......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

الخميس، 5 يناير 2017

المحافظة على نعمة الأمن والتحذير من الإخلال بها

المحافظة على نعمة الأمن والتحذير من الإخلال بها
 من خلال رؤية مقاصدية

الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" (البقرة208)

أيها المؤمنون الكرام : لقد من الله علينا في هذه البقعة الطاهرة بنعم عظيمة ، "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم" ، ومن أهم تلك النعم وأجلها : (نعمة الأمن والاستقرار) ، فبحفظ الله ورعايته ظلت بلادنا – في هذه المرحلة الخطيرة – آمنة مستقرة ، فلم تنزلق إلى تلك المنزلقات الخطيرة ، التي وقعت فيها - على حين غفلة - دول شقيقة ، كسوريا واليمن والعراق وليبيا وغيرها .. إذ لم تدرك شعوب تلك الدولِ أهدافَ تلك المؤامرة الشيطانية ، تلك المؤامرة التي تجمعها أربعة مقاصد أسياسية ، وهــــي:

1-   تقسيم الأمة الإسلامية إلى طوائف متناحرة ، ثم إلى دويلات هزيلة يسهل ابتلاعها والقضاء عليها متى شاء أعداؤها ذلك.
2-    وقف المد الإسلامي المتنامي في الأقطار الغربية من خلال تشويه حقائق الإسلام بالأعمال الهمجية.
3-     حماية أمن إسرائيل حتى تظل هي القوة القاهرة في المنطقة.
4-    صرف الأنظار عن القضية الفلسطينية والأقصى الشريف التي تعد قضية مصيرية للإسلام والمسلمين.  

واليوم قد أثبت الواقع هذه الحقائق ، فلم نعد في حاجة إلى البرهنة والتدليل عليها ، فليس من رأى كمن سمع.
 ولذلك ينبغي أن نستشعر جلال هذه النعمة ، (نعمة الأمن والاستقرار) التي لا حياة لنا بدونها ، ولذك جاء الأمن مقدما على الرزق في دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام ، قال تعالى :"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ".  فانظروا أيها المؤمنون كيف قدَّم الأمن على الرزق ؛  لأن الإنسان لا يستطيع أن يبحث عن الرزق ، ولا يتأتى له الشعور بلذته ، إذا كان فاقدا للأمن في حياته ، وتزيد السنة النبوية تبيانا وتأكيدا لهذه الحقيقة ، فيقول عليه الصلاة والسلام :" من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها". فلو ملكت الدنيا بأجمعها ، ما كان لك لنتعم بها أو تشعر بلذتها ، لو لم تكن آمنا في حياتك وبلدك ، معافى في بدنك وأهلك وأولادك ... وهل نستطيع أن نحقق نموا ، أو تقدما أو زدهارا .. إذا لم نكن آمنين في أوطاننا !؟

وإذا كانت نعمة الأمن لها كل هذه الأهمية ، فمن الحماقة أن نزدريها أو نقوم بما يخل بها ! بل الواجب علينا أيها المؤمنون أن نحافظ على هذه النعمة أكثر من محافظتنا على الحاجيات من أرزاقنا ، لماذا ؟ لأن الأمن يعتبر أصلا ضروريا للمحافظة على الحاجي من الأرزاق ، واختلال الأصل - الذي هو حفظ الأمن -  يؤدي إلى اختلال الفرع – وهو الحاجيات من الأرزاق ، بمعنى أننا إذا حافظنا  على أمننا فقد حفظنا أرزاقنا ، وإذا ضيعنا أمننا ضيعنا أرزاقنا وأرواحنا أيضا.

ولهذا لفت النبي صلى الله عليه وسلم انتباهنا إلى أهمية نعمة الأمن وضرورة المحافظة عليها ، فكَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ:"  اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وترضى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ".
وبين الله لنا سوء عاقبة الذين لم يشكروا نعمة الأمن ويقدروها حق قدرها  ، فقال تعالى : " وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ" ، فهذه القرية كانت آمنة مطمئنة ، وبسبب أمنها كانت أرزاقها تأتيها من كل مكان ، فلما جحدت هذه النعمة  ، ولم تشكر الله عليها ولم ترعها حق رعايتها ، أذاقها الله لباس الجوع والخوف ... وقد ذكر الله لنا قصتها لنأخذ منها العبرة والعظة ، فألحقوا الشبيه بالشبيه ، والنظير بالنظير ، وذلك معنى قوله جل وعلا :"فاعتبروا يا أولي الأبصار".

ولذك كان مِنْ أهمِّ العواملِ للمحافظة على نعمة الأمن والاستقرارِ شكر الله عز وجل ، وطاعته في ما أمر ونهي ، وتجنب المظاهر والأساليب المؤدية إلى الإخلال بهذه النعمة ، عملا بالقاعدة الأصولية المقصدية (سد الذرائع)،  ومعناها ترك الأعمال المؤدية إلى الفساد حتى ولو كانت مشروعة ، مثلما ترك النبي صلى الله عليه وسلم إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم - على الرغم من مشروعيته -  وإنما تركه النبي بالنظر إلى ما قد يترتب عليه من مفاسد عظيمة ، وهي نفور الناس عن الإسلام أو ردتهم ، بسبب ذلك الفعل ، لأن الإيمان لما يرسخ في قلوبهم بعد.

فإذا لم نطبق هذه القواعد الشرعية - المجمع عليها - في ما يجري في واقعنا ومحيطنا ، فما عسانا فاعلين بها ! ومن ذلك مظاهرات بجاية وتيزي وزو وغيرهما ، التي خرج فيها بعض المواطنين للاحتجاج على ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة ، لوكانت هذه المظاهرات بأسلوب حضاري وشكل هادئ ومنظم .. على غرار ما نرى في الدول المتحضرة ، لكانت حقا مباحا شرعا ودستورا ، ولما اعترض عليها إمام و لا حاكم ولا فقيه .. لأنها عبارة عن مطالبة بحق من الحقوق ، أما أن تكون ذريعة لتخريب الممتلكات العامة والخاصة ، والاعتداء على الحرمات وترويع الآمنين ، فهذه التصرفات ونظائرها لا تقرها الأديان ، و لا تُقبل شرعا ولا عقلا ولا عرفا ،  و لا يحل لمسلم المشاركة فيها ؛ لأنها – في هذه الحال - خرجت عن مسارها وإطارها ، وتحولت إلى غطاء للصوص والمجرمين ، بل قد تُتخذ أداة وذريعة لتنفيذ مؤامرات خارجية ، لا سيما في هذه الضروف الصعبة التي تمر بها الأمة عموما والجزائر على وجه الخصوص ، هذا معنى سد الذرائع الذي أجمع عليه علماء  الإسلام قاطبة ، وهو وجوب ترك الوسائل المؤدية إلى الفساد والخراب ، ومن ثم قعد العلماء: (وسيلة الحرام حرام) حتى ولو لم تكن الوسيلة حراما في أصلها ، ولكنها تؤدي إلى محرم غالبا ، فيكون حكمُها حكمَ ما تؤدي إليه.

ولذلك ينبغي أن ندرك هذه الحقائق الشرعية ، فنسلك للمطالبة بحقوقنا المسالك المشروعة التي لا يترتب عليها ضرر ولا ضرار ، وأن نتحلى بالوعي واليقظة والحذر ، وأن نزن الأمور بالنظر إلى نتائجها ومآلاتها ،  وألا ننجر وراء الدعوات والمنشورات التحريضية ، حتى لا نحل قومنا دار البوار فنكون من الهالكين ، وهل يرضى أحدكم - أيها الكرام - أن يكون أداة لتخريب وطنه من أجل بطنه ؟  حقيقة نحن نعاني من أزمة اقتصادية ، ومن ضروف  معيشية متدهورة ، ولكنها مرحلة عابرة إن شاء الله نحن فيها خير من كثير من الشعوب ، فلِمَ لا نكون كما قال الشاعر: (فاصبر إذا الدهر نبا نبوةً    فـجُنّةُ الحازم أن يصبرا) ونسأل ألا يرينا في وطننا وأمتنا مكروها ، ولله در الإمام الثعالبي إذ يقول :   

إنّ الجزائــر في أحوالها عجـــب   ولا يدوم بها للناس مكــروه 
 ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع   إلا ويُسر من الرحمن يتلـوه  

وعلى ولاة الأمور أن يتحملوا مسؤوليتهم التاريخية أمام الله وأمام الأمة ، بأن يتصرفوا - تجاه هذه الأحداث ونحوها - بحكمة شرعية ، وحنكة سياسية ، وبصيرة ثاقبة ، قائمة على الحلم والأناة ، والنظر إلى العواقب والمآلات ، والشعور بالأمانة والمسؤوليات ، وأن يصغوا إلى مواطنينهم ويحاوروهم بالتي هي أحسن، وأن يعملوا ما في وسعهم لإيجاد حلول مرضية لهذه الأزمة ، وأن يعملوا على سد كل المنافذ التي من شأنها أن تؤدي إلى مثل هذه الإضطرابات ... فلْنتعاون كلنا ، ولْتتظافر جهودنا جميعا ، وذلك من أجل تفويت الفرصة على أعداء الوطن داخلا وخارجا ، يحدونا في ذلك قوله تعالى:"وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".

فاللهَ اللهَ في الجزائر  أيها المسلمون ، فإنها أمانة الشهداء في أعناقكم ، فاحفظوا الأمانة وصونوا الوديعة ، ولا تعطوا الفرصة للمرجفين ، بأن يعبثوا بأمنكم واستقراركم ، وكونوا يدا واحدة على من سواكم ، يحدوكم في ذلك قوله تعالى :" وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ".  

ونسأل الله تعالى أن يمن علينا في هذه البقعة الطاهرة – الجزائر – بالأمن والاستقرار ، والعافية المعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، ومن أرادنا  بسوء  فنسأل الله أن يجعل تدبيره في نحره وأن يشغله بنفسه .

ونسأل الله تعالى للقائمين بشؤون هذه الأمة، ألفة تجمع الشمل، ووحدة تبعث القوة، ورحمة تضمد الجراح، وتعاونا يثمر المنفعة، وإخلاصا يهون العسير، وتوفيقا ينير السبيل ، وتسديدا يقوم الرأي ويثبت الأقدام، وحكمة مستمدة من تعاليم الإسلام وروحانية الشرق وأمجاد العرب، وعزيمة تقطع دابر الاستعمار من النفوس، بعد أن قطعت دابره من الأرض.

ونعوذ بالله ونبرأ إليه من كل داع يدعو إلى الفرقة والخلاف، وكل ساع يسعى إلى التفريق والتمزيق ، وكل ناعق ينعق بالفتنة والفساد.


وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين

هناك تعليقان (2):