......................................................................... ..... ..................................كل الحقوق محفوظة لمؤلف المدونة

بحث في هذه المدونة

السبت، 27 يوليو 2013

العشر الأواخر وليلة القدر



الحمد لله حق حمده ، الحمد لله الذي بحمده يبلغ ذو القصد تمام قصده ، نحمده تعالى على تفضله وإنعامه ، ولطفه وإحسانه ، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ونشهد أن محمدا عبد الله و رسوله  ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .  
"
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين"( أما بعد / فيا أيها الإخوة الكرام :
ها هو رمضان  قد بدأت أيامه تتقلص يوما بعد يوم ، ولياليه الشريفة تنقضي ليلة بعد ليلة ، وهي لأعمالكم خزائن محصنة ، ولسعيكم مستودعات محفوظة ، وهي إما شاهدة لكم أو عليكم  ، يقول الله تعالى في الحديث القدسي : "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
أتى رمضان مزرعة العباد… لتطهير القلوب من الفساد
فأدِّ حقوقه قولا وفعـــــــلا … وزادك فاتخذه للمـــــــــعاد
من زرع الحبوب وما سقاها … تأوَّه نادما يوم الحصـاد
و لقد بقيت من أيام شهركم  بقية ، وأنعم بها من بقية !! إنها بقية العشر الأواخر من شهر رمضان ، التي هي أفضل الأيام والليال ؛ ولذلك كان رسول الله يخصُّ هذه العشر بمزيد من العبادة ، ويضاعف فيها جهده بالأعمال الصالحات، ويجتهد فيها بأنواع من القربات والطاعات  ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان رسول الله إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ وشدّ المئزر" (رواه الشيخان). بمعنى أنه يضاعف جهده في هذه الليالي ، ويوقظ أهله لمناجاة الملك العلام ، وذلك لما يعلم صلى الله عليه وسلم من عظيم خير هذه الليالي المباركات.
وحسب هذه الليالي شرفاً ورفعة وفضلاً أن الله تعالى اختصّها بليلة القدر المباركة ، التي عظَّم قدرها، وأنزل فيها أشرف كتبه على أشرف رسله ، فقال تعالى : " إنا أنزلناه في ليلة القدر". والقدر: الذي أضيفت إليه هذه الليلة هو : الشأن العظيم والجاه المفخم . كما قال تعالى : "وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ". أي ما عظموه تعظيما يتناسب مع قدره العظيم.
  وقال تعالى : " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ  فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ". أَيْ: فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يُفْصَلُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى الْكَتَبَةِ ( الملائكة ) أَمْرُ السَّنَةِ كلها ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا أمور وحوادث إِلَى آخِرِهَا ، وقَوْلُهُ تعالى : ( أمر حَكِيمٌ ) أَيْ: مُحْكَمٌ لَا يُبَدَّلُ وَلَا يُغَيَّرُ.
 والعبادة في هذه الليلة  تفضُل عبادة ألف شهر ليست فيها ليلة القدر، فهي ليلة عظيمة البركات، كثيرة الخيرات، لِما يتنزل فيها على العباد من عظيم المنح والهبات . قال تعالى :"لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ". روي عَنْ مُجَاهِدٍ أنه قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يَقُومُ اللَّيْلَ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يُجَاهِدُ الْعَدُوَّ بِالنَّهَارِ حَتَّى يُمْسِيَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَلْفَ شَهْرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) . أي قِيَامُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ في تلك المدة كلها.
و من دلائل توفيق الله لعبده أن يوفقه لاغتنام هذه الليالي المباركة ، بالتقرب إلى الله بصالح الأعمال ، والتذلل بين يدي الله بمختلف أنواع العبودية ، من توبة واستغفار ، وتهجد وذكر ودعاء وتلاوة وإحسان.....أملا في إحراز فضل ليلة القدر، وطمعا في نيل بركاتها ، وفي الحديث : "من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه"(أخرجاه الشيخان).  فمن قام هذه الليلة  بنية خالصة ، وعبودية صادقة ، غفر الله له ما سلف من ذنوبه ، وكفر عنه سيئاته وخطاياه.
ولقد دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التماسها في الأوتار من العشر الأواخر، أي في الواحد والعشرين ، والثالث والعشرين ، والخامس والعشرين ، والسابع والعشرين ، والتاسع والعشرين ، قال صلى الله عليه وسلم: "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي" ( رواه مسلم ). فليلة القدر مخفية في هذه الليالي لحكمة يعلمها الله ، إلا أن مما لا ريب فيه أن مصلحة تلك الحكمة عائدة على العباد في دنياهم وأخراهم .
وقد سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عما تدعو به في ليلة القدر إن هي علمتها، فقال لها صلى الله عليه وسلم قولي : "اللهم إنك عفو كريم ، تحب العفو فاعف عني".
فاغتنموا يا إخواني ما تبقى من أيام هذا الشهر ولياليه ، بالمسارعة إلى طاعة الله ومرضاته، والتعرض لنفحاته وألطافه، فربما أدركت العبد نفحةٌ من نفحات ربه، فارتقى بسببها إلى درجات المقربين، وكان في عداد أولياء الله المتقين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وأكثروا في هذه الليالي من الإحسان إلى الوالدين ، وذي القربى واليتامى والمساكين ، وإلى الخلق عامة ، وطهروا قلوبكم من كل شائبة ، فإن الله لا ينظر إلى القلوب المظلمة بالشرك والحقد ، والغل والحسد ، والعجب والكبر ، وغيرها من الأمراض ، فعيشوا طاهرين طيبين ، يتقبلكم الله مع الطيبين ، وتتوفاكم الملائكة طيبين .
" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ "
جعلني الله وإياكم من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق