بين الألم والأمل


المحامد
الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد /
مجتمع الإيمان جسد واحد
فإن الله تعالى قد فرض الإخوة بين المؤمنين ، كما فرض عليهم الصلاة ة والصيام  والحج والزكاة ، فقال جل ثناؤه : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ..." [ الحجرات 10 ]  ، كل المؤمنين إخوة ، مهما تباعدت أقطارهم ، ومهما اختلفت جنسياتهم ، ومهما تباينت لغاتهم ، فهم إخوة تجمعهم رابطة واحدة ، ومن لطائف هذه الآية وأسرارها : أنها جاءت بالصغة الخبرية ، لا بالصغة الإنشائية ؛ وذلك لتؤكد أن الإخوة بين المؤمنين أمر قد فرغ منه ، فلا مجال فيه للمناقشة و المساومة  ، إذ به حكم الله في عليائه ثم أنزله قرآنا يتلى  وجعله دستورا خالدا إلى يوم الدين .
ويأتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا حقيقة الإخوة ، حيث ضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة البيانية في وصف حقيقة الإخوة بين المؤمنين ، فقال – عليه الصلاة والسلام - : " مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى "[1]  و هذا ليس مجرد تشبيه بلاغي ، بل هو أمر تكليفي واجب علينا امتثاله ، فهو - صلى الله عليه وسلم – يقول لنا : هكذا ينبغي أن يكون مجتمع الإيمان ، وهكذا ينبغي أن تجسدوا فريضة الأخوة في كيانكم إن كنتم مؤمنين حقا، وفي حديث آخر "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "[2]
موقف المسمين مما يحدث في غزة
وبعد بيان هذه الحقيقة إننا لنتساءل  بمرارة ، ما هو موقفنا اليوم ونحن  نرى إخواننا في غزة المحاصرة يتعرضون لأبشع الهجمات الحربية ، والإبادة الجماعية التي ينفذها اليهود و من ورائهم أمريكا الطاغية ، ومن حذا حذوهم  من الكافرين والمتخاذلين ،  الذين تلاقى جمعهم  على ضرورة إبادة هذه العصبة المؤمنة ،  لا لشيء إلا أنهم قالوا ربنا رب السماوات والأرض فلن نركع لغيره ولن نخضع لسواه  ،  و في أيام معدودات معلومات خالدات شاهدات : استشهد وجرح المئات ،  من الرجال والنساء والأطفال !!
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [ آل عمران 169- 170]
فالذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم رخيصة في سبيل الله ، دفاعاً عن دينهم ووطنهم ومقدساتهم ليسوا أمواتا بشهادة القرآن ، وإنما الأموات الذين خانوا العهود وباعوا دينهم بعرض من الدنيا قليل .....
لكن ما هو موقفنا و ما هو شعورنا - أيها الإخوة - ونحن نرى أشلاء إخواننا تمزق ، و دماؤهم تسفك ، ومنازلهم تدمر من فوق رؤوسهم ؟؟؟
وما ذا لو يرى أحدكم أولاده أشلاء ممزقة يحملها بين يديه ؟؟ ورأى أهله وأقرباءه في دمائهم يسبحون وهو لا يستطيع أن ينجدهم  ؟؟ إنه أمر مهول حقا  !!  هذا الشعور الذي يشعر به أحدنا عند مصابه ، ينبغي أن يكون هو ذاته تجاه إخواننا في غزة ، وإلا فلا قيمة لإيماننا و لا وزن  لعباداتنا ، "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " والمؤمنون جسد واحد كما وصفهم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم .
ومن عجائب هذا الزمن أن ترى المسلمين يمزقون كل ممزق ... في حين تجد مسلمين آخرين يمرحون ويلعبون وينفقون الأموال الطائلة على حفلات الرقص والمجون ؟؟؟ 
لما ذا توجه تلك الأموال -  أو على الأقل جزء منها  - إلى نصرة إخوانهم في غزة الذين يدافعون  عن شرف الأمة الإسلامية بأبجمعها ؟؟  ثم إن هذه المواقف المخزية تنتهي بأصحابها إلى البوار ، قال -  صلى الله عليه وسلم - : "لا يقفن أحدكم موقفا يقتل فيه رجل ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضر حين لم يدفعوا عنه ولا يقفن أحد منكم موقفا يضرب فيه أحد ظلما فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه "[3]
هذا فرد واحد تترتب على خذلانه وعدم نصرته اللعنة من الله جل جلاله ، واللعنة تعني الطرد والحرمان من رحمة الله ورضوانه ، وكفى بذلك نقمة .
فإذا كان خذلان فرد واحد يسبب كل هذا العذاب ، فكيف بخذلان أمة بأكملها ؟ ! 
وجوب نصرة غزة
لكن لا يزال في أمتنا بقية خير  ولله الحمد والمنة ، فقد رأينا - هذه المرة - مواقف مشرفة من بعض البلدان الإسلامية ، الذين وقفوا إلى جانب إخوانهم ماديا ومعنويا ، وكان لتلك المواقف أثر بارز في توقف العدوان الصهيوني الغاشم ، وهذا أقل ما يمكن فعله تجاه إخواننا ؛  لأن نصرة غزة من الواجبات المؤكدة التي يثاب فاعلها ويعاقب تاركها ، والله تعالى إنما يكلف العباد بقدر ما آتاهم من طاقة وجهد ، ولا تكليف في غير وسع ، و لا تكليف بغير مقدور ، فالتكاليف الشرعية إنما تأتي تبعا لقدرات المكلفين ، فذو السلطان يكلف بما لا يكلف به من لا سلطان له ، والغني يكلف بما لا يكلف به الفقير، والعالم يكلف بما لا يكلف به الجاهل، وهكذا...كلما ازدادت مواهب الرجل ازدادت مسؤولياته، وكبرت الأمانة في عنقه.
و نحن جميعا مطالبون بنصرة غزة ، كل منا حسب طاقته وجهده ، فمن عجز عن النصرة بالنفس، فعليه أن ينصر بالمال، ومن عجز عن النصرة بالمال، فباللسان والقلم، ومن عجز عن ذلك كله، فإنه لا يعجز عن النصرة بالدعاء ، ولا ينبغي أن تستحقروا النصرة بالدعاء؛ فإنه إذا صاحبه صدق التوجه إلى الله، كان أفتك من أسلحة ( أ ت ش)
أتهزأ بالدعاء وتزدريه...وما تدري ما صنع الدعاء...سهام الليل لا تخطي ولكن... لها أمد وللأمد انقضاء.
وهذا يتطلب منا أن نصلح أنفسنا حتى نكون أهلا للقبول، فالله تعالى يقول:" إنما يتقبل الله من المتقين" [المائدة27]
توقف العدوان درس وعبرة
واليوم - ولله الحمد المنة - قد توقف العدوان  عن غزة  وانكشفت الغمة عن إخواننا ، و إن في ذلك لعبرة للعالمين ، وإسوة لمن كان يريد  الحرية والانتصار ، فها هي عصبة قليلة مستضعفة في الأرض ، محاصرة منذ عدد سنين ، و ليس لها من السلاح إلا شيء يسير  ، ومع ذلك تقف في وجه أكبر قوة في العالم ، و تعدل كفة  الميزان ، وتقهر جبروت الكيان الصهيوني الغاصب  ، وترغمه على الرضوخ لمطالبها ، و تلك نتيجة الصبر والإيمان ، " وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ "[آل عمران120]
" فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ" [آل عمران 17- 18]
" كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ" [آل عمران 249] 
فالله الذي قهر فرعون ونصر موسى ومن معه ، و قهر النمرود ونجى إبراهيم ،  وهزم قريشا يوم بدر... ، و نصر عبده و هزم الأحزاب وحده ... وهزم قوات الحلف الأطلسي ونصر المجاهدين في ثورة التحرير الجزائرية .....هو وحده - جل جلاله - الذي رد العدوان عن إخواننا في غزة ، و هو وحده الذي سينصر المستضعفين في كل زمان وكل مكان ...وهذا يؤكد لنا – بوضوح - أن اليهود ليسوا قوة جبارة لا تقهر كما يزعمون ، وكما يظن الذين خويت قلوبهم من الإيمان ، فاليهود جنس عرف بنذالته وخسته وجبنه عبر التاريخ
، وإنما استفحل أمرهم وعلا شأنهم حين لم يجدوا مقاومة جدية من أهل الإيمان الراسخ ، وحين يظهر  أهل الإيمان وطلاب الدار الآخرة فلن تجد  إسرائيل إلا منهزمة ، بل ستزول حينئذ
من خارطة  العالم بشكل كلي ،  وهذا أمر لا مرية فيه ، وإنما له أمد وللأمد انقضاء ، "وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا " [الإسراء 4-5-6-7]

الحمد الله الذي صدق وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده .
 وصلى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الهوامش


[1] [ أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب : ( البر والصلة والآداب 46) باب : ( تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم 17 ) حديث رقم : (6751)
[2] أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الإيمان ( 2 ) ، باب : من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ( 6 ) ، حديث رقم:( 13)
[3] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ، رقم : ( 11675 )

الأربعاء، 21 نوفمبر 2012

الزكاة : مكانتها و فوائدها


عناصر الخطبة
المحامد 1- تمهيد 2- مكانة الزكاة 3- فوائد الزكاة
 4- الترهيب من منع الزكاة
5- فوائد صندوق الزكاة .

المحامد
الحمد لله تعالى نحمده على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، فله الحمد على كل نعمة أنعم بها علينا ظاهرة أو باطنة ، ونسأله تعالى  أن نشكر نعمه ولا نكفرها ، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله لغني عن العالمين ، ونشهد أن لا إلا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين . أما بعد /
تمهيد
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها...." فمن ضيع فرائض الله فقد ظلم نفسه وخان الأمانة،  وكان موقفه من الحسرة والندامة يوم القيامة كما أخبر القرآن المجيد :          "أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ.."[الزمر 56]  وأداء الفرائض والقيام بها من أعظم القربات التي يتقرب بها المتقربون إلى ربهم ؛  لقوله - صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه عز وجل : " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ..."[1]
مكانة الزكاة
ومما افترضه الله علينا وحثنا على القيام به : فريضة الزكاة التي تعد ثالث الأركان الأساسية التي لا يقوم الإسلام إلا بها ، لقوله - صلى الله عليه وسلم-: " بُني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا "[2]
فلا يكتمل إسلام عبد إلا بإتيانه بهذه الأركان مجتمعة ، ومن أخل بركن منها اختل إسلامه ، ولذلك  أعلن أبو بكر  الصديق الحرب على مانعي الزكاة ، وقال قولته الشهيرة : " والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها لرسول الله لقاتلتهم على منعها"[3]  و هذا القرار الحاسم الذي أعانه الخليفة أبو بكر ليس موقفا ارتجاليا ناشئا عن هوى أو تشهي ، بل هو نابع من روح الشريعة وأصولها ومقاصدها ، ففي الصحيحين  عن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، يؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله "[4]
و بهذا تتبين لنا مكانة الزكاة و مدى أهميتها في الإسلام ، وعندما ننظر في كتاب الله عز وجل نجد الزكاة قد أتت مقترنة بالصلاة في كثير من الآيات ، من ذلك قوله تعالى:"وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا "[ المزمل 18]. وقال تعالى: "فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ " [ التوبة:5 ] قال ابن عباس ثلاث آيات نزلت مقرونة بثلاثة، لا يقبل الله واحدة بدون قرينتها.
أما الأولى فهي قوله تعالى: " أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ " [ محمد: 33 ]. فمن أطاع الله ولم يطع الرسول فلن يقبل منه.
وأما الثانية فهي قول الله: "وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ" [ البقرة: 43 ].فمن أقام الصلاة وضيع الزكاة لن يقبل منه.
وأما الثالثة فهي قول الله تعالى: " أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ " [ لقمان: 14 ]. فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لن يقبل منه.

فوائد الزكاة
وإنما فرض الله الزكاة على العباد لما تشتمل عليه من المصالح والمنافع العائدة على المتصدقين والآخذين في العاجل وآجل ،  ومن تلك المنافع   :
1- إن بذل المال لله مع حبه يعد برهانا على صدق الإيمان ، و أمارة على التصديق بوعد الله القائل : " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" [ البقرة:274].
2- كما أن الزكاة تنقي باذلها من الآثام ، وتطهره من رذيلتي الشح والبخل ، وتجعله من الأخيار المؤهلين لمجاورة الله في جنات النعيم ، التي قضى الله تعالى  أن لا يجاوره فيها بخيل ، ففي سنن الترمذي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال : " السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس قريب من النار ولجاهل سخي أحب إلى الله عز و جل من عابد بخيل"[5] وقد بين القرآن المجيد أن الزكاة طهرة لباذليها فقال جل ثناؤه :" خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم " [سورة التوبة:103].

3- وفي إخراج الزكاة حفظ للمال وصيانة له من أساب تلفه وآفات زواله ، فقد روى عنه صلى الله عليه وسلم  أنه قال : " من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره "[6]  و قال أيضا : "حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة"[7]
4- وإيتاء الزكاة سبب عظيم في حلول البركة في المال ، وسرعة كثرته ونمائه ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ  أن النبي صلى الله عليه وسلم   قال: "ما نقصت صدقة من مال"[8]  والمنفق ماله لا بد أن يخلف الله عليه بخير مما أنفقه ، لقوله تعالى : "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" [سبأ:39] يعني أنه يأتي ببدله وخير منه؛ لكونه جلت قدرته أكرم الأكرمين .
5- ومن فوائد الزكاة أنها تطهر الفقراء  من الحسد والبغض للأغنياء ، و تنشر المودة والمحبة والوئام بين الجميع ،  وبذلك تتحقق وحدة الصف ، التي هي من أسمى مقاصد الشريعة وحكمها ، الهادفة إلى إسعاد البشرية في معاشها ومعادها .
6- و من فوائدها أيضا  أنها تصون وجوه الفقراء  من ذل السؤال، وتحفظ حفظ كرامتهم في جميع الأحوال، وتعينهم  على طاعة الله تعالى ، و ترفع معنوياتهم بقضاء حاجاتهم وضرورات حياتهم ؛ فيكونوا أعضاء نافعين لأمتهم ووطنهم ، وكم يوجد في شريحة الفقراء من النوابغ وأولي المواهب ، الذين تحتاج إليهم أمة الإسلام في مختلف مجالاتها .
ومن هنا يتجلى لنا أن إعانة هؤلاء الفقراء تعتبر إسهاما بارزا في إصلاح أوضاع المجتمع بأكمله ، و لا يخفى عليكم ما في ذلك من عظيم الأجر الثواب ، فمن المقرر عند أهل العلوم : أن الطاعة يعظم ثوابها بقدر ما يترتب عليها من المنافع والمصالح ، فكلما عظمت المنافع الناتجة عن الطاعة كان الثواب عليها أعظم .
الترهيب من منع الزكاة
و لما كانت الزكاة تتبوأ هذه المكانة السامية ، وتترتب هذه المنافع العظيمة على إخراجها  ، جاء الترهيب الشديد والوعيد الأكيد لمانعيها ، فقال الله عز وجل: " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون "  [التوبة:33]  
و القاعدة العامة – أيها الإخوة - : أن من أحب شيئا فقدمه على طاعة الله عذب به . فهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال واكتنازها أحب إلى قلوبهم من تضحياتهم في سبيل ربهم  عذبوا بها يوم القيامة ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار"[9]
فوائد صندوق الزكاة
أيها الإخوة الكرام : لكي تؤتي الزكاة ثمارها وتحقق أهدافها ، فينبغي إخراجها بشكل منظم ، ونحن في هذا البلد قد أنعم الله علينا بفتح مؤسسة صندوق الزكاة  ، التي تعتبر عودة بشعيرة الزكاة إلى أصلها الأول ، أي إلى ما كانت عليه في عهد النبوة والخلافة الإسلامية الراشدة ، حيث كانت الزكاة تدفع إلى الإمام ونوابه في مختلف الأمصار ، ثم يعاد توزيعها على المستحقين بشكل منظم ، وهذا الأصل في إيتاء الزكاة ؛ لقوله تعالى : "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم " [سورة التوبة:103]. وقوله صلى الله عليه وسلم  - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن - : " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب "[10]
وجمع الزكاة في هذا الصندوق له فوائد عديدة ، منها :
1- حفظ كرامة الفقير، فلا ينتابه إحساس بأن للمزكي منة عليه............
2- وقاية المزكي من الوقوع في كبيرتي المن والرياء؛ لأن إعطاء الزكاة للفقير مباشرة قد يجعل المزكي يشعر بأن له فضلا ومزية على ذلك الفقير، وقد يقول في نفسه: لو لم أعطه الزكاة لمات جوعا! وهذا بلاء خطير يجعل الزكاة تعود وبالا وحسرة على باذلها، يقول الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (البقرة264)
 3- ضمان التوزيع العادل بين المستحقين حسب الأولوية................ .
جعلني الله وإياكم من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
الهوامش

[1] أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب: الرقاق (84) باب: التواضع (38)  حديث رقم: (6137 )
[2]  أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان(2): باب : الإيمان وقول النبي صلى الله عليه و سلم ( بني الإسلام على خمس ) ( 1) حديث رقم (8)
[3] أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب الزكاة [30] ، باب وجوب الزكاة [1] حديث رقم (1335)
[4] [ أخرجه البخاري في صحيحه ، كتاب : (الإيمان)[2] ، باب: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم )[15] حديث رقم : (25)  و أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب : ( الإيمان )  [2] ، باب: ( الأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) [10] حديث رقم : (135)] .
[5] أخرجه الترمذي في سننه رقم : (1961)
 [6] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط رقم : (1579)
[7] أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط رقم : ( 1963)
[8] أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب: ( البر والصلة والآداب)[45] باب: ( استحباب العفو والتواضع) [19) حديث رقم : [ 69]
[9] أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب: ( الزكاة ) [13] باب: ( إثم مانع الزكاة ) [ 9 ] حديث رقم : (2337)
[10] أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب:(الإيمان ) [ 2 ] باب : ( الداء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ) [ 9 ] حديث رقم : (130 )