......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خطب. إظهار كافة الرسائل

السبت، 16 سبتمبر 2017

أربع وقفات مع شهر الله المحرم

الخطبة الأولى
الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً ، وبعــــد: 

أيها الإخوة المؤمنون : ها هو شهر الله المحرم يهل علينا هلاله ، حاملا في طياته العديد من الذكريات الهامة، التي ينبغي أن يقف معها المؤمنون ويتأملوا في دلالاتها ؛ ليستلهموا منها العبر والعظات ، وذكريات محرم ودلالاته  كثيرة جدا ، نقف في هذا المقام مع أبرزها وأهمها:

الوقفة الأولى : هي أن شهر محرم هو بداية عام ونهاية آخر ، وبذلك نكون فد ودعنا عاما كاملا من أعمارنا ، مضى ذلك العام بما أودعنا فيه من أعمال ، منها ما هو حجة لنا ومنها ما هو حجة علينا ، وإذا كان من طبيعتنا أننا نعمل ثم ننسى ، فإن الله تعالى لا يسهو ولا ينسى ، وسيواجهنا يوم القيامة بما عملنا ، قال تعالى :" يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ". فجميع أفعالنا محصاة علينا ، ومسجلة في ديوان عادل ، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، قال تعالى :" وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ". وقد يفاجأ كثيرون بما يواجهون به في سجل أعمالهم ، كما قال جلت قدرته وتقدست أسماؤه :" وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ". أي ؛ ظهر لهم ما لم يكونوا يتوقعون المؤاخذة عليه.

ولهذا ينبغي أن نحاسب أنفسنا  في نهاية هذا العام ، فإن وجدنا خيرا حمدنا الله وشكرناه ، وإن وجدنا غير ذلك تبنا إلى الله واستغفرناه ، وقد روي عن الحسن البصري أنه قال :" ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة". فإذا كان مرور يوم واحد من عمر الإنسان ، له كل هذه الخطورة البالغة ، فكيف بمرور عام كامل من حياتنا !! ونحن نعلم يقينا أن كل عام - بل كل يوم - يمضي من حياتنا يقربنا نحو نهاية حياتنا الدنيوية ، وبداية حياة الأخروية ، فإذ عرفنا ذلك اندفعنا إلى تعمير باقي أيامنا بصالح الأعمال .

فهذه هي الوقفة الأولى التي ينبغي أن نقف عندها ، ونحن نستقبل عاما ونودع آخر من أعمارنا؛ لنحاسب أن أنفسنا ، ولنتعظ بتعاقب الأيام ، وتقلبات الليل والنهار، قال الله تعالى :  "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا" أي ؛ جعلهما يتعاقبان ويختلفان ، وإن في اختلافهما لعبرة لأولي الألباب ، وإن في تعاقبهما لصحوة  ويقظة للغافلين ، وإن في ميدانهما لفسحة للمتسابقين إلى الخيرات،  فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل ، على نحوه قوله صلى الله عليه وسلم: "إن اللّه عزَّ وجلَّ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل"[رواه مسلم].

أما الوقفة الثانية : فهي أن شهر محرم شهر عظيم ومبارك ، فهو أحد الأشهر الحرم التي فخم الله شأنها ، وحذر من إيقاع الظلم فيها ، فقال جلت قدرته وتقدست أسماؤه :" إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّيْنُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيْهِنَّ أَنْفُسَكُمْ". فظلم العبد لنفسه بالمعصية ، أو ظلمه لغيره بالاعتداء على دمه أو عرضه أو ماله ... محرم على مدار أيام السنة ، لكنه في الأشهر الحرم أشد تحريما ؛ لأن المعصية والطاعة كلاهما تتضاعف فيها.

وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن شهر محرم هو أفضل الشهور على الإطلاق ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :"وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم "[رواه النسائي]. وفي إضافته إلى الله تعالى دليل آخر على شرفه وأفضليته، وأيضا أنه عليه الصلاة والسلام قد عد  أفضل صيام التطوع ما كان  في شهر محرم ،  ففي صحيح مسلم :" أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ".

فهذه هذه ثاني الوقفات التي ينبغي أن نقف معها المسلم في مقتبل هذا الشهر ؛  ليعظمه ويستثمر أيامه في الإكثار من الصيام والقيام والصدقة والإحسان ، وسائر الأعمال الصالحة.

وأما الوقفة الثالثة: فهي أن شهر محرم اشتمل على العديد من الأحداث الجسام والانتصارات العظام ، ففيه انتصر نبي الله موسى عليه السلام، وفيه غرق الله فرعون قومه في البحر ، وفد كان ذلك في العاشر من محرم ؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: فأنا أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه".

وفي شهر محرم كانت الهجرة النبوية ، من مكَّة المشرَّفة إلى المدينة النبويَّة المنورة ، تلك الهجرة التي غيرت مجرى تاريخ العالم أجمع ، وأنهت عهد الشرك والطغيان ، وكانت سبيلاً إلى إنشاء الدولة الإسلامية ؛ حيث شعَّ نور الإسلام في البقاع والأصقاع ، ودخل النَّاسُ في الدين أفواجًا.


وفي الفاتح محرم من عام 1375 هـ كان هجوم الشمال القسنطيني ، الذي فك الحاصر عن المجاهدين المرابطين في الأوراس ،  وأكد للعدو والصديق شمولية الثورة وشعبيتها ، وأعطاها دفعا قويا فأخذت تشق طريقها نحو فجر الحرية والسيادة. 

فهذه هذه ثالث وقفة ينبغي أن يقف معها المسلم في مقتبل هذا الشهر ؛ ليجعل من شهر محرم نقطة تحول في حياته ، فينتصر على مكايد الشيطان ، وعلى غوائل نفسه الأمارة بالسوء ، ويهجر المعاصي بمختلف أنواعها ،  فإن الهجرة قبل أن تكون رحلة جسدية ، فهي رحلة نفسية ،  يهجر المسلم فيها الباطل والمعاصي والمنكرات ...  ويقبل فيها على الانتصار للحق وفعل الخيرات ، تطبيقا لقوله  عليه الصلاة و السلام" : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْه"[متفق عليه]. 

وإذا كان باب الهجرة من مكة إلى المدينة قد أُغلق بعد الفتح ، كما جاء في حديث البخاري ومسلم :"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ". فإن باب الهجرة من الباطل والفساد ، والفتن والنفاق ، والشبهات والشهوات ... لا يزال مفتوحا إلى يوم القيامة ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ". والهرج - بسكون الراء - يعني كثرة الفتن وانقلاب الموازين ، فعندما يصير المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، والمدافع عن أرضه إرهابيا ، والمجرم المعتدي مدافعا عن نفسه ... وغير ذلك من التناقضات التي نشهدها في هذا العالم المظلم ،  فإن للمستمسك بالحق ، المحافظ على دينه وعبادة ربه .. في ظل هذا الهرج أجر المهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عباد الله صلوا وسلموا على سيدنا وحبيبنا محمد ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطه المستقيم
أقول ما تسمعــــون وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفــــــــروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، أيها الإخوة الكرام:

الوقفة الرابعة : مع شهر الله المحرم : هي أن الصحابة الكرام أجمعوا في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه على أن  يكون ابتداءُ السنةِ من شهر الله المحرَّم ، وآثروا أن يكون التأريخ لأحداث المسلمين مرتبطا بهجرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ؛ باعتبارها أعظم حدث  في مراحل السيرة النبوية ، واستئناسا بإشارة القرآن الكريم إلى ابتِداء التَّاريخ الإسلامي بالهجرة ، وذلك في قول الله تعالى: "لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ". فقوله جلت قدرته وتقدست أسماؤه: "من أوَّل يوم" يتضمن إشارة إلى أن ذلك اليوم ينبغي أن يكون هو أول أيام تاريخ المسلمين؛ ولهذا أجمع الصَّحابة  رضِي الله تعالى عنهم على  ابتداء التَّاريخ الإسلامي من هجرة النَّبيِّ  صلَّى الله عليه وسلَّم وإجماعهم حجة بلا نزاع. 
   
ولهذا ينبغي للمسلمين أن يتمسكوا ويعتزوا بتاريخهم الهجري ، وألا يجعلوا منهم تاريخا ثانويا ، بعد التاريخ الميلادي للنصارى ،  فإن لكل أمة خصائصها وحضارتها ، التي تتمسك بها وتفخر بالانتماء إليها ، وتربي أولادها على الاعتزاز بها ، فمن العيب ومن الجناية على ديننا وحضارتنا ، أن نجعل أولادنا في المدارس يؤرخون بالتقويم الميلادي ، ثم نهمل التاريخ الهجري بالكلية ، حتى أصبح الكثير من أولادنا لا يعرفون أسماء  الأشهر الهجرية ،  وهذا يعتبر سلخا للأمة عن أصالتها ، وطمسا لهُويتها وثوابتها ، بل كان ينبغي أن يكون التاريخ الهجري هو التاريخ الرئيسي في المراسلات الرسمية بين كافة المؤسسات والإدارات ...  فالعمل بالتاريخ الهجْري يعتبر ثابتا من الثوابت الوطنية ، لارتباطه بهوية الأمة وأصالتها وتاريخها وأمجادها ...  ثم هو جزء من ديننا؛ لارتباطِه بالهلالِ الَّذي ترتبِط به الكثير من العبادات ، وبتجاهل التاريخ الهجري تَضييع المعالم الشرعيَّة والشَّعائر العباديَّة ، فالحج والزكاة والصيام والمواسم والأعياد والأضاحي وكثير من الصلوات ... مرتبطة بالتاريخ الهجري.

فنسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى الأخذ بهذه التوجيهات ، وأن يجعلنا من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، واعلموا عباد الله : أن الله تعالى قد أمركم بأمر عظيم ،  بدأه فيه بنفسه وثنى بملائكته المسبحة بقدسه ، وثلث بكم أيها المؤمنون من جنه وانسه ، فقال عز من قائل ، ولم يزل قائلا عليما ، وآمرا حكيما :(إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

فاللهم وصل وسلم وبارك على البشير النذير ، والسراج المنير ، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار ، خصوصا على أجلهم قدرا وأرفعهم ذكرا ، ذوي المقام العلي والقدر الجلي ، ساداتنا وأئمتنا الفضلاء ، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعلى الستة الباقين من العشرة المبشرين بالجنة ، وعلى الحسنين الأحسنين أبي محمد الحسن وأبي عبدالله الحسين ، وعلى أمهما الزهراء وخديجة الكبرى وعائشة الرضى ، وبقية أزواج النبي المصطفى ، وعلى الصحابة أجمعين  ، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، واجعل كلمتك هي العليا إلى يوم الدين ، واخذل الكفرة والمشركين ، وأصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين ، وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين ، وكن اللهم لإخواننا في فلسطين وبورما وسائر بلاد المسلمين عونا ونصيرا ، اللهم أيدهم بنصرك ودمر أعداءهم تدميرا ،  واجمع شملنا ووحد كلتنا ، وانصرنا على من خالفنا ، واحفظ بلادنا وأصلح أزواجنا وذرياتنا ، واشف مرضانا وعاف مبتلانا ، وارحم موتانا ، واغفر اللهم لوالدينا ولمن علمنا ولمن أحسن إلينا ، ولسائر المسلمين والمسلمات ، والمؤمنين والمؤمنات ، الأحياء منهم والأموات ، إنك سميع قريب مجيب الدعوات ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



الخميس، 11 فبراير 2016

شبابنا بين الواقع المشهود والأمل المنشود

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن أهدانا الله ، نحمده تعالى على  تفضله وإنعامه ولطفه وإحسانه ، ونسأله المزيد من أفضاله ، ونشهد أن لا إله ألا الله  وحده لا شريك له ، شهادة نستعد به إلى يوم لقائه ، يوم لا ينفع مال و لا بون إلا من أتى الله بقلب سليم، ونشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أرسله ربه بالهدى وأنزل  عليه الكتاب بالحق ؛ ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن تبهم بإحسان إلى يوم الدين.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا"

أيها الإخوة الكرام: هناك مخاطر شتى تهدد شباب الأمة الإسلامية ، لا سيما في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها أمتنا ، حيث تفرق المسلمون إلى شيع متناحرة ، يلعن بعضها بعضا ويضرب بعضها رقاب بعض ، في حين تقارب أعداء الإسلام من يهود ونصارى ، ومجوس وملحدين ، وزنادقة ومنافقين ، واجتمعت كلمتهم على تمزيقنا وسلخنا عن أصالتنا وقيمنا ...
وقبل الكشف عن تلك المخاطر التي تهدد شباب المسلمين وتكاد تهوي بهم في مكان سحيق ... لا بد من وقفة موجزة نبرز فيها مكانة  الشباب في الأمة ودورهم في بنائها وتقدمها وازدهارها...
فلقد كان الشباب و لا يزال  في كل أمة عماد نهضتها ، وفي كل نهضة سر قوتها ، وفي كل فكرة حامل رايتها ، وقد أثنى الله على أهل الكهف بفتوتهم ، فقال تعالى: "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً" [الكهف:13]. كما قال تعالى - في شأن إبراهيم الذي كان أمة وحده – " إنا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم".
ومن يطالع السيرة النبوية يجد أن معظم أصحاب النبي كانوا شبابا، ومعظم الذين اتبعوه بادي الرأي هم الشبيبة الفتية ، الذين زعزع الله بهم العروش القيصرية والأسر الكسروية، فحياهم الله من شباب ورضي الله عنهم.

ما كان أصحاب النبي محمد إلا شبابا شامخي الأفكار
من يجعل الإيمان رائده يفز بكرامة الدنيا وعقبى الدار

فالشباب الذين نسهر على تربيتهم اليوم هم بناة المستقبل ، وهم أجيال الغد  التي ستحمل راية الإسلام ، وتذود عن مقدسات الأمة ، وتحمي ثوابتها ومقوماتها ، وتكون خير خلف لخير سلف ، وإذا لم نهتم بشبابنا ، ونعمل على حمايتهم وتحصينهم من الأخطار الواقعة أو المتوقعة ،  فمن سيحل محل الرؤساء والقادة والوزراء ؟ ومن سيخلف العلماء والدعاة والأطباء ؟ ومن للمساجد و الجامعات والمدارس ومختلف للمؤسسات ؟ ومن سيقود الأمة ويرعى مصالحها ويسوس شؤونها ؟ إلا شبابها .

نعم - أيها الإخوة – إن الشباب الذين نسهر على تربيتهم اليوم ، وحمايتهم من السيول الجارفة ، هم عماد أمتنا وسر قوتها ، وأساس نهضتها وتقدمها وازدهارها ،  فجيل اليوم سيذهب حتما ، وسيخلفه جيل جديد " وتلك الأيام ندولها بين الناس "  وهذا الجيل الجديد الذي سيحل محلنا ينبغي أن يكون جيلا قويا ، إيمانيا وأخلاقيا وثقافيا وبدنيا ... و "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف....".
وإن الشباب  في بكور حياتِهم كالورقة البيضاء نرسم عليها ما نشاء ، وكالأرضٌ الخصبة تنبِت أيَّ غراس يودع فيها من صحيح العقائد أوفاسدِها ، ومن مكارم الأخلاق أومساوئها ، قال صلى الله عليه وسلم:"كلُّ مولود يولَد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه". لذلك ينبغي أن نعتني بتربية أولادنا وتنشئتهم على الفضائل منذ الصغر.  

ومما لاريب فيه أن عقولُ شبابنا قد أضحت هدفا لأعداء الإسلام  ، الذين تعددت أساليبهم ، وتنوّعت وسائلهم للإيقاع بشباب المسلمين في الانحطاط الخلقي  ، والزج بهم في أوحال الفتن والتطرف والضلال  ...  في حين نجد أكثر المسلمين غافلين عن هذه  المخاطر التي تستهدف أولادهم وكأن الأمر لا يعنيهم ، كلنا غافلون عن ذلك أو متغافلون : المسؤولون غافلون .. الآباء والأمهات .. الأئمة والمعلمون .. المجتمع بمختلف أطيافه غافل تماما عن الأخطار التي تهدد أبناءنا وبناتنا ، و لا أدري كيف يحدث هذا ؟ وكيف نغفل عن تربية أولادنا وحمايتهم من السيول الجارفة ، ونحن نعلم أننا مسؤولون عنهم أمام الله تعالى ، قال  رسول الله صلى الله عليه وسلم :

§        "كلكم راع , وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع , ومسؤول عن رعيته ، والرجل راع في أهله و مسؤول عن رعيته ، والمرأة راعية في بيت زوجها و مسؤولة عن رعيتها , فكلكم راع , والخادم راع في مال سيده و مسؤول عن رعيته , فكلكم راع ومسؤول عن رعيته" [متفق عليه].
§        وقال عليه الصلاة والسلام: " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت" [رواه أبو داود]
§        وقال أيضاً: " ما من عبد يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة "[متفق عليه].  

وإن أهم ما يستنتج من هذه الأحاديث النبوية :

-         أننا – جميعا – مسؤولـون عمن هـم تحـت مسؤوليتنا بين يدي  الله .
-         وأن تضييع من هــــــم تحت مســــؤوليتنا من أكبــــر الآثام عند الله .
-         وأن من ضيع من هم تحت مسؤوليته حرمت عليه الجنة والعياذ بالله.

لكن – أيها الإخوة - هل أدينا واجبنا  أو قمنا بمسؤوليتنا تجاه شبابنا الذين استرعانا الله أمرهم ؟؟ فماذا قدما لهم من وسائل التنشئة الصالحة ؟ وما ذا اتخذنا من إجراءات لحماية شبابنا من الإنحلال الخلقي والتطرف الفكري ؟   حتى نصنع منهم  جيلا قويا مستقيما في فكره وسلوكه ، يصلح لحمل راية الإسلام بجدارة ، والنهوض بوطنه والذود عن حماه ؟؟؟؟
فهل شباب اليوم هم  -- حـــقا -- من الطراز الذي تعلق عليه الأمة آمالها وطموحاتها ...؟

للأسف ثم للأسف ؟ أننا حينما نلقي بنظرة خاطفة إلى الواقع نصاب بالدهشة وخيبة الأمل؛ إذ نجد شبابنا – فتياتنا وفتيانا - في أودية الظلام هائمين ؟؟
ثلة منهم اهتمت بالتزين والتعطر حتى أفرطوا في ذلك فتشبهوا بالنساء ، بل تدنى بهم الحال حتى لبسوا الملابس التي هي  إلى الأنوثة أقرب منها إلى الرجولة كالسراويل الهابطة ونحوها .. وتبع ذلك تسريحات الشعر التي يُشمئز من أسمائها فضلا عن هيئاتها ..؟ أما الفتيات فقد تدرَّجنَ في دركات الاختِلاطِ  والظهور، وتساقَطنَ في مهاوي التبرُّج والترجل والسفور ... وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لعنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - المُخنَّثين من الرجال، والمُترجِّلاتِ من النساء"؛ [أخرجه البخاري].

ولا عجب أنّ النساء ترجّلت***   ولكنّ تأنيث الرجال عُجاب

و ثلة أخرى - من شبابنا - مدمنة على المخدرات والمسكرات ... ولا تخفى عليكم مخاطرها ونتائجها ؟؟

وثلة ثالثة هربت من االأوضاع المؤلمة -- التي آل إليه أمر الأمة العربية ولإسلامية  إلى  التطرف الفكري :
فمنهم من حمل السلاح على أمته يضرب برها وفاجرها ، ويسفك دماءها ويخرب ممتكاتها ...؟
     * ومنهم من اتخذ من الحقد والقطيعة والبغضاء منهجا له ؛ فراح يضلل أمته ويطعن في علمائها وتراثها الفقهي والعقائدي والسلوكي ...؟ ليشكك الأمة في دينها ويسلخها عن وسطيتها التى لا قوام لها إلا بها ، فالتطرف الفكري والغلو الديني لا يقل خطرا  عن الانحلال الخلقي ؛ فهو يضرب الأمة في عمق عقيدتها ، وفي مرجعيتها التي هي أساس وحدتها ، فهل شعر المسلمون - لا سيما ولاة أمورهم من علماء ومسؤولين - بخطورة هذا الأمر  وأبعاده ومراميه ؟ والأيادي الخفية التي توجهه وترعاه ...؟ وما سيجره على الأمة والوطن من ويلات لا يعلم نتائجها إلا الله ؟؟

وثلة رابعة - من شبابنا - عاكفة على شبكات الانترنت ، مدمنة على مشاهدة المواقع الإباحية الهادمة للأخلاق الإسلامية والقيم الإنسانية ، المميتة لكل فضيلة والباعثة على كل رذيلة ...

وإذا كان الانترنت وسيلة عصرية تتضمن العديد من الإجابيات لمن يحسن استعمالها :

فإن له من المساوئ والمخاطر ما لا يعلمه إلا الله  ، فهو سلاح ذو حدين ، ومن أهم مخاطره ومساوئه:
-         إضاعة الأوقات والتعرف على رفاق السوء وتدمير الفضائل ونشر الرذائل.
-         وزعزعة العقائـــــد والتشكـــــيك فيـــــها و نشــــــر الكفـــــــر والإلحــــاد.
-         والوقــــــــــــــوع فـــــي شبـــكــــات التنصيــــــروالتشيـــــع والإرهـــــاب .
-          وإضـــــاعة الصـــــلوات والغــــرق في أوحــــــال الفســــــــاد والشبهات.
-         ناهيك عن الإصــــابة بالإمراض النفسية وانحطـــاط المستويات التعليمية.
-         والتجسـس على الأســـــــرار الشخصــــــية وانهيـــــار الحيـاة الزوجـــية .   

وإذا كانت تلك مخاطره ومساوؤه فهل يعقل أن يُترك دون مراقبة وحماية ؟؟ وهل يعقل للأباء والأمهات أن يتركوا أولادهم دون رعاية و مراقبة وتوجيه ؟؟
أيها الإخوة هذا قليل من كثير ... وإذا كان هذا حال شبابنا اليوم - وهو كذلك - وإذا كانت المخاطر التي تهددهم بهذا الحجم ، فإنه يجب علينا أن ندق ناقوس الخطر ؟ لأنه إذا استمر وضع شبابنا على ما هو عليه فإن المستقبل سيكون وخيما ، وهل يُنتظر من جيل هذا حاله  إلا الإجرام والدمار والخراب ؟ 
فمن لجلائل الأمور وعظيم المسؤوليات ؟  من للمساجد و من للجامعات ومن للمدارس ومختلف للمؤسسات ؟ ومن سيقود الأمة ويرعى مصالحها ويسوس شؤونها إذا فسد شبانها .

اعلموا أيها الإخوة : أننا جميعا مسؤولون على إصلاح شبابنا وحماتهم من المخاطر التي تهددهم في مختلف جوانب حياتهم:

-         في أفكارهم وعقيدتهم
-         في سلوكهم وأخلاقهم
-         وفي ســـائر شؤونهم

فيا أيها الأولياء !  قوموا بما أوجبَ الله عليكم من رعايةِ أولادكم ، وصونِهم وتربيتهم ، وغرسِ الفضيلةِ في نُفوسهم .  

ويا رِجال التعليمِ ! كيف يستفحِلُ هذا الداءُ في صفوفِ شبابِنا وفتياتِنا وأنتم الأساتِذةُ الفُضلاء، والمُعلِّمون الأوفياء، والمُربُّون، النُّبَلاء ؟! فاللهَ اللهَ في رعايةِ أجيالِنا ، وصناعةِ نشئِنا، وحمايةِ مُجتمعنا.

ويا أيها المسؤولون وولاة الأمور ! -- كلٌّ في جهته وكلٌّ على قدرِ مرتبته وصلاحيته--  خُذوا بأيدي شبابنا وفتياتنا إلى شاطئ الأمان ، وسنوا من القوانين  ما يمنع ضياعَهم وفسادهم كفرض الرقابة على المواقع الإباحية ونحوها .... وكإقامة الملتقيات والندوات لدراسة أوضاع الشباب ، والوقوف على دواعي المفساد الواقعة أو المتوقعة عليهم ؛ لاستئصالها والاحتياط لها قبل وقوعها ... فإنكم والله  مسؤلون أمام الله تعالى ، فـــ" كلكم راع , وكلكم مسؤول عن رعيته الإمام راع..." ، وقال صلى الله عليه وسلم:"ما من عبد يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" ، ألا ومِن غِشِّ الرعية عدم العمل على إصلاحها ، وحمايتها من الأخطار والمفاسد الواقعة أو المتوقعة عليها .

"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ"

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، فقد فازَ المُستغفِرون، وسعِدَ المُتَّقون.

الخميس، 7 يناير 2016

القرآن العظيم ومدى احتياجنا إليه {بمناسبة الأسبوع الوطني 17 للقرآن الكريم}

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وبعد/
أيها الأحبة في الله : هي وقفة موجزة مع القرآن العظيم ومدى احياجنا إليه ، بمناسبة الأسبوع الوطني السابع عشر للقرآن العظيم ، الذي احتضنته هذا العام مدينة العلم والعلماء قسنطينة.
أيها الإخوة الكرام : أخرج الإمام الترمذي في سننه عن سيدنا علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صي الله عليه وسلم يقول:" ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قلت يا رسول الله: ما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى: فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، هو حبل الله المتين ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الأراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرأناً عجباً، من علم علمه سبق ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".
أخبر الصادق المصدوق في هذا الحديث أنها ستكون فتنا في آخر الزمان – وقد وقع منها الكثير الكثير في عصرنا هذا – ثم بين صلى الله عليه وسلم أن المخرج الوحيد من تلك الفتن هو كتاب الله تعالى ، الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس ، بل جعل هذه الأمة تبلغ ذروة الفضائل والأمجاد ، فهو الأصل الذي يرجع إليه ، والنبع الذي تتفجر منه ينابيع الإيمان...
نزل هذا القرآن على العرب فرأوا أنهم أمام قوة مذهلة لا قبل لهم بها،  فأحسوا – وهم الفصحاء - أنهم ضعفاء أمام هذا الكمال العظيم ، فاستسلموا لبلاغته ، وتعلقت به قلوبهم ، وارتبطت بإعجازه نفوسهم ... 
إنه القرآن الذي سمعه رجل كان جبارا في الجاهلية ، شديدا على المسلمين المستضعفين يومئذ ، فلما سمع قول الله تعالى: " طه  مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءانَ لِتَشْقَى - إلى قوله -  إِنَّنِى أَنَا اللَّهُ لا اله إِلا أَنَاْ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصلاةَ لِذِكْرِى". كسرت تلك الآيات أعواد الشرك في قلبه ، وأذابت صخور الجاهلية في نفسه ، وقال: "ما ينبغي لمن يقول هذا أن يعبد معه غيره". فأصبح ذاك الرجل إذا سار من فج سار الشيطان من فج آخر، إنه الفاروق عمر بن الخطاب ، قال علماء الشيعة نحن لا ندخل المسجد النبوي من باب عمر ، فرد علماؤنا رحمك الله يا عمر تفر منك الشياطين حيا وميتا.
ولما كانت أمتنا متمسكة بهذا القرآن كانت أمة قوية عظيمة عزيزة ، يحسب لها ألف حساب ، فهزمت الروم والفرس وارتفعت رايتها خفاقة في كل مكان ، وملكت قلوب الناس قبل أن تملك رقابهم بهذا القرآن.
لكن لما هجرت امتنا هذا القرآن حفظا وتلاوة وتدبرا وعملا ، وأبت أن تعيشه في واقع حياتها ، وابتغت العزة والرقي والتقدم والازدهار ... في غيره أذلها الله ، ونزلت إلى هذا المستوى المتردي ، و لا تخفى عليكم هزائمنا المتلاحقة في كافة مجالات الحياة ؟؟ وقد أصبح المسلمون يقتل بعضهم بعضا ويكفر بعضهم بعضا ويضلل بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا ...والله المستعان.
ما ذا لو التفت أمتنا حول القرآن ونهلت من معينه الذي لا ينضب ، وغاصت في فهم مقاصده وغاياته واحتكمت فيما شجر بينها إلى أحكامه أكانت تنزل إلى هذا المستوى المتردي ؟؟؟ كلا ثم كلا .
"فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا"
فالحق أنه لا مخرج لهذه الأمة ، و لامخرج لأحد كائنا من كان ، إلا بالعودة إلى هذا القرآن ، فهو العاصم من كل فتنة و هو المخرج من كل أزمة أيا كان مجالها ؟؟  فبذلك أخبر من  لاينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم:"ستكون فتن كقطع الليل المظلم، قلت يا رسول الله: ما المخرج منها؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى: فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله....".
وإننا  في هذا الوطن العزيز ما انتصرنا على عدونا ، وما حفظنا هويتنا الإسلامية والعربية من الذوبان  إلا بهذا القرآن ، وما تجاوزنا العديد من مشكلاتنا الا بالقرآن .... و جزى الله خيرا القائمين على شؤون هذا الوطن ؛ إذ سنوا لنا هذه السنة الحسنة المتمثلة في الأسبوع القرآني الذي ينعقد كل عام – والذي احتضنته هذا العام مدينة العلم والعلماء قسنطينة -  حيث يلتقي في رحابه العلماء والباحثون وحفظة الكتاب المبين ، ويعكفون على دراسة القرآن العظيم وما تضمنه آياته من كنوز لا انقضاء لها ؛ لينتزعوا منها ما يمكننا من العيش في عزة وكرامة ، ويستلهموا منها ما يؤهلنا لوراثة الدنيا والآخرة عن جدارة ، ويستخرجوا منها الفهم السليم لحقائق الإسلام ، بعيدا عن الغلو والتطرف الفكري والطائفية المقيتة التي تحاول غزو بلادنا ، وتحاول المساس بوحدتنا الوطنية والمذهبية والفكرية ... وهيهات أن يتم لهم ذلك ما دام لهذا الوطن رجال قرآنيون يحمون عقيدته ويحفظون مرجعيته ... فلا خوف علينا ما دمنا نستمد قوتنا ونلتمس المخارج لمشكلاتنا من هذا الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، ورحم الله سيدنا عبد الرحمن الثعالبي الذي قال:
 إنّ الجزائــــر في أحوالها عجـــــــب   ولا يدوم بها للناس مكـــروه
 ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع   إلا ويُسر من الرحمن يتلـوه

وإذا كان الواقع التاريخي يصدق هذا القول ويشهد له ،  فإن السر فيه عائد إلى هذا القرآن ، فنحن إنما نستمد قوتنا من قوته وخلودنا من خلوده ؛ لذلك الحذرَ الحذرَ من هجرانه ؛ ففي هجرانه  كل العطب ،  ولله در القائل:
يَا أُمَّةَ القُـــــرْآنِ إِنَّ كِتَابَكُــــمْ     لَهُوَ الشِّفَاءُ وَصِحَّةُ الأَبْـــدَانِ 
وَهُوَ الدَّوَاءُ لِكُــلِّ جُرْحٍ غَائِـرٍ    وَهُوَ المُحَارِبُ نَزْغَةَ الشَّيْطَانِhttp://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وَهُوَ البَلاَغَةُ وَالفَصَاحَةُ كُلُّهَا     وَهُوَ الحَضَارَةُ فِي عُلُوِّ مَكَـانhttp://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
اقْرَأْ كِتَابَ اللهِ وَافْهَــــمْ حُكْمَهُ     تُدْرِكْ عَطَاءَ اللهِ فِي إِحْسَـــانِhttp://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
فَهُوَ الخِطَابُ لِكُـــلِّ عَقْلٍ نَابِهٍ     وَهُـوَ الضِّيَاءُ بِنُورِهِ الرَّبَّـــانِيhttp://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يَهْدِي إِلَى الخَيْرِ العَمِيمِ وَإِنَّهُ     أَمْنُ القُلُوبِ وَرَاحَـةُ الأَبْـــدَانِ


فينبغي – أيها السادة الكرام - أن نحافظ على هذا الكنز العظيم الذي أكرمنا الله به ، بأن نعتني بحفظه ورعايته ، وأن نعلمه لأولادنا ونسائنا وسائر أفراد شعبنا ، ونتلوه حق تلاوته ، ونقدره حق قدره ، ونفهمه حق فهمه ، وأن نحل حلاله ونحرم حرامه ، ونعيشه في واقع حياتنا ، بأن نسير - في سائر شؤوننا - وفق توجيهاته الهادفة إلى إسعاد البشرية في عاجلها وعاقبة أمرها.
"إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا".
والحمد لله رب العالمين


الأربعاء، 3 يوليو 2013

استقلال الجزائر( أبعاد ودلالات )



استقلال الجزائر ( أبعاد ودلالات )
الحمد لله الذي أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، الحمد لله الذي من علينا بالحرية والانتصار ، بعد قرن وربع من القهر و الاستعمار ، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد القهار ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي المصفى المختار ، صلى الله عليه وعلى آله الأطهار ، وصحابته الأخيار ، صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما بقي الليل والنهار . أما بعد / فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

إخوة الإيمان: في مثل هذه اليوم الأغر الأزهر ((الخامس من شهر جويلية)) خرج الجزائريون مرددين ذلك الشعار الخالد .. الذي يعبر عن طبيعة ثورتنا وربانيتها .. قائلين : " يا محمد مبارك عليك الجزائر عادت اليك ". وهو شعار له أكثر من دلالة في نفوسنا ، فهو من أبرز مظاهر تعلق الجزائرين بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، وقد كانوا بدأوا ثورتهم يوم الاثنين ؛ تيامنا بالمولد النبوي الشريف ، بل قيل أن أن ذلك اليوم صادف 12 ربيع الأول ، الموافق للفاتح نوفمبر... فبدأوها بذكرى ميلاد رسول الله وختموها - يوم الاستقلال -بقولهم : " يا محمد مبارك عليك الجزائر عادت اليك "..

نعم ، ففي مثل هذه اليوم الأغر الأزهرعادت الجزائر إلى حاضرة الإسلام ، وإلى جسم الأمة العربية والإسلامية ، بعدما أراد لها الأعادي أن تكون أندلسًا ثانية ، وبعدما بذلت الصليبية الماكرة كلما في وسعها لابتلاع هذه الأرض الطاهرة الزكية ، وبعدما وضعت فرنسا ما وضعت  من المخططات الشيطانية ، لصد هذه الأمة عن عقيدتها الإسلامية  ؛ لتحل مكانها عقيدة الصليب والوثنية ، وتلك غاية أعداء الإسلام في كل حقبة زمنية، لقد دلت على ذلك العديد من النصوص الشرعية ، منها قوله تعالى : (( ولن ترضي عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم )) وقاله تعالى أيضا : (( و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا )) ففعل (( لا يزال )) يفيد الدوام والاستمرارية ، و (( حتى )) تفيد انتهاء الغاية ، والغاية - هاهنا  - هي إخراج المسلمين عن دينهم ، بمختلف الوسائل الحربية ، سواءٌ المسلحة منها أو الفكرية والثقافية ، و من هنا نستخلص – أيها الإخوة الكرام - الحقائق الآتية :

الحقيقة الأولى : أن الحرب على الجزائر كانت حربا عقائدية ، هدفها طمسُ معالم الإسلام ومحوُ الهوية الوطنية ، هذا هو الهدف الرئيس ! وما سواه فأهداف ثانوية.

الحقيقة الثانية : أن الحرب على الإسلام ومعتنقيه لن تتوقف ، فهي وإن توقفت عسكريا فلن تتوقف بالوسائل الأخر ، من ثقافات ماجنة ، و أفكار إلحادية ، وصدق الباري جل ثناؤه إذ يقول : (( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون )).

الحقيقة الثالثة : أن ثورتنا المجيدة إنما استحقت نصر الله وتأييده ؛ لكونها كانت نصرة لله ونصرة لدين الله ، ولو لم تكن تلك غايتها لما استطاعت إلى تحقيق النصر سبيلا ، وإن الشواهد القرآنية لتؤكد – بوضوح - هذه الحقيقة التاريخية ، هذه الحقيقة التي ينبغي أن يعيها أبناء اليوم ؛ لما لها من عظيم الأهمية ،  يقول الله تعالى : (( وما النصر إلا من عند الله )) إذن : الله هو الذي نصرنا ، فلله الحمد والمنة ، ولكن لماذا نصرنا ؟ والجواب: يقول الله تعالى : (( ولينصرن الله من ينصره )) ويقول تعالى أيضا : (( إن تنصروا الله ينصركم )) والنتيجة : أن ثورتنا المقدسة إنما استحقت نصر الله وتأييده ؛ لكونها كانت نصرة لله ومن إجل إعزاز دينه والتمكين له.

ولقد أدرك شاعر الثورة هذه الحقيقة فصرح بها قائلا :

و لولا الوفاء لإسلامنا..........لما قرر الشعب يوما مئاله

و(( لولا )) حرف امتناع لوجود ، فعدم إحراز النصر امتنع لوجود الوفاء للإسلام ، وبالوفاء للإسلام تحقق النصر ولله الحمد والمنة.

الحقيقة الرابعة : أن العدو وإن يئس في احتلال أرضنا وصدنا عن ديننا ، فلن ييئس في التحريش بيننا ، تدفعه إلى ذلك دوافع شتى ، منها:

1-الحسد والبغضاء ، قال تعالى : " قد بدت البغضاء من أفواههم و ما تخفي صدورهم أكبر " وتلك طبيعة متأصلة في نفوس أعداء الإسلام على مختلف مللهم ونحلهم ، ولن تتغير تلك الطبيعة إلى يوم يبعثون ، ومن ظن أنه سيأتي يوم يحبون فيه الإسلام وأهله فهو واهم و جاهل بالسنن الكونية ، وبالحقائق القرآنية.

2-زعزعة أمن المسلمين واستقرارهم ؛ وذلك لأجل إعاقة مسيرتهم الربانية ، الهادفة إلى إسعاد البشرية في عاجلها وعاقبة أمرها ، ولأنه إذا تفرق المسلمون سهل ابتلاعهم والقضاء عليهم ، وقديما قيل : ((فرق تسد )) ، و لذلك فهم يخافون خوفا شديدا من الوحدة الإسلامية ، ويرون أن الوحدة الوطنية سبيل إلى تحقيق الوحدة الإسلامية . فانتبهوا لهذه المكائد واعتبروا يا أولي الأبصار !!! وإياكم ثم إياكم والوقوعَ في مصائد أعدائكم .

الحقيقة الخامسة : أن الله تعالى قد جعل لكل شيء سببا ، وعلينا احترام قانون السببية ، و معلوم أن ما أحرزناه من نصر، وما ننعم به اليوم  من حرية و سيادة وطنية ، فبسبب تضحيات الشهداء الأبرار ، ذوي العقيدة الراسخة وأولي الهمم العالية ، الذين قدموا أرواحهم فداء لعقيدتهم وشعبهم ووطنهم ، وبذلوا في سبيل ذلك دماءهم الطاهرة الزكية ؛ ولهذا كان فضلهم علينا عظيما ، والله تعالى يقول : ((ولا تنسوا الفضل بينكم )) ، وكيف يمكن لحر أصيل أن ينسى أو يتناسى فضل من أكرمه وأحسن إليه ، خصوصا  إذا كان ذلكم المحسن قد ضحى من أجل سعادتكم وسيادتكم بحياته الغالية !!!  وهو ما فعله الشهداء الأبرار، ولقد قائلهم :

واقض يا موت في ما أنت قاض ** أنا راض إن عاش شعبي سعيدا
أنا إن مت فالجزائر تحــــــــــــيا ** حــــــــــرة مســــــتقلة لن تبيدا

واعلموا - أيها الإخوة - أن الوفاء للشهداء يقتضي توقيرهم وإجلالهم والدعاء لهم ، والمحافظة على إنجازاتهم ، المتمثلة في استرجاع السيادة والحرية ، وإنما نحفظ هذا الإنجاز العظيم بحفظ الثوابت الوطنية ، وهي :

الإسلام ديننا -- والعربية لغتنا -- والجزائر وطننا – ونضيف إليها : (( والوحدة سبيلنا )) ، لأن الوحدة هي السبيل إلى حفظ بقية البنود ، وان الظروف الراهنة تقتضى إعطاءها مزيدا من العناية والأولوية .

اللهم لك الحمد على نعمة النصر ، ولك الحمد على نعمة الحرية والسيادة ، ولك الحمد على نعمة الأمن والاستقرار ، اللهم ارحم شهداءنا الأبرار ، واغفر لهم وتقبلهم بأحسن ما تتقبل به عبادك الصالحين ، وجازهم عنا خير الجزاء ، وأمِنا اللهم في أوطاننا ، ووفق ولاة أمورنا إلى ما تحبه وترضاه ، ووحد بين صفوفنا ، واجمع كلمتنا على الحق والدين ،  وانصرنا على من عادانا ، ومن أرادنا بخير فوقه لكل خير ، ومن أرادنا بسوء فاشغله بنفسه واجعل تدبيره في نحره ، وصل اللهم و سلم وبارك على سيدنا ونبينا و مولانا محمد وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.